بدا مركز تحاقن الدم، المتواجد قرب مستشفى ابن رشد للأطفال في الدار البيضاء، خاليا في البداية إلا من موظفيه، يتنقلون بوزراتهم البيضاء، بين أقسامه في حركة تدل على الجدية.
دخلت، بعد مرور مدة من الزمن، سيدتان في متوسط العمر، إحداهما تبدو شاحبة، هزيلة، ترتدي ملابس بالية، وتحمل معها ملفا به بعض الأوراق، تتقدمها الثانية التي تبدو ذات دراية بالأمور، تتوجه نحو شبابيك المركز بخطوات متسارعة، وتستفسر عن الإجراءات التي ينبغي اتخاذها، من أجل شراء قارورات دم.
يتعلق الأمر بالحاجة فاطنة و ف حليمة زوجة ع غازي الذي يعاني من فقر الدم، ويوجد حاليا بقسم أمراض الجهاز الهضمي، بمستشفى ابن رشد في الدار البيضاء، ظل طريح الفراش منذ زمن طويل، وتطور مرضه وأصبح يحتاج حاليا لعملية جراحية، الشيء الذي تطلب منها البحث عن الدم، من أجل إضافته للزوج المريض
حكت حليمة ف لسيدة كانت بجوارها أنها كانت تعيش مع زوجها حياة بسيطة، في حي قديم، ليس لديهما أولاد، زوجها الذي كان يكسب قوته اليومه من خلال امتلاكه لعربة يجرها حمار، واليوم بعد مرضه لم يعد لها معيل
تقول إنها امرأة لم تلج المدرسة قط، ولذلك فهي لا تفهم في كل التفاصيل التي يحتاجها المرء في مثل هذه المواقف، فجارتها هي التي تتكلف بجل الإجراءات الإدارية، منذ دخل زوجها المستشفى.
طلب من حليمة، البحث عن أشخاص يتبرعون لفائدة زوجها بالدم، فأخذت الحاجة فاطنة تتوسل كل من ولج المركز، لتقديم هذه الخدمة، وتأخذ في إطلاق الدعوات الصالحات لهؤلاء، إنها تبدو امرأة جريئة، لبقة في الكلام، ولها ثقة كبيرة في نفسها.
كانت سعيدة ع إحدى المتطوعات، أتت إلى المركز لختم ملف التأمين، فطلب منها انتظار المسؤولة عن هذه المصلحة، جلست بإحدى الزوايا، فراعها شكل الحاجة فاطنة وهي تستجدي المتبرعين، ودون أن تتوجه إليها بالطلب قررت التبرع بدمها لفائدة هذا المريض
طلب منها الإدلاء باسمها عند الشبابيك الخاصة، والتوجه بعد ذلك لقاعة الفحص، لكنها رجعت بخيبة أمل، فهي لا تستطيع مساعدة هذه المرأة كما لا يمكنها التبرع بدمها أبدا
لم تكن تعرف أن من سبق له ان استفاد من عملية حقن بالدم، لا يستطيع التبرع، وقد سبق لسعيدة أن أجريت لها عملية فقدت إثرها كمية كبيرة من الدم، في بداية تسعينات القرن المنصرم، ما تطلب إضافة دم خارجي لجسمها.
سعيدة ع تزور هذا المركز منذ ست سنوات، تأتي من حين لآخر لشراء هذه المادة أمها التي تعاني من عجز في الكلي وتحتاج لتصفية الدم ثلاث مرات في الأسبوع، وترى أن ثمن اقتناء الدم مرتفع، ولا يتكبد المريض الذي ليست له تغطية صحية، معاناة ومشاق من أجل الاستفادة من هذه المادة.
فالكيس الذي يحتوي على 250 سنتلتر، يكلف 360 درهما، وهناك من يحتاج إلى عملية حقن الدم، خلال فترات معينة من السنة، خاصة الأشخاص المصابون بفقر الدم، وتظن سعيدة.
ع أن آلات التصفية تؤثر على كمية الدم الموجودة في الجسم نتهت الحاجة فاطنة، من عملية الاتصال بالمتبرعين، وبدت عليها علامات الارتياح.
طلبت من جارتها الادلاء بأوراق الطبيب، لكي تأخذ الكمية التي تحتاجها، ثم خرجتا من المركز بخطوات مطمئنة
جلست سعيدة ع إلى جانب الحاجة الغالية التي أخذت تتحدث عن مرض ابنتها الوحيدة، الذي تطلب منها بيع كل ما تملك، كانت تحضن أوراق ملفها وكأنها تخشى عليها من الضياع، وبجانبها وضعت ثلاجة صغيرة، اعتادت على حملها كلما كانت متوجهة إلى مركز تحاقن الدم.
