فرنسا تغرق في الجدل حول تلميع ماضيها الاستعماري

السبت 28 يناير 2006 - 14:05

خلال حرب التحرير الجزائرية بين 1954 و1962 جندت فرنسا أعدادا من الجزائريين للقتال إلى حانب قواتها ضد قوات الثورة التي قادتها جبهة التحرير الوطني الجزائرية. عرف أولئك الجزائريون باسم "الحركة"، وبعد الاستقلال اضطر بعضهم لمغادرة البلاد إلى فرنسا، لكنهم ظلوا ف

عندما غادر عبد الكريم كليش الجزائر وهو طفل صاح حشد غاضب في الميناء في أسرته داعيا أن يذهبوا للجحيم وألا يعودوا من فرنسا مرة أخرى.

واعتبر والد كليش خائنا وواجه تهديدات بالقتل من جيرانه لأنه حارب في صف المستعمر الفرنسي أثناء حرب التحرير الجزائرية. لكن وصول الاسرة الى فرنسا جاء بصدمة أخرى
فقد احتجزوا هم وألوف غيرهم من الجزائريين المسلمين الذين قاتلوا مع فرنسا في معسكرات لسنوات معزولين بأسلاك شائكة عن بقية فرنسا .

وقال كليش البالغ من العمر 55 عاما الآن "نحن الدليل الحي على أن الاستعمار الفرنسي كان صفحة سوداء مليئة بالمعاناة.

أعيد فتح هذه الصفحة منذ أن أقر البرلمان الفرنسي قانونا يتضمن بندا يحث المدرسين على التأكيد على "الدور الايجابي للوجود الفرنسي في الخارج خاصة في شمال افريقيا" .
وتم تمرير القانون بهدوء في فبراير من العام الماضي لكنه أصبح قنبلة سياسية في نوفمبر عندما رفض المشرعون الغاءه بعد أعمال شغب قام بها شبان أغلبهم من أبناء المهاجرين اجتاحت الضواحي في مختلف أرجاء البلاد.

واتهم بعض الشبان باريس باتباع "أسلوب استعماري" تجاه الأقليات الفرنسية
ووضع القانون نواب محافظون بهدف مساعدة المواطنين الفرنسيين والجزائريين الذين حاربوا في صفوف فرنسا الذين عادوا من حرب الجزائر بين عامي 1954 و1962 مشيرين الى "المعاناة والتضحيات".

وفي الأراضي الفرنسية في الخارج والمستعمرات السابقة أثار هذا البند مناقشات محتدمة بشأن ما اذا كانت فرنسا التي انتهت امبراطوريتها بحروب دموية في الهند الصينية والجزائر قد تعلمت أي شيء من التجربة الاستعمارية.

وحكمت فرنسا أكثر من ثلث إفريقيا وقت ذروة امبراطوريتها ومازال لها نفوذ قوي في العديد من المستعمرات السابقة، فلها قوات حفظ سلام في كوت ديفوار،تذكر بدروها كشرطي افريقيا واستثمارات كبيرة في العديد من دول غرب افريقيا.

جراح حرب الجزائر

وبينما يعترف العديد من الافارقة ببعض الجوانب الايجابية للاحتلال مثل تحسين البنية الاساسية، يشعر البعض بالغضب مما يصفه باستمرار تدخل فرنسا في السياسات والاعمال.
وشكل الوجود الفرنسي المستمر والمثير للجدل في المستعمرات السابقة خلفية للنزاع حول القانون الجديد الذي تعقد بتوترات داخلية كشفتها أعمال الشغب
وقال مدرسون واكاديميون فرنسيون ان التاريخ لا يكتبه المشرعون، ويعارض العديد من النواب الاشتراكيين المعارضين القانون كذلك.

وسعى الرئيس جاك شيراك لتهدئة الأجواء بالحث على تغيير صياغة القانون
ومن المقرر ان يقدم رئيس مجلس النواب مقترحات جديدة في فبراير.
بالنسبة لبعض المؤرخين فإن أسلوب معاملة الجزائريين الذين حاربوا في صفوف الفرنسيين يظهر فشل فرنسا في التعامل مع ماضيها الاستعماري.

وقال المؤرخ جيل مانسيرون "الدولة وضعتهم في معسكرات تابعة للجيش أو في معسكرات معزولة في غابات مبعدين عن بقية الشعب الفرنسي، وتقارن هذه العزلة بمعاملة السكان الاصليين في المستعمرات".

وكليش الذي وضع في أحد هذه المعسكرات لم يذهب الى المدرسة حتى بلغ 16 عاما
وقال "والدتي لا تتحدث الفرنسية وإخوتي لا يكتبون وحبسونا في معسكرات لسنوات
هل تسمون هذا الاثر الايجابي للاستعمار.


وانضم نحو 260 ألف جزائري للجيش الفرنسي كقوات اضافية في الجزائر
ولكن عندما خرج الفرنسيون من الجزائر عام 1962 لم يتمكن سوى 20 الفا منهم من الفرار عبر البحر المتوسط مع أسرهم وحصلوا على الجنسية الفرنسية، ووجهت أوامر للضباط الفرنسيين بعدم إجلاء المقاتلين الجزائريين.

ويقدر المؤرخون الفرنسيون أن ما بين 50 الفا و150 الفا قتلوا في الجزائر على يد جبهة التحرير الوطني الجزائرية.
وأصبح شيراك في 2001 أول رئيس فرنسي يقر علنا بفشل فرنسا في وقف الاعمال الانتقامية الوحشية.

ورغم أن بعض هؤلاء يرون القانون الذي يعترف بمساهمة جنود من شمال افريقيا في الدفاع عن فرنسا باعتباره جهدا بذل للتغطية على جوانب مؤلمة من المرحلة الاستعمارية إلا ان البعض الاخر يرحب به وبالمساعدات المالية التي اشتمل عليها .

وأشاد حملاوي ميكاشيرا، وزير الدولة لشؤون قدامى المحاربين، وهو من أصل جزائري، قاتل مع فرنسا في حرب الجزائر، بتمرير القانون باعتباره "لحظة تاريخية لأناس من مختلف الأصول أعيدوا لبلادهم .

الجدل الدائر حاليا يجب ألا يجعلنا ننسى النطاق الحقيقي للإجراءات التي يشتمل عليها القانون"
وتقول فاطمة بيسناكي، وهي ابنه أحد المقاتلين الجزائريين في صفوف الفرنسيين ورئيسة إحدى جماعات الضغط الفرنسية، ان القانون يستغل المقاتلين الجزائريين للترويج للاستعمار، "انه قانون دعائي نريد من فرنسا أن تعترف بمسؤوليتها وان تكتب انها استغلت المقاتلين الجزائريين ثم تخلت عنهم" .

وقال مانسيرون ان فرنسا تجد من الصعب عليها التعامل مع الجوانب الاكثر اظلاما لماضيها الاستعماري لأن سياساتها كانت مرتبطة بشدة بتطور حقوق الإنسان
وأضاف "الفرنسيون يحبون الاشادة بالجمهورية والحديث عن تاريخهم المتعلق بحقوق الإنسان.

لكنهم لا يحبون الأمر عندما لا تعكس هذه القيم الواقع، على سبيل المثال في ما يتعلق بالعيش في الضواحي حيث يتطلع الشبان للعمل ولا يجدونه بسبب التمييز" .




تابعونا على فيسبوك