فيتو القنب الهندي في حقول كتامة

الحرب على المخدرات أنعشت أسعار الحشيش

السبت 28 أكتوبر 2006 - 10:58

عادت أسعار الكيف ومشتقاته لتنتعش من جديد ببورصة المخدرات في منطقة كتامة، بعد سنوات من الكساد التجاري والحصار المضروب على مهربي ومنتجي المادة المخدرة.

وتزامن الارتفاع الملحوظ في أسعار الكيف مع حملات تطهير كبرى لبارونات المخدرات بجهة طنجة تطوان، معبر حشيش كتامة إلى السوق الدولية، مفارقة طرحت أكثر من علامات استفهام في وقت سقط فيه محمد الخراز الملقب بـ "الشريف بين الويدان" وشبكته، وصعدت فيه أسهم الحشيش وأسعاره في السوق السوداء ضاربة أخماسا في أسداس، لا أحد يدري سرها سوى أهل الحل والعقد من منتجي ومروجي "الحشيشة".

وبقدر تشعب شبكات إنتاج وتصنيع وترويج الحشيش ومشتقاته، بقدر ما يتيح ذلك نشاطا وحيوية في مثل هذه البقاع التي تخترقها طريق قمم ملتوية تشرف على قرى ومنازل وقصور معزولة تحتضن بين ثناياها الآلاف والعشرات من ورشات التصنيع السري لمنتوج القنب الهندي، قبل تحويله إلى مشتقات ومستخلصات قابلة للترويج والاستهلاك المحلي والخارجي.

فيتو القنب الهندي

في جولة استطلاع قادتنا على متن شاحنة إلى قرية بني عيسي الموطن الرئيسي لزراعة وإنتاج القنب الهندي، انطلاقا من السوق الأسبوعي لعبد لغاية السواحل وعلى امتداد قرى ومسالك وعرة عند قدم جبل تدغين، كان من أبرز ما أثار انتباهنا، أصوات دقات غريبة تنبعث من منازل بين الفينة والأخرى، دقات توحي أن مزارعي ومنتجي "الكيف" المبثوثين هنا وهناك عبر هذه القرى القابعة في منحدرات ووهاد كتامة، قد شرعوا منذ أيام قلائل في تحويل محصولهم إلى منتوج قابل للتصنيع والاستهلاك، إذ على خلاف عشرات القرى المنتشرة شمال غرب إقليم تاونات والمتاخمة لمنطقة كتامة المترامية الأطراف بالريف الأوسط الأعلى، فإن منتجي الكيف هناك لا يكترثون لقدوم دوريات فجائية للسلطة والدرك ما داموا يمتلكون حق "الفيتو" الذي يتيح لهم إنتاج وامتلاك هذه النبتة دون غيرهم على حد تعبيرهم.

انتعاش القاعدة الخلفية للتهريب

خلال استفسارنا حول سر انتعاش سوق الحشيش بمنطقة كتامة في الوقت الذي جرى فيه اعتقال أباطرة للمخدرات بالشمال بزعامة الشريف بين الويدان ومسؤولين أمنيين كبار، قال أحد منتجي "الكيف"، "لا تأثير لما حدث في قضية بين الويدان وحشيش كتامة، كثر الحديث في هذا المجال إلى حد التخمة وطرح البعض تخوفات من أن تمتد فيضانات الشريف من المعاقل المتقدمة للتهريب إلى معاقل التهريب الخلفية بكتامة، ما دام أن بارونات كهؤلاء كانوا بمثابة قنوات لضخ كميات مهمة من حشيش كتامة".
غير أن ذلك بالمقابل، يضيف المصدر، لم يكن ليؤثر مع توالي الأيام على إنتاج ورواج هذه السلعة بمنطقة كتامة، حيث يوجد مهربون ووسطاء وطرق ووسائل عديدة لترويج الحشيش ومشتقاته.

وشهدت أسعار الكيف بالسوق السوداء ارتفاعا غير مسبوق مقارنة بالسنوات الماضية، هذا الارتفاع الملموس في مثل هذه الظروف، عزاه المصدر نفسه، إلى عوامل بعيدة كل البعد عن الضجة التي فجرها محمد خراز، وهو الحال الذي كانت عليه حملات التطهير التي أسقطت سابقيه، وفككت شبكات كبار البارونات مرورا بكل من "الديب" و"الرماش" قبل أن تطفو على السطح من جديد قضية "بين الويدان"، وهذا معناه أنه لا مجال للتأثير بين منطقة كتامة كمصدر وقاعدة خلفية للمخدرات، وبين منطقة طنجة وتطوان كقاعدة متقدمة على هذا المستوى.

