اعتبر عبد القادر أزريع عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديموقراطية للشغل في تقييمه لحصيلة أزيد من ستين سنة من العمل النقابي في المغرب أن الحركة النقابية استطاعت عموما أن تؤثر تأثيرا قويا في مسار التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي متقدمة في ر
وأضاف أزريع الذي كان يتحدث في حوار لـ "الصحراء المغربية"أن تراجع ثقة المواطنين والعمال بالنشاط النقابي وجدواه، يرتبط من جهة بتراجع الحركة النقابية في العالم بأسره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، خصوصا وأن الكل عبر العالم يتحدث عن أزمة العمل النقابي، وقدم سردا تاريخيا للتطور للفكرة التي أطرت تأسيس النقابات في أوروبا.
معتبرا أن الغايات من وراء تأسيس النقابات في ذلك الوقت، تختلف كثيرا عن الغايات من نشاطها الحالي، وبالتالي يبقى السؤال المطروح "هو كيف يمكن لنقابة الأمس أن تؤطر علاقات مهنية جديدة؟"، واعتبر أزريع أن ذلك هو السبب وراء الدعوة إلى تجديد الحركة النقابية وتجديد فلسفتها وأدوارها وآفاقها.
كما يرتبط النشاط النقابي ودوره بحسب أزريع بعامل ثان يدخل في إطار الخصوصية المغربية، وهو التوتر والتأثر السلبي بالحركة السياسية وانتشار الأطروحة الاقتصادية الليبرالية في المغرب الذي قلص بدوره كثيرا من فضاء التدخل النقابي وأثر على العلاقات المهنية و"جعل الحقوق والمكتسبات الاجتماعية في مهب الريح"، كما أن الهزات التي عرفها المشهد السياسي دفعت هي الأخرى في اتجاه "البلقنة النقابية".
وحمل أزريع القيادات التاريخية للنقابات مسؤولية الحيلولة دون تحول المركزيات النقابية إلى مؤسسات تعمل في إطار دورة تنظيمية عادية وتعترف بالكفاءات والإمكانيات وتسمح بالتناوب بين الأجيال على تدبير الحقل النقابي المغربي.
واعتبر أزريع أن التصنيف الكلاسيكي للنقابات المؤسس على الأطروحة الماركسية الكلاسيكية والأطروحة الليبرالية أصبح اليوم متجاوزا، وأضاف أنه من الضروري الابتعاد عن النظرة النقابية الأوروبية "لأن خصوصياتنا تختلف عن الخصوصية الأوروبية والمهام المطروحة على حركتنا النقابية تختلف جذريا عن المهام المطروحة على النقابات في أوروبا".
واعتبر في السياق نفسه أنه من الضروري الانفتاح على تجربة رائدة في هذا المجال وهي التجربة النقابية في أميركا اللاتينية التي حولت الحركة النقابية من العمل الممركز القائم على النظرية التنظيمية المعروفة بالمركزية الديموقراطية، إلى الجبهة الاجتماعية وهي إطار وفضاء واسع ومرن يشمل كل المتضررين من السياسة النيوليبرالية المطبقة في العالم.
ودعا أزريع إلى ضرورة الإسراع بتأسيس منتدى نقابي مغربي يضم الفاعلين النقابيين والمهتمين بالمسألة الاجتماعية وبالمشروع الديموقراطي الحداثي المغربي لأجل فتح نقاش عميق وشفاف في أفق بلورة أطروحة تعيد صياغة المشهد النقابي ليتحول إلى قطب من أقطاب مقاومة السياسة النيوليبرالية في البلاد.
كما دعا إلى الإسراع بإصلاحات دستورية من أجل إعادة النظر في تشكيلة الغرفة الثانية، وصياغة مدونة سلوك تكون بمثابة خارطة الطريق التي تنظم العلاقات في إطار هذه الجبهة الاجتماعية العريضة والواسعة التي يقترحها.
