سلطة السياسي والتوتر مع السلطة

الأربعاء 16 غشت 2006 - 10:59

بين شعار "وحدة الطبقة العاملة " الذي لا تزال أقدم مركزية نقابية متمسكة به، والمبدأ الدستوري حول التعددية النقابية الذي قامت على أساسه المركزيات والتنظيمات النقابية اللاحقة، تبقى المسألة النقابية في المغرب موضوعا للجدل من زاوية علاقة النقابي بالسياسي، أو

قيادات شائخة ومتشبثة بمواقعها، خضوع الميلاد بالتأسيس أو الانشقاق لإرادة الأحزاب بما يجعل علاقة السياسي والنقابي ملتبسة ويرهن الممارسة النقابية للتسويات والتواطؤات، استمرار علاقة التوتر والصدام بين المركزيات النقابية من جهة والسلطة وأرباب العمل من جهة ثانية، في غياب ثقافة وتقاليد مترسخة حول الحق النقابي كواحد من تجليات دولة القانون.

هذه هي المميزات الرئيسية للمشهد النقابي في المغرب مع قطع الحركة النقابية نصف قرن من عمرها بمرور خمسين عاما على قيام الاتحاد المغربي للشغل، و45 عاما على ظهور أول تنظيم منافس، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، على خلفية الصراع بين مكونات الحركة الوطنية، ليطبع تاريخ الحركة من البداية بالتداخل بين النقابي والسياسي، بما يجعل هذه الحركة أمام سؤال التجديد على مستوى القيادات وأساليب العمل في ظل المتغيرات المحلية والدولية.

البداية نفسها كانت سياسية، إذ حصلت في المواجهة مع الاستعمار، قبل الانخراط في الصراع السياسي خلال العقود الأولى من الاستقال وصولا إلى "التوافق " في مرحلة الانفراج السياسي العام بالبلاد، واليوم تواجه الحركة النقابية في المغرب تحدي تحديد الأهداف وتجديد وسائل العمل، في ظل علاقة ظلت دائما موضوع جدل مع التنظيمات الحزبية، ومطبوعة بالتوتر مع أرباب العمل والسلطة.

وأدت تبعية النقابي للسياسي إلى تحول النقابات لمسايرة الأحزاب المرتبطة بها بهذا القدر أو ذاك من التبعية، وعندما باتت الأخيرة في موقع تدبير الشأن العام، واجهت النقابات صعوبة في المواجهة مع أحزاب تساندها في الوقت نفسه فقدت النقابات، مع دخول "أحزابها " إلى الحكومة بداية من "تناوب " 1998 السند السياسي الذي كان يدعمها في معاركها مع الحكومة وأرباب العمل.

ويسجل أيضا تراجع نسبة التنقيب وسط العمال، فبينما كانت الإحصائيات تحدد نسبة التنقيب في 12 المائة من العمال والموظفين تؤكد تراجع هذه النسبة بداية من منتصف التسعينات من القرن الماضي يمكن رصد تحول في العمل النقابي، حيث بدأت المركزيات النقابية تتلمس طريق الانتقال من ثقافة المواجهة مع أرباب العمل والسلطة إلى علاقة جديدة تقوم على الحوار لتسوية النزاعات والمشاركة في تسيير المقاولة، فدخلت المركزيات النقابية في مسلسل الحوار الاجتماعي مع الدولة وأرباب العمل الذي توج بـاتفاق بين الأطراف الثلاثة في غشت 1996، مدخلا لضمان السلم الاجتماعي والتأسيس لتقليد جديد في تدبير النزاعات الاجتماعية، في مرحلة تأهيل المقاولة المغربية تحت ضغط العولمة.

هنا أيضا حصل التحول في مسار الحركة النقابية بالمغرب على خلفية سياسية، في سياق التوافق بين أحزاب الحركة الوطنية المعارضة آنذاك والمؤسسة الملكية، مع التعديل الدستوري وقيام "حكومة التناوب التوافقي" هذه الخاصية تطرح سؤال العلاقة بين النقابي والسياسي التي ظلت بعيدة عن النقاش على مدى عقود التوتر والصراع السياسي في المغرب، وما زال ضعيفا رغم انتقال أحزاب الحركة الوطنية إلى التدبير الحكومي، بما يجعلها عمليا في المواجهة مع المركزيات النقابية الواقعة تحت ضغط مطالب القواعد العمالية بسبب طبيعة النشأة السياسية واستمرار تداخل النقابي والسياسي يلاحظ تشابه في المميزات بين الأحزاب والمركزيات النقابية في ترهل القيادات وشيخوختها وسيادة النزعة البيروقراطية وتعثر عقد المؤترات وضعف التنقيب أو التعبئة في العديد من القطاعات، في الوقت الذي تتزايد قوة الإكراهات الداخلية والخارجية ورغم الدور الطلائعي للطبقة العاملة في معركة الاستقلال والتجربة الغنية والطويلة للحركة النقابية في المغرب يسجل المهتمون فقرا كبيرا على مستوى البحث والكتابة في الشأن النقابي، مقابل التركيز على المجال الحزبي في الكتابات والنقاش العمومي.

ويسجل هذا النقص في غياب رصيد نظري على مستوى الدراسات والبحوث الأكاديمية التي تأخذ مسافة زمنية كافية لمقاربة الإشكاليات الأساسية للحركة، أمام سيادة النزعة التجريبية في التعاطي مع المسألة النقابية، ومتابعة اليومي مقابل هزالة الإنتاج النظري والطرح السليم للأسئلة الأساسية لمواكبة العمل النقابي وخصوصية قضاياه.

ويدعو بعض الباحثين إلى تحديد مجال حقل العمل النقابي، على مستوى الدراسة، وفصله عن مجالات السياسة والتاريخ والاقتصاد، من أجل تأسيس "سوسيولوجيا مغربية متخصصة في دراسة الظاهرة النقابية ".

عموما ظل الحقل النقابي فقيرا على المستوى النظري بأعمال محدودة اقتصرت على مرحلة ما قبل الاستقلال، أبرزها دراسات ألبير عياش، التي أحاطت بملابسات النشأة والتطور في الفترة السابقة على الاستقلال، وأطروحة عبد اللطيف المنوني في السبعينات التي عالجت إشكالية الديموقراطية داخل الاتحاد المغربي للشغل، واعتُبرت مقدمة تنظيرية لتأسيس الكونفدرالية الديموقراطية للشغل التي ستعصف بها، بدورها عام 2000، الخلافات السياسية داخل الهيئة السياسية الحاضنة لها، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي أنشأ "نقابته " الخاصة، الفدرالية الديموقراطية للشغل، في بداية مسلسل جديد من الانقسام النقابي، بموازاة مع الانشقاقات المتفرعة عن الحزب.




تابعونا على فيسبوك