لا حديث في شوارع الدار البيضاء إلا عن الزيادة في أسعار كثير من المواد الاستهلاكية والمحروقات، مواطنون فقراء التقيناهم في مناطق مختلفة بالمدينة، متذمرون للغاية من الوضع لا بديل لهم سوى الصبر على قدرهم في بلادنا الحبيبة، أنهكتهم سنون الكد والجد في ظروف عمل
هناك حرارة مفرطة خارج مقرات العمل والمحلات والمنازل، أغلب المواطنين يحتمون بالمناطق الباردة ويسيرون على مهل في شوارع ساخنة جدا، بعض المتسولين يتوزعون في مواقع استراتيجية في وسط المدينة، يتربصون بالعابرين المتذمرين من حالة الطقس، ويدعون معهم بعبارات وكلمات تثير الشفقة، خلال طريقنا إلى منطقة قربية من المدينة القديمة، توجهنا نحو بعض الباعة المتجولين، الحريصين على إثبات وجودهم قبل نشوب النزاعات الجانبية بينهم، أحمد واحد منهم أقبل إلى السوق أخيرا بعد أن ضاعت أمامه جميع فرص الهجرة إلى كندا، فعل كل شيء من أجل ذلك لكن محاولاته باءت بالفشل، بجانبه يتتبع كمال المشاهد بعيون متلصصة، أنهكته سنون الكر والفر فلم يجد بديلا سوى العبث ببعض السلع التي لا تذر أرباحا، سألناه عن رأيه في الزيادة التي عرفتها أسعار بعض المواد الاستهلاكية فعبرعن سخطه وقال إنه غير مستعد لنقاش الموضوع لكونه "لا يطيق العيش في المغرب"، خرجت العبارات متلعثمة من شفاهه، وحين اقترب موعد لحاقه بصديق ينتظره قال بالحرف "الزيادة أمر عادي، ألفنا سياسة الحكرة والضغط، فكثير من بسطاء الشعب لا يملكون سوى الصبر على قدرهم"، يسكت برهة ثم يواصل "ماذا يمكن أن أفعل، هل سأصرخ أمام البرمان أو مجلس الحكومة، ليس لدي بديل سوى أن أشاهد ما يجري إلى أن يشاء الله وأغادر الوطن إلى غير رجعة، مع العلم أنني أحب بلادي لكن مثل هذه الأمور تجعلني أكره كل شيء، فعلا كل شيء".
خلال طريقنا إلى بعض المحلات التي تبيع السلع الاستهلاكية، وقفنا عند محل الحاج علي، الرجل خجول للغاية، لم يشأ أن يدلي بتصريح وعندما طلبنا منه رأيه بخصوص الزيادات في الأسعار تأمل بعض الوقت ثم قال بصريح العبارة "هذا زمن آخر، بالماضي كنا نعيش بسلام، القليل من المال كان يكفينا للعيش مدة طويلة، لم تكن الزيادات بهذا الحجم الذي نتذوق مرارته الآن، ثم أن الكارثة العظمى هي أنه بين فترة وفترة تقع زيادات مهولة، مثلا في الخط السككي الرابط بين الدار البيضاء والرباط تمت زيادة درهمين ونصف مرة واحدة، هذا شيء مخجل في حقيقة الأمر ولا يسعني رغم كل السنين التي عشتها سوى الصبرعلى هذا القضاء ولو كان بيدي، لبعث بالأثمنة الأولى لكن الزيادة تؤثر علينا نحن أيضا، أتمنى أن يفهم المسؤولون واقع البلاد، فلا مجال للزيادة في الأسعار مادمت هناك البطالة والفقر وأشياء أخرى".
فاطمة ربة بيت، خرجت للتسوق في ساعات مبكرة من الصباح وحين وجدت نفسها مضطرة إلى شراء بعض اللوازم، توجهت نحو محل لبيع السكر والزيت، لم تصدم لزيادة الأسعار لكنها غضبت لأجل ذلك وتمنت أمام الجميع أن يحدث الله أمرا جميلا في هذه البلاد، متسائلة لا أعرف ماذا أقول لكني أطلب من القدير عز وجل أن ينقذنا من هذه المعاناة التي نعيشها كل يوم، أنا لا حول لي ولا قوة، زوجي متوفى وأعيل سبعة أنفس ولدي معاش قليل أحاول من خلاله أن أدبر مصاريف الشهر، ثم ماذا عساني أن أفعل وسط هذه الدنيا التي تلتهم الفقراء والضعفاء والمعوزين، وما أتمناه مرة أخرى هو أن يوفقني الله لضمان قوت الأبناء، أما من أولى بهم أن يدافعون عن مصالحنا فهم نائمون وأقصد بذلك المنتخبون في الجماعات المحلية والبرلمان، وأؤكد لك بالمناسبة أني لن أصوت في الانتخابات المقبلة لأني لست مستعدة للتواطؤ مع من لا يستحقون ثقتنا
في منطقة ليست بعيدة عن المدينة القديمة، توجد عدة محطات بنزين، توجهنا إلى واحدة منها وسألنا المسؤولين عن قضية الزيادة، يقول عبد القادر بسخط بالغ "حقيقة لا أدري سر هذه الزيادة المفاجئة أهو دخول ساخن بعد صيف ساخن؟، المواطن المغربي غير مهيأ له، لأن الأجور ما زالت على حالها كما أن أغلبية المواطنين فقراء، يعانون من مشاكل مع مصاريف اليوم، كما أن أغلب الأسر المغربية لديها العديد من الأبناء العاطلين، وأنا من خلال معايشتي للعديد من العائلات ألاحظ أنها متذمرة جدا لكنها لا تملك سوى الصبر على هذا القدر، وأعتقد أنه حان الوقت للنظر في العديد من القضايا الاجتماعية وعلى الحكومة المغربية أن تعي جيدا وضع المغاربة وظروف العيش في البلد".
ومن جانبه يتدخل عبد العالي وهو عامل بنفس محطة الوقود ليسجل ملاحظة يراها أساسية، "السائقون غاضبون جدا ولا يمكنني أن أقول إن نسبة الاستهلاك تراجعت لأن أصحاب السيارات والدراجات النارية مرغمون على استهلاك الوقود، لكنهم غاضبون جدا وعلى الدولة أن تفهم هذه المسألة وأن تراجع قراراتها في المستقبل القريب، فلا يعقل أن تقع مثل هذه الأمور في موسم اجتماعي نعيش إيقاعه على ظروف الفقر والحاجة وضعف الأجور وأشياء أخرى".
خلال زياراتنا إلى مواقع كثيرة أخرى، يقبل إليها الزبناء من كل جهة، لاحظنا أن أغلب المواطنين متذمرون ولا يفهمون معنى هذه الزيادات، فقر في شوارع المدينة وخصاص واضح في الأحياء، وبسطاء لا بديل لهم عن حياة السلف وتوسل الآخرين من أجل قوت اليوم، إنها أشياء فظيعة وما يحز في النفوس هو أن الكثير من التلاميذ الذين يستعدون للموسم الدراسي، قلقون من الوضع وعبروا لنا خلال لقاءات عن غضب واستياء كبيرين