ـ إذا أردنا الحديث عن الحصيلة طيلة خمسين سنة، أو على الأقل في أواخر فترة الاستعمار أي منذ تأسيس أول مركزية نقابية في المغرب إلى اليوم، فلا بد أن نسجل أن الحركة النقابية المغربية عموما، استطاعت أن تؤثر تأثيرا قويا في مسار التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من قبيل التحول في المسارالديموقراطي في بلادنا وكذلك التحول الاجتماعي خاصة من خلال الاتفاقات الكبرى، التي شهدتها بلادنا سواء اتفاق فاتح غشت أو الاتفاقات التي تلته.
وقد كان للحركة النقابية حضور وازن وفاعل في الساحة الاجتماعية، بالإضافة إلى المستوى التأطيري الذي تقدم بشكل ملموس خاصة بعد الثمانينات، إذ إن الحكومات السابقة كانت خاضعة لإملاءات المؤسسات الدولية والتي مست مصالح الطبقة العاملة في الصميم، وكان لها أيضا إسهام في التحولات الديموقراطية والمطالبة بتطبيق وتفعيل حقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها دوليا.
الحصيلة عموما متقدمة، لكنها للأسف الشديد تأثرت بالتحولات الكبرى التي يعيشها المشهد السياسي المغربي، نظرا إلى العلاقة الوطيدة المترتبة عن خصوصية التشكل النقابي المغربي، حيث وعلى خلاف التجربة الأوربية التي شهدت ميلاد الحركة النقابية قبل الحركة السياسية، سواء منها الديموقراطية أو الاشتراكية، فالنشأة النقابية في المغرب كانت مرتبطة بقرارين، الأول هو قرار الحركة الوطنية، والثاني هو قرار الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي عمل على تأسيس فرع للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية بالمغرب.
هذه العلاقة بالحركة الوطنية ثم بعد ذلك بالحركة الاشتراكية، كانت إحدى المحطات الكبرى في مسار تطور الحركة الديموقراطية في بلادنا وكانت الحركة النقابية تتأثر إما إيجابا أو سلبا بهذه التحولات.
- كما قلت سابقا فالوضع النقابي في المغرب اليوم في تراجع ويعرف تفسخا وتكلسا نتيجة استمرار الكاريزمية التاريخية المعطلة لإمكانية التناوب والإبداع لدرجة أنه لم يحصل تحول في مركزية نقابية واحدة، إلا بانشقاق أو انقلاب على القيادة، ولم يحصل أبدا انتقال مرن للسلطة، كما حصل بالنسبة إلى الملكية المغربية، أي انتقال مرن برضا وتعاقد الجميع كما حصل في التجربة الإسبانية، فـ "قائد"التجربة الإسبانية الذي أدى الثمن في مواجهة التجربة الفرنكوية مباشرة بعد الثورة الإسبانية والدخول في التجربة الديموقراطية، قدم استقالته ودعا إلى مؤتمر من أجل تجديد القيادة النقابية في هذا البلد القريب منا.
لذلك أعتقد أن أي عمل من هذا الحجم وأي تغيير ليس بالأمر السهل وهو يحتاج إلى تأطير نظري وإلى اجتهاد وإرادة، وفي تقديري أن المدخل لإنجاز هذه المهمة الكبرى من أجل وقف التشرذم والتعثر والتوتر في العلاقة بين السياسي والنقابي، ونحن نرى اليوم كيف أن أحزابا صغيرة تدبر مركزيات كبيرة، وهذا من شأنه أن يؤثر على القرار والفعل والإشعاع النقابي، إذا فالخطوة المدخل نحو هذه الجبهة المجتمعية المفتوحة والقادرة على تحقيق التوازن الداخلي والخارجي، وعلى أن تساعد بلادنا لتنخرط في هذه الجبهة العالمية، وأن تحقق الانتقال الديموقراطي، المدخل لكل هذا هو أن نسرع بتأسيس منتدى نقابي مغربي يضم كل الفاعلين النقابيين وكل المهتمين بالمسألة الاجتماعية، وبالمشروع الديموقراطي الحداثي المغربي من أجل فتح نقاش عميق وشفاف في أفق بلورة أطروحة تعيد صياغة المشهد النقابي ليتحول إلى قطب من أقطاب مقاومة السياسة النيوليبرالية في بلادنا، ثانيا يجب أن نسرع بإصلاحات دستورية من أجل إعادة النظر في تشكيلة الغرفة الثانية، لأن وجود النقابة في هذه الغرفة جعلها في موقع اختلطت فيه الأوراق بين الممارسة النقابية والممارسة السياسية، فأصبحت النقابة مثلا تصوت على الميزانية في موقع وتناضل ضدها في موقع آخر، وهذه قمة العبث النقابي والذي لا يمكن إلا أن يؤثر على العلاقة بين النقابة وأعضائها.