اشترت الحاجة الغالية، ذلك اليوم ما يعادل 1500 درهم من الدم، وطلب منها استقدام أربعة أشخاص ليتبرعوا لفائدتها بكمية من دمهم، تساءلت الحاجة عن السبب، ما دامت أدت ثمن الدم الذي أخذته، فقيل لها إن ذلك لا يساوي ما تكلفه عملية معالجة هذا الدم ليصبح جاهزا للحقن.
تقدم شابان للشباك من أجل التبرع بدورهما، فكانت الحاجة الغالية تتابع خطواتهما بنظرات نافذة، وتوجهت نحوهما، راجية أن يتبرعا لفائدة ابنتها، رحبا بالطلب وقاما بالواجب
جلست بعد ذلك الحاجة الغالية تنتظر الوافدين على المركز فبدت شاردة، تقاسيم وجهها تعبر عن التعب، والضياع الذي تحسه بعد مرض ابنتها الوحيدة، التي كانت تساعدها على متطلبات الحياة.
جلس بجانبها سمير ينتظر دوره عند طبيب في المركز، فتذكر السنين التي كان يأتي فيها للتبرع، إنه تبرع بالدم أكثر من 17 مرة، وبعد ذلك أصيب بمرض، يستوجب تطعيم جسمه بهذه المادة من حين لآخر، وقال للحاجة الغالية إن الوافدين على المركز تطغى عليهم صفة التضامن، فجل المتبرعين يقدمون هذه المادة بسخاء، لأن هناك من يعرف القيمة الحقيقية لهذه العملية.
ويسترسل سمير قائلا »بعض العائلات كانت تضطر لشراء الدم بطريقة غير قانونية، لكن جهود بدلت، من أجل القضاء على هذه الظاهرة حتى لا تتفشى بعض الأمراض"
انتهت الحاجة الغالية من استعطاف المتبرعين، وغادرت المركز، وبقيت سعيدة
ع تنتظر المسؤولة عن مصلحة ختم بعض أوراق التغطية الصحية، وقالت سعيدة، إنها أصبحت تعاني من هذا المشكل منذ مدة، »فلا يعقل أن ينتظر المرء لمدة ساعتين، من أجل هذه العملية البسيطة".
وتضيف أن عملية التماطل اختفت من بعض الإدارات المغربية، لكن بعضها لازال يتخبط في هذه المشاكل.
دخل بعد ذلك الحاج عمر يستنجد الناس الذين ينتظرون دورهم أمام شباك المركز، يريد أن يحصل على كمية دم من فصيلة أ ناقص بأسرع وقت، ابنه أصيب في حادثة سير وينتظر أن يرجع بكمية الدم المطلوبة منه بأسرع ما يمكن.
هذه الفصيلة من الدم تكون قليلة جدا حسب أقوال الناس الموجودين بالمركز، في السابق كانت هناك صعوبات في العثور على هذه الفصيلة، أما الآن فبفضل التبرعات أصبح هناك مخازن للدم تلبي حاجيات الجميع.
كان الحاج عمر يجوب قاعة الانتظار ذهابا وإيابا، طلبت منه إحدى الموظفات أن يأتي بثلاجة صغيرة، خاصة بنقل الدم، لم يكن لديه متسع من الوقت لكي يذهب لشرائها ويرجع للمركز، فخرج شاب كان يوجد في القاعة ليشتريها مساعدة لهذا الرجل
لم تكن لديه فكرة عن ثمن الدم، قيل له إنه يستطيع أن يدلي بورقة الاحتياج، لكن الظرف لا يسمح بالتأخر، عند وقوع الحادث أخذ مبلغا كان قد وفره للدخول المدرسي، فالأولوية لهذا الحادث كما قال يجب أن يضحي من أجل ابنه الذي لازال يصارع الموت.
كان ابنه يعبر شارع المقاومة بمدينة الدار البيضاء، عندما صدمته شاحنة نقل البضائع
قال له الطبيب هناك أمل كبير إذا استفاق ابنه من حالة الغيبوبة .الإصابة في حادثة سير هي إحدى الحالات المستعجلة التي يعرفها المركز خلال أيام الأسبوع خاصة في فصل الصيف، حسب إفادات بعض العاملين هناك.