تعيش الأسر المغربية ذات الدخل المحدود هذه الأيام على إيقاع تجاذب الحديث، حول تكاليف الدخول المدرسي، وما إذا كانت الزيادة الأخيرة في المحروقات وبعض المواد الاستهلاكية والماء والكهرباء وهلم جرا، ستؤثر بدورها على أسعار الكتب والأدوات المدرسية، وتجعلها.
فبينما تنهمك بعض الأسر في وضع عمليات حسابية لمعرفة القيمة المالية الحقيقية لما هو مطلوب، قصد الارتماء الاضطراري في حضن شركات السلف والرضوخ إلى فوائدها، بما يتطلب ذلك من "تزيار الحزام|، والتضحية إن اقتضى الأمر بالضروريات المعيشية، مقابل توفير مستلزمات الدخول المدرسي.
وهناك أسر أخرى، منعدمة الدخل، لا يمكن أن تستجيب إلى شكواها لا شركات السلف ولا دفتر »لكريدي« لدى »مول الحانوت«، لأنها أسر مغلوبة على أمرها، تكابد المحن، وتضرب الأخماس في الأسداس، قبل أن يفتتح باب محسن أو معيل يجاوز عنها كرب الحاجة، خصوصا في وقتنا الراهن.
كما أنه لم يعد ممكنا الاستعانة بالكتب المستعملة، لكون معظم المناهج الدراسية في إطار تغيير وتبديل مستمر للمقررات الدراسية، عكس ما كان عليه الأمر في الماضي، حيث كانت الأسر المغربية تدبر الكتب المدرسية المتعلقة بمختلف المستويات بمنطق العرض والطلب، حيث يعول عادة على مقررات فلان في سنته الثانية، لتغطية مطالب أخيه الذي سيليه بعد سنة وهكذا دواليك.
هذا ما ذهب إليه أيضا مصطفى مرزاق مستخدم في تصريحه لـ »الصحراء المغربية« وأضاف قائلا "حتى في العائلة الواحدة، الأم تستعين بكتب ابن أختها وتكون قد تكلمت مسبقا في الأمر قبل أن يتجاوز ابن أختها فصله الدراسي، ومن جهة أخرى يصبح التلميذ في إطار وسطه العائلي هذا مضطرا للنجاح وتجاوز مستواه الدراسي، حتى لا يخيب آمال من هو في انتظار الاستعانة بمقرراته، وإلا سيكون مثار سخرية داخل العائلة".
ومن جهته، أضاف عبد الكريم المخلوفي أستاذ، أنه كانت لجودة صناعة الكتب أيضا، "دورها في احتفاظها على طراوتها وشكلها، عكس ما هو عليه الأمر حاليا، حيث أن معظم الكتب حتى إذا أردت الاحتفاظ بها لمدة أطول، فلن يتأتى لك ذلك، بسبب سرعة انكماشها وتمزقها، هذا بدون الحديث عن كون هذه المقررات قد لا تكون لها أهمية في السنة الموالية في حالة تحديثها وتغيير محتواها".
وفي السياق ذاته أكد الحاج محمد، في سؤالنا عن الأسباب التي تجعل المقررات شاحبة ومتآكلة طول السنة، على أن المطابع تسعى في الغالب إلى تخفيف كلفة المقرر بتنقيص كتلة الورق ونوعيته، وهذا ما يعطي طبيعيا مقررات لا تقوى على مسايرة حركية التلميذ الدراسية في الإعداد والمطالعة"، وهذا ما أبرزته السعدية بوراق ربة بيت، بتأكيدها أنها تضطر في بعض الأحيان إلى شراء بعض الكتب المدرسية مرتين في السنة، لأنها سريعة التمزق، وتأسفت بالمناسبة على أيام زمان، بقولها "إننا ناذرا ما كنا نشتري المقررات الجديدة، فيكفي أن نذهب إلى "السويقة" حيث الكتب المستعملة، لشراء كل ما يلزم الفصول الدراسية وبأثمنة في المتناول".
الشيء نفسه أكدته فاتحة الوادي موظفة، وأضافت أنه »لو كان الأمر يتعلق بمقرر أو مقررين لهانت التكلفة، لكن عندما يتجاوز عدد الكتب المدرسية في القسم الواحد خمسة إلى ثمانية، فتلك هي الطامة الكبرى، أضف إلى ذلك ـ تقول محدثتنا ـ إذا كان عدد أبنائك المتمدرسين خمسة أو أكثر، فحتى المبلغ المالي الذي تريد تحصيله من شركات السلف، فلن يكفيك بالكاد لتسوية مصاريف المستلزمات، تصورـ تقول فاتحة ـ كيف يمكن لمن لا دخل لهم تسوية هذه المتطلبات؟، فطبيعيا أن ترفع هذه النوعية من الأسر أيديها وتترك أبناءها، إما لتحمل توبيخ المدرس وإهانة التلاميذ، أو الاستسلام للقدر وهجر المدرسة في صمت"، إنها حالات تقول فاتحة، تعيشها العديد من الأسر، وفي هذا الصدد يتساءل عبد الله العرواشي أب لخمسة أبناء متمدرسين قائلا"ألم يكن من الأفيد أن تتدخل الدولة في مثل هذه المستلزمات الضرورية للتغذية الفكرية والمعرفية للمواطن، لتخفيف عبئه وتخفيض تكلفة هذه السلع وجعلها في متناول الجميع، لإتاحة فرص أكبر لمحاربة الهدر المدرسي وتعميم التمدرس، فبالإضافة إلى إجبارية التعليم، يجب أن نفكر في التكاليف والمتعلقات المرتبطة به، بل على الحكومة أن تتعامل مع طبيعة هذه المشاكل والمثبطات التي يواجهها المواطن بنوع من الحزم، وذلك بنهج سياسة القرب في مقاربته هموم الأسر، ومحاولة تسهيل مهامها والتفريج عنها، والتخفيف من الثقل الذي هو على عاتقها، خصوصا عندما تكون الأجور الشهرية هزيلة وثابتة في مواجهة أثمنة متحولة وغير قارة للمواد الاستهلاكية الضرورية.
وما من شك أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تبقى هي الحل الناجع لتعويض هذه النقائص والصغائر التي بإهمالها ستحول المشكلة إلى معضلة، مستحيل إيجاد حلول آنية لها، وبالتالي، فجيل اليوم سيصبح إذا نتاج ماض يصعب جبر أضراره