لذا فالسر الكامن وراء انتعاش سوق الحشيش بمنطقة كتامة في مثل هذه الفترة على عكس السنوات الماضية مرده، حسب المصدر ذاته، إلى تقلص المساحات المنتجة للقنب الهندي بالشمال.

وأشار إلى أن الحرب الواسعة التي شنتها السلطات خارج النطاق التقليدي لهذه النبتة "منطقة كتامة" السنة الجارية، أدت إلى إتلاف كميات ضخمة من محصول ومخزون "الكيف" لدى المزارعين بقرى إقليم تاونات وتطوان، بعد إعلان إقليم العرائش بدون قنب هندي السنة الماضية، وهو ما ساهم برأيه في تراجع الإنتاج الوافد خارج نطاقه التقليدي وبخاصة من منطقتي غفساي وامتيوا شمال غرب إقليم تاونات التي كانت تغرق كتامة وتنافس جودة حشيشها خلال السنوات الماضية، في الوقت الذي تضرر فيه إنتاج كتامة الموسم الجاري بفعل الأحوال الجوية غير الملائمة.

واعتبر أن هذا الأمر أدى في نهاية المطاف إلى تراجع ملحوظ في الإنتاج وإزاءه بالمقابل ارتفاع في الطلب على هذه العشبة من لدن كبار المنتجين والمهربين بمنطقة كتامة، التي ما زالت تحتكر وتتحكم في وسائل صنع مسحوق الكيف على اختلاف جودته وتحويله إلى صفائح "الشيرا" ذات الاستهلاك الواسع في أوساط مدمني المخدرات.

ويشكل هذا الصنف من مخدر الكيف معظم الكميات المهربة والتي يجري ترويجها في السوق الوطنية والدولية لقابلية تهريبها واستهلاكها بخلاف الحشيش الذي يستهلك بواسطة الغليون المعروف بـ "الشقاف" أو "السبسي"

الحشيش الممتاز يزن ذهبا

سجلت أسعار "الكيف" ومشتقاته في منطقة كتامة ارتفاعا ملحوظا، إذ يتحدث منتجون في السوق الأسبوعي لعبد الغاية السواحل "ايكاون" على بعد 60 كيلومترا إلى الشمال الغربي من مدينة تاونات، حيث يوجد حيز خاص لعرض سواعد عمال قدموا إلى المنطقة للاشتغال في محلات سرية لتحويل محصول القنب الهندي، أن سعر الكيلوغرام الواحد من مسحوق "الغبرة" ذات الجودة القصوى يصل إلى 10 آلاف درهم، أي 10 دراهم للغرام الواحد، في الوقت الذي لم يكن يتعدى فيه الصنف نفسه وبالكمية نفسها السنة الماضية 8 آلاف درهم.

وكشفت المصادر ذاتها أن مشتقات "الكيف" شهدت أسعارها ارتفاعا بداية شهر شتنبر الماضي مقارنة بالسنوات الماضية، وأن ذلك شمل مختلف الأصناف حسب تراتبية جودتها من الممتازة إلى الرديئة، فيما ارتفع الكيلوغرام الواحد من "الشيرا" إلى 12 ألف درهم.

الغبرة والبودرة والطامبو1 و2 والزيروة

بإحدى ورشات تحويل الكيف في منزل بقرية بني عيسي، قال علال، وهو من بين الأيادي العاملة التي اعتادت على الهجرة من منطقة أولاد جامع النائية بضاحية فاس للاشتغال في منطقة كتامة على امتداد المراحل الخمس التي تميز إنتاج هذه المادة، إنه بعد انتهاء عملية حصاد القنب الهندي وتجفيفه على سطح المنازل تجري عملية تحويله كمادة خامة إلى مسحوق يتخذ أصنافا بحسب الجودة.

وتنتج العملية الأولى ما يسمى بـ "الغبرة" ذات الجودة الممتازة، تليها من حيث الأهمية "البودرة" ويقل عنها جودة (الطامبو 1و2) قبل أن يجري استخلاص كلا من "الترقيعة" و"الزيروة"، وهما الأقل جودة، فيما يجري استخلاص زريعة الكيف في النهاية.

