لا تختلف كثيرا أجواء رمضان بالمنطقة الشرقية، عما عليه نظيراتها بجميع تراب المملكة، إلا أن هذا لايمنع من وجود بعض التباين والاختلاف، بين جهات المملكة، نظرا لخصوصيات ومميزات كل جهة، على مستوى الموقع الجغرافي وعادات وتقاليد كل منطقة.
فالجهة الشرقية عموما، يتغير بها نمط الحياة، مع حلول هذا الشهر الكريم، ويبقى السمة الغالبة على منهج ساكنة الجهة، هو تنوع أعمال البر والإحسان، امتثالا لتعاليم الدين الإسلامي، فالمساجد تلقى إقبالا كبيرا من طرف المصلين، من كلا الجنسين، ومن مختلف الأعمار، بالليل والنهار، لأداء الصلاة وخاصة صلاة العشاء، حيث تسجل ذروتها من حيث عدد المقبلين على بيوت الله، لأداء الفريضة ونافلة التراويح، وقبلها للاستماع إلى دروس المواعظ والإرشاد، التي يتطوع لإلقائها، كل سنة، العشرات من الوعاظ والخطباء
للفقراء والمساكين وابن السبيل والمشردين بالمغرب الشرقي، نصيب من بركات هذا الشهر الفضيل، إذ تنتصب في عدة أماكن موائد الرحمان، بمقاهي ومطاعم ومقر جمعيات وغيرها يقيمها المحسنون، لفائدة الفئات المحتاجة كما تخصص فئة من ذوي القلوب الرحيمة، مع قدوم أول يوم من أيام شهر رمضان أو قبله بيوم أو يومين، مجموعة من المواد الغذائية الضرورية والمتنوعة، صدقة للأرامل والمحتاجين، تقدم لهم عن طريق الوساطة، دون أن يتعرفوا على أصحابها، وهذا سلوك يلجأ إليه المحسنون، لإخلاص النية لله وابتعادا عن آفة الرياء شهر رمضان بالشرق المغربي، هو أيضا شهر الاستهلاك بامتياز، إذ تكتظ أسواق المدينة، بالمتسوقين، ما يدفع بمجموعة من التجار الموسميين، لاستغلال أرصفة الطرقات، بكل ربوع المدينة، لعرض سلعهم، التي تكون في الغالب، من المواد الغذائية المهربة من الجزائر بالدرجة الأولى، أو القادمة من مليلية المحتلة، فيما تلجأ الفتيات والنساء لعرض الفطائر لمسمن، الحرشة، البغرير المعروف عند أهل الشرق باسم خرينكو والخبز البلدي إلخ وهي المواد التي يحضرنها ببيوتهن
وتنشط القراءة بشكل كبير بالمنطقة ككل، وخاصة القرآن الكريم، الذي يتلوه الجميع أثناء الليل، وأطراف النهار، فتتوسع حلقات تلاوة الذكر الحكيم جماعة، بعد صلاة العصر بكل المساجد، عوض بعد صلاة المغرب كما هو معهود عند المغاربة في الأيام العادية، كما نجد أيضا، من يصحب معه كتاب الله، إلى الحدائق أو مقر العمل سواء بالإدارات أو المتاجر، لاغتنام وقت الفراغ في تلاوة آيات الكتاب المقدس
وتشمل القراءة كذلك، الكتاب الإسلامي عموما، الذي يسجل هو الآخر إقبالا في شهر الصيام، وتقام له خصيصا معارض، بمجموعة من المكتبات ومقرات الجمعيات ومن مظاهر البر أيضا، التي تنشط في شهر التوبة والغفران، تنظيم بعض الجهات غير الرسمية، حملات للتبرع بالدم، سواء بالمساجد أو بالمصحات أو الجمعيات، إذ لا يتردد العديد من الرجال والنساء، ممن يرغبون في تنويع أعمال الخير، في رمضان وحصد المزيد من الحسنات، في التبرع بهذه المادة الحيوية ومهما تعددت وتنوعت مظاهر الإحسان بالجهة الشرقية، فإنها لا تخفي اندثار بعض العادات، إن لم نقل الواجبات، التي بدأت في الاندثار بالجهة، طبعا مع بعض التفاوت بين حواضرها وبواديها، وبالخصوص، إحياء صلة الرحم بين الأهل والأحباب، فإلى حدود منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، كان أفراد العائلات الشرقية يتزاورون في ما بينهم، مباشرة بعد أداء صلاة العشاء والتراويح، يتهادون أطباق الطعام والحلويات والفطائر، ويتسامرون في ما بينهم حتى ساعة متأخرة من الليل، قد تصل حتى وقت السحور، على النقيض تماما مما هو عليه الحال في وقتنا الحاضر، ولعل تطور وسائل الاتصال والإعلام ، ساهم بشكل كبير في تعطيل هذه العادات الأصيلة، فالتهاني بحلول شهر التوبة الغفران، باتت تجري عن طريق الهاتف، إن لم نقل عبر الرسائل الإلكترونية فقط، والتجمعات العائلية حلت محلها سهرات القنوات الفضائية، وغرف الدردشات عبر شبكة الإنترنت. للرياضة نصيب وافر من اهتمام شباب المنطقة، طيلة أيام الشهر الفضيل، وخصوصا كرة القدم التي تقام لها دوريات بمختلف أحياء الجهة، وأصبحت تشكل تقليدا سنويا، وتستقطب اهتمام شريحة واسعة من الجمهور، ممن يودون تزجية الوقت الفاصل، بين العصر وآذان المغرب، فيما تفضل فئة أخرى، ممارسة رياضة الجري، سواء بحلبات السباق أو بالغابات المجاورة، في حين هناك من يلجأ إلى القاعات الرياضية وفي ظل غياب شبه تام لوسائل الترفيه، بجميع ربوع المنطقة الشرقية، وخصوصا العروض المسرحية والسهرات الفنية، تبقى المقاهي، الملاذ الوحيد لالتقاء الأصدقاء، لارتشاف كؤوس القهوة والشاي، وتبادل أطراف الحديث، وللاستراحة من أتعاب العمل اليومي ومشقة الصيام