لم تعد أصيلة، تلك المدينة الهادئة المطلة على المحيط الأطلسي، مجرد بلدة صغيرة، بل أضحت مدينة تتوسع على حساب هوامشها بوجود أوراش بناء منازل وفيلات صارت تزحف باضطراد على المناطق القروية المحيطة بالمدينة.
هناك فيلات ومنازل حديثة بلا ماء ولا قنوات الصرف الصحي، فـ "الامتداد العمراني يجري بشكل عشوائي في غياب تصاميم التهيئة، كما أن مالكي هذه الفيلات مضطرون لحفر مراحيض داخلية، ولشرب المياه المعدنية المعبأة في القنينات البلاستيكية، طالما أن مساكنهم غير مزودة بالماء الصالح للشرب"، يقول أحد الأساتذة، الذي استفاد من المغادرة الطوعية، ورحل مع أسرته عن الدار البيضاء الصاخبة، بحثا عن الهدوء في أصيلة
بحر المدينة، الذي كان مليئا بالخيرات، صار شحيحا، والثروة السمكية بالمنطقة مهددة باستنزاف أكثر، والصيادون تحدثوا عن خيرات البحر، المعروضة في مزاد غير علني، للبيع حسب الأحوال والفصول ومزاج دوريات المراقبة كذلك
في الطريق إلى سوق "الأحد الغربية" 11 كلم شرق المدينة، ثمة أحراش ومزارعون ينبشون في أرض معطاء سيارات النقل السري تسلك هذا الطريق لنقل المسافرين إلى طنجة، لأن أصيلة ما زالت دون محطة طرقية.
تحدث مرافقي عن وجود مضاربات عقارية وصفها بـ "المحتدة" لشراء قطع أرضية في ضواحي مدينة تعول كثيرا على جلب استثمارات سياحية في "سوق الأحد الغربية" ينتصب حارس سيارات أمام حاجز من صنعه يستخلص 5 دراهم، قبل أن يفسح الطريق لمرور السيارات.
وراء الحاجز ثمة بائعات بطيخ وصبار وتين طازج في سلال من قصب هن قرويات يلبسن قبعات من القش وقطعة ثوب بخطوط بيضاء وحمراء، يلففن أجسادهن بها ويقتعدن الأرض في انتظار زبون يقبل على شراء الخيرات، التي يعرضنها بأسعار زهيدة للغاية.
سوق "الأحد الغربية" صغير ومترب، يفد عليه القرويون من المداشر المجاورة للتسوق وشراء لحم الضأن والماعز، يشترون لحوما ساخنة تعود لشياه ذبحت للتو، بأسعار لا تضاهى.
التجار يعرضون أيضا ملابس وتجهيزات منزلية وسلعا يوحدها التهريب في طريق العودة صادفنا قرويات يتزودن بالماء من عين على قارعة الطريق، يملأن قربا جلدية أو براميل كبيرة مثبتة على ظهور الدواب، ويقفلن عائدات إلى منازلهن بمدخل أصيلة، توجد منشأة فندقية قريبة من البحر، منشأة جميلة لكنها تتخلص من نفاياتها في البحر فغياب قنوات الصرف الصحي جعل فضلات وبراز القاطنين فيها يعرف طريقه إلى البحر بيسر، عبر قناة مائية مكشوفة تحت قنطرة.
فوق جسر صغير تنبعث رائحة نتنة تزكم الأنوف، وقربها أطفال يلعبون في جدول صغير لمياه الفندق الملوثة، التي تصب مباشرة في بحر أصيلة.
يراهن سكان المدينة على محمد بن عيسى، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، ورئيس البلدية، لفتح أوراش أشغال التهيئة الحضرية، وتزويد الأحياء الجديدة بالماء الصالح للشرب، وقنوات الصرف الصحي، وبناء ثانوية جديدة، ورياض للأطفال، ومحطة طرقية، ومارستان.
يحلم سكان هذه الحاضرة، التي ما زالت تطبعها البداوة، بالاستفادة من الخدمات الأساسية أكثر مما يهتمون بـ "موسم" يعيش هذه الأيام سنته الثامنة والعشرين، ويحقق إشعاعا ثقافيا وسياسيا لأصيلة.
"نريد مصانع ليعمل فيها أبناؤنا العاطلون"، يقول أحد سكان المدينة، معربا عن اعتقاده بأن تنمية المدينة تأتي عبر "توفير الخدمات العمومية للسكان وخلق مناصب شغل قارة تضمن لهم العيش الكريم".
المهرجان، موسم عابر، يدوم أياما، ويتجدد كل سنة وأما الناس، فباقون هنا في "أزيلا"، ينتظرون مبادرات تنموية لتأهيل مدينة تراهن كثيرا على السياحة الثقافية.