وتحدث علال عن أن ما يميز صنف "الغبرة"، ذات الجودة الممتازة لدى منتجي مشتقات "الكيف"، هو غليانها وفورانها بمثل ما يحدث لقطعة كبريت عند تعريض عينة من مسحوق "الكيف" المستخلص في العملية الأولى للنار ساعة إخراجها من قعر الصحن الذي تهرس فيه بواسطة منديل حريري من صنع صيني.

أما "البودرة" فإن خاصيتها تكمن في غليانها عند تشكيلها على شكل كويرة يدويا وهي لا تقل أهمية في جودتها عن "الغبرة"، في حين أن "الطامبو1 " يجري تمييز خاصيته عبر الضغط على عينة من مسحوق "الكيف" المحصل عليه في العملية الثالثة، بواسطة الأصبع وإذا ما حدث غليان طفيف فإنها تصنف ضمن جودة مستحسنة، وعند الضغط على العينة مرتين وحدوث غليان طفيف يجري الحصول على "الطامبو 2" ، وهو ذو جودة لابأس بها إلى متوسطة.

وبالنسبة إلى "الترقيعة"، ذات الحشيشة الرديئة، فتميز بحدوث غليان هزيل لعينة من مسحوقها، وتفرز "الزيروة" الأقل جودة في المرحلة الأخيرة، إذ تدعك عينة من مسحوقها إلى أن تصبح مثل قطعة الشوكولاتة ثم تعرض للنار، وإذا حدث توهج واضح يطلق عليها "زيروة شمعة" أو "ايصانص" وإذا كان توهجها متوسطا يطلق عليها "دبانة" وإذا لم تتقد بها تدعى "تشليلة".

ويبرز المصدر نفسه أن إنتاج مثل هذه الأصناف من مسحوق الحشيش أصبح واسع الانتشار ويشمل مناطق كتامة وغيرها، إذ لم يعد إلا القليل من مزارعي القنب الهندي ممن يعمدون إلى بيع محصولهم من هذه المادة خامة حيث لا يجنون سوى أرباح ضئيلة، وهذا معناه أن تحويل المادة الخامة إلى مسحوق حشيش على اختلاف الأصناف يرفع من الربح لدى المنتج بعشر مرات أحيانا، مما يساعده على الرفع من مدخوله.

سوق الحشيش وصناعة

ما زالت صناعة صفائح "الشيرا" وزيت الكيف تقتصر على كبار منتجي ومروجي الحشيش في منطقة كتامة دون غيرهم، وهو احتكار في حد ذاته برأي العلالي، إذ يساعد ذلك على تجميع ثروة الحشيش والتحكم في تصنيعه وفي أسعار مشتقاته، مما يدر على هؤلاء بنظره أموالا طائلة تجعلهم يتحكمون في عوامل الإنتاج والتسويق.

وعن عملية تصنيع "الشيرا"، يبرز هذا العامل، الذي قضى أزيد من 35 سنة في هذه المهنة، أنها تجري عن طريق وضع مسحوق الحشيش بإناء بلاستيكي يدعى "سولوفان" قبل أن يجري إيلاجه "البريصة"، حيث يخضع للضغط الحراري، قبل أن يتحول إلى صفائح "شيرا" قابلة للتسويق والاستهلاك وذات جودة ممتازة إلى ضعيفة.

وأضاف أن إنتاج "الشيرا" يتطلب يدا عاملة كثيرة وذات خبرة، إذ بإمكان العامل المتخصص في صنع "الشيرا" أن يحصل على 1500 درهم في اليوم إذا ما استطاعت براعته إنتاج كميات كبيرة في اليوم الواحد

السبيسي مسرح والكيف مدرح

تعد منطقة بني عيسي المشرفة على قمة جبل تذغين وثلاثاء كتامة، الموطن الأول لزراعة الكيف.

ويقول آهالي بني عيسي لزوارهم من مستهلكي ومهربي هذه المادة "مرحبا بيك عقبا على وجاه العيسي، السبسي مسرح والكيف مدرح".

كما يرددون أيضا "الكيف ديال بني عيسي والطابة ديال برنص، كمي وتقرنص"، وهذا هو الصحيح برأيهم على خلاف الذين يقولون "كيف بني سدات منها نجيبها بدات".

ويرى البعض أن ذلك مجرد تباه وتنافس في حد ذاته بين المناطق المنتجة للكيف، إذ لم يعد برأيهم تمييز الحشيش الجيد عن الرديء، بعد انتشار الكيف خارج النطاق التقليدي لمنطقة كتامة.




تابعونا على فيسبوك