تحدث الزيادات المتتالية في المواد الاستهلاكية خللا كبيرا في الميزان الاقتصادي للأسر المغربية، فأي زيادة تعني إما التقليص من حجم استهلاك مادة غذائية معينة أو الاستغناء عنها على حساب مادة أخرى، في ظل استقرار الأجرة الشهرية على حالها، وعدم كفايتها لتلبية ال
وما يزيد الطين بلة، ظهور مصاريف مباغثة، مما يدفع هذه الأسر مرغمة إلى استجداء شركات السلف، قصد جدولة قروضها وإضافة الفيلة إلى الفيل، ولسان حالها يقول »إنا هنا لقاعدون".
أما الذين لا تسعفهم حالتهم الاجتماعية لوضع مدخولهم الشهري تحت رحمة اقتطاعات مؤسسات "لكريدي"، فلا يجدون بدا، من اعتماد حمية غذائية، بإلغاء بعض المواد نهائيا من نظام غذائهم، والتركيز على الأقل كلفة، والقادرة منها على التحايل على الجوع، وبهذا تكون الأسر التي لا حول لها ولا قوة، وضعت استراتيجيتها الخاصة لتدبير نذرة مدخولها أمام طوارئ المطالب والزيادات غير المتوقعة والتكيف مع تقلبات الأوضاع الاقتصادية العالمية، التي لم تجد حكومتنا من حل سوى إخضاع المواطنين للأمر الواقع وإرغامه على تحمل تبعات رغبته في العيش الكريم، كما هو الشأن بالنسبة للزيادة الرابعة في أسعار المحروقات، التي اختارت الحكومة يوم عطلة وسط زحمة استعدادات المواطنين للدخول المدرسي وانشغالهم باستقبال شهر رمضان الكريم، لإقرار زيادتها في خضم ذلك، غير آبهة بالمرارة التي يتجرع بها المواطن هذه الزيادات التي سيتمخض عنها بدون شك زيادات أخرى مباشرة وغير مباشرة، لا تراعي قدرته الشرائية، ولا مستوى دخله الذي ظل جامدا، ولم تواكبه الدينامية التي اتخذتها الحكومة، للتخفيف من أعباء صندوق المقاصة كما تقول واعتمادها الثمن المرجعي في الزيادة بخصوص بعض المواد النفطية، لتغطية عجزها، و»هذا يبرز إلى حد ما، غياب البعد الاجتماعي في التدبير الحكومي للأزمة الاقتصادية، باعتبار أن المواطن هو الحلقة المهمشة والأضعف والتي يمكن به تغطية عجزها وإثقال كاهله بمصاريف لا يقوى على تحملها، تربك حساباته و تشعره بـ "الحكرة" والاستخفاف من قبل من هم مسؤولون عن تدبير شؤونه وتخفيف أعبائه«، هذا ما ذهب إليه حامي الدين منتصر أستاذ جامعي وأكد على أنه في غياب دور فاعل لجمعيات المستهلكين والجمعيات الحقوقية، "سيبقى المواطن هو المتضرر الأول من الزيادات، التي تنعكس سلبا على أدائه المهني وسلوكه الاجتماعي".
ومن جهته أبرز عبد الحق باكير ناشط جمعوي أن الكثير من الجمعيات الحقوقية، "تهتم أكثر بالحقوق السياسية للمواطن فيم تهمل حقوقه الاقتصادية والاجتماعية التي تعتبر أس الأزمة السياسية"، وأكد على ضرورة "قيامها بدور المنتقد لسياسة الحكومة في تصريف الزيادات وتحريرها للأسعار بدون أن يتوفر السوق الوطني على أدنى الشروط التي تسمح بذلك".
وبدوره شدد سعيد أبو مروة موظف جماعي على حتمية »مراقبة الجهات الوصية للأسعار المرتفعة بدون سابق إشعار لعدد من المواد الاستهلاكية، حيث يساهم غياب عنصر المراقبة في تنامي المضاربات وفتح شهية "الشناقة" للاستهتار بالقدرة الشرائية للمواطن"، ووضع مثالا لذلك ما يعرفه سوق الخضر والفواكه من تلاعبات بالأسعار الحقيقية للخضر، بإخضاع السوق لسلطة البائعين بالجملة الكبار، فيما يبقى دور الجهات الوصية على مجال التجارة الداخلية غائبا، وغير ذي مفعول، بشكل يخال فيه المواطن المتبضع نفسه وكأنه رهن قانون الغاب في أسواقنا المحلية.
ويرى بوشعيب نجاح أستاذ أن "غياب ثقافة الاستهلاك وكيفية التعاطي السليم والحضاري مع المنتوج المحلي والأجنبي يجعل المواطن في حيرة من أمره، غير قادر على الاحتجاج عند الحاجة، بالامتناع مثلا عن اقتناء المنتوج أو إشعار الجهات الوصية بارتفاع غير مؤطر في الأسعار".
وفي السياق ذاته، أبرز إسماعيل شهيدي طاب جامعي أن طبيعة هذه العلاقة غير المتجانسة تؤكد على أن »تدبير الشأن المحلي يفتقد لدينا لسياسة القرب، الشيء الذي يجعل كل جهة تسبح في واد، وهذا ما يؤكد أيضا غياب السياسات المندمجة لدى الوزارات، لأن أي زيادة، يجب أن تخضع إلى منطق السوق، وهذا المنطق، يستشف من دراسات ميدانية تقوم بها كل وزارة في نطاق تخصصها حتى لا تكون للزيادة أدنى تأثير على نفسية المواطن وعطائه في مجال عمله، وهذا ما لا يمكن أن ينطبق على وزاراتنا يضيف إسماعيل لأن كل وزارة تشتغل بعيدة عن الوزارة الأخرى وبمقاربات ضيقة
إن الكيفية التي يتم بها إقرار الزيادات وإخضاع السوق لها من طرف الحكومة، بعفوية وتلقائية ودم بارد، يظن معها من لا يفقه كثيرا في وضعية اقتصادنا، أن بلادنا تعيش طفرة في تحرير الأسعار وأن أجور الطبقة العاملة تخضع لسلطة العرض والطلب وأن الضروريات لدينا في متناول جيوب المواطنين، فيما التنافس يحتدم حول الكماليات، وهذا ما يجعل الوضعية الاقتصادية في المغرب غريبة الأطوار، بحيث من الصعب تصنيف نظامنا الاقتصادي أهو ليبرالي أم اشتراكي أم ماذا؟ ففي غياب ضبط دقيق للأسلوب الاقتصادي المعتمد، تبقى الأسواق المغربية نموذجا شبيها بسوق درب غلف، حيث لا يمكن التحكم في سعر البضائع والتسليم بمدى جودتها