جدد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، الأربعاء بباريس، تأييد المملكة المغربية للمشروع الطموح "لتحالف الحضارات", المعتمد أخيرا من لدن منظمة الأمم المتحدة.
وقال صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، في كلمة ألقاها في افتتاح أول لقاء ل"الورشة الأورو - متوسطية - الخليجية" التي انطلقت بقصر الإليزي إن المملكة المغربية, بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس, انخرطت, بكل حزم وعزم, خلال السنوات الأخيرة, في مسلسل واسع النطاق, من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وأضاف أن هذه الإصلاحات "التي شملت كافة الشرائح الاجتماعية, والقطاعات الاقتصادية, تستهدف تعزيز حريات وحقوق المواطن, مع الحفاظ على الخصوصيات التقليدية لبلادنا ومقدساتنا الوطنية".
وأوضح سموه أن إصلاح مدونة الأسرة, وتأهيل المؤسسات السياسية والإدارية, والانكباب على الورشة الأساسية للتربية, والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية, تشكل بعض المحاور الرئيسية التي اختارتها المملكة, "لتكون في طليعة كفاحها ضد الإقصاء والهشاشة والتعصب".
وأضاف صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، أن هذا المنظور الإصلاحي, الذي انطلق غداة الاستقلال, وظل يتقوى ويتعزز منذ ذلك الحين, يرمي إلى ترسيخ قدم المغرب نهائياً على أرض الديمقراطية, والانفتاح والحداثة، موضحا أن "هذا المسلسل الطموح, يقوم على سياسة تشاركية, تتيح لكافة مكونات المجتمع المغربي تبني هذا المشروع والتفاعل معه".
وأشار سموه، من جهة أخرى، إلى أن "المملكة المغربية تولي كل الاهتمام للمواضيع المختلفة التي سيجري تدارسها في إطار الورشة الأورو - متوسطية - الخليجية. كما يعد الحوار المثمر والصادق, حول التربية ووسائط الإعلام والقيم المشتركة, شرطاً ضرورياً لتحسين نظرة بعضنا للبعض, وتحقيق تفاعل أفضل بين ثقافاتنا" معربا سموه عن الأمل في أن تسهم أشغال هذه الورشة " في جعل تنوعنا الديني والثقافي, القاعدة الصلبة لبناء مستقبل زاهر لمنطقتنا المشتركة".
وعبر صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، عن شكره الجزيل للرئيس الفرنسي، جاك شيراك, على "هذه المبادرة المحمودة, وعلى دعوته أثناء مؤتمر القمة الأورو- متوسطي, المنعقد ببرشلونة, في شهر نوفمبر المنصرم, للشركاء في المنطقة, للتحاور من أجل المزيد من التعارف والتفاهم فيما بينهم".
وقال إن "النداء الذي وجهه فخامة الرئيس جاك شيراك, في تلك المناسبة ل "تعزيز التشاور مع المجتمع المدني", يتجسد اليوم, من خلال الاستجابة التلقائية لمختلف الشخصيات المرموقة, الحاضرة بيننا, والمنتمية لمشارب فكرية في مجالات متعددة".
وأضاف صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، أن هذه الخطوة الهادفة إلى التقريب بين الناس, على اختلاف انتماءاتهم ودياناتهم, تبرز مدى قوة عزمنا على التخلص من الأحكام المسبقة, وعلى اعتبار الثقافات بمثابة قيم كونية مشتركة، مشيرا إلى أن "ما يجري من أحداث مؤلمة في منطقة الشرق الأوسط, لكفيل بإقناع كل واحد منا, بوجاهة المقاربة الجماعية التي اعتمدناها".
وقال سموه في هذا الصدد، إنه من "واجبنا اليوم, أن "ننكب على البحث عن كافة السبل, التي ستفضي بنا عبر الحوار, إلى بناء مستقبل إنساني أكثر سماحة وانسجاما" موضحا أنه في مقدمة هذه السبل "ما تتيحه لنا الثقافة, في بعدها الشمولي, باعتبارها ثروة لا تنضب, وأداة لا غنى عنها لنسج علاقات قوية وعميقة, تنبع من القيم الروحية والفكرية لحضاراتنا".
وأضاف أن "ما تقوم به هيآت المجتمع المدني, والمنظمات الدولية من أعمال, وما تبديه من التزام, في النهوض بحوار الثقافات, ليشكل, بكل تأكيد, خطوة هامة نحو تحقيق أهدافنا. كما أن انخراط فعاليات المجتمع المدني, بصفة خاصة, في هذه الأعمال, يعد مؤشراً واضحاً على نضج هذا الحوار, وحسن تفهم الشعوب لما ينطوي عليه من مثل سامية وقيم كونية".
وفي هذا الصدد, نوه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، بالمبادرات المتنوعة, التي جرى إطلاقها على الصعيد الجهوي، لبلوغ هذه الغاية, من طرف مؤسسة آنا ليندث الأورو - متوسطية, ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا, وكذا منظمة المؤتمر الإسلامي, التي ما فتئت جميعها تعمل على إشاعة روح التسامح, على أساس مبدإ المساواة بين كل الثقافات.
وأكد سموه من جانب آخر أن "البعد الديني يلعب اليوم, وأكثر من أي وقت مضى, دورا حاسما في تحديد العلاقات بين الشعوب. لذا, يجب التذكير بأن الرسالات الإلهية بعيدة كل البعد عن الأفكار الظلامية والممارسات المتطرفة, بل هي بكل تأكيد, دعوات للسلام والتسامح, واحترام كرامة الإنسان" مشيرا إلى أن الإسلام كذلك, يفرض على كل إنسان, وبكل وضوح, واجب العمل من أجل توطيد السلم والوئام في علاقاته الاجتماعية.
وقال سموه إنه "وأمام تنامي التعصب, يتعين تعبئة كل ذوي النوايا الحسنة, للعمل على المزيد من التواصل مع الأجيال الصاعدة, وتحصينها من التأثيرات الهدامة للتطرف بشتى أشكاله" مشددا سموه على ضرورة "مواصلة الجهود, من أجل التقدم الشامل والازدهار المشترك لمجتمعاتنا" وأوضح في هذا الصدد أن صيانة حقوق الإنسان، وتأمين الحماية للمعوزين, يعدان من الشروط الأساسية التي يتوجب توفيرها لبلوغ هذه الأهداف.
حضر جلسة افتتاح هذا اللقاء, الذي يستمر ثلاثة أيام, والتي تميزت بخطاب للرئيس جاك شيراك , سوزان مبارك، عقيلة الرئيس المصري، ورئيس خزانة الإسكندرية، والأمير غازي من الأردن.
يشار إلى أن فلسفة هذه الورشة, التي تروم تشجيع الحوار بين الشعوب والثقافات, مستوحاة من "إعلان برشلونة" الذي يحث بالخصوص على التعريف بالثقافات، وتشجيع التواصل بين مكونات المجتمع المدني، كما يرمي إلى التصدي لأطروحات "صراع الحضارات".