وبالتالي لابد من إعادة النظر في تشكيلة مجلس المستشارين وأن تنتقل النقابة إلى موقعها الطبيعي الذي من خلاله ستنكب على الملفات الاجتماعية التي تهم الطبقة العاملة، وهو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ثالثا يجب أن تعمل النقابة على صياغة ميثاق العمل بين مكوناتها، إذ لم يعد مقبولا أن تتخذ القيادة بمفردها قرارا كبيرا وتاريخيا من حجم الإضراب العام مثلا، أعتقد أنه آن الأوان لكي تتحدد معايير اتخاذ قرارات مثل هذه بحيث تخضع للحوار والنقاش، بل للتصويت بحضور وسائل الإعلام والهيآت الحقوقية كي تكون قرارات اجتماعية حقيقية وتهم الطبقة العاملة وعموم المأجورين وليس فقط ناتجة عن تقدير لهذا القائد أو ذاك.
ولذلك لا بد من صياغة مدونة السلوك التي تكون خارطة الطريق التي تنظم العلاقات في إطار هذه الجبهة الاجتماعية العريضة والواسعة.
كل هذا يدفعنا إلى أن نخوض جميعا معركة التجديد من أجل تأهيل وترشيد العمل النقابي حتى يتمكن من الإسهام مرة أخرى في المعركة الديموقراطية التي تعيشها بلادنا وإنجاز مهمة الانتقال الديموقراطي لمجتمع حداثي قادر على المقاومة، لأنه لا توجد فقط المقاومة المسلحة في لبنان، بل هناك أيضا المقاومة الاجتماعية والمقاومة السياسية، ولو كنا حاضرين بهذه القوة التي أتصور لاستطعنا أن نفعل الكثير لصالح أخواتنا وإخواننا في لبنان وفلسطين والعراق، وغيرها من جبهات مواجهة السياسة النيوليبرالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
٭ سابقا، كان الشعار السائد هو أن الدولة تسعى إلى تمييع العمل النقابي عبر خلق انشقاقات وتفريخ نقابات جديدة موالية لها على غرار ما كان يحصل مع الأحزاب السياسية، لكن يظهر الآن أن الدولة لم تعد تتقمص هذا الدور وهناك عدة مؤشرات تدل على ذلك، ومع ذلك فواقع التشرذم والانشقاق داخل النقابات هو المظهر الطاغي على العمل النقابي.
هل من الممكن اليوم إلقاء اللوم على الدولة فيما آل إليه العمل النقابي؟ ـ أقول بخصوص هذه المسألة إن الدولة تدبر المجتمع بكل مكوناته، أنا دائما كنت ضد هذه الأطروحة، لأني أعتبر أن الدولة مسؤولة على تدبير المجتمع وبالتالي فعينها على جميع الفاعلين في هذا المجتمع كيفما كانت حقول عملهم وآليات تدخلهم، ولذلك يجب أن تكون متابعة لتحركاتهم، وهذا شيء طبيعي.
والدولة في جميع الأحوال لأنها تدبر التوازن مضطرة انطلاقا من مصلحة استمرار الدورة السياسية والاجتماعية والاقتصادية أن تتعامل مع القيادة القائمة، لذلك فالملوك عندما يرثون العرش يرثون كل مكونات المجتمع بما فيها المكونات السياسية والنقابية والاجتماعية، ويجد الملك نفسه مضطرا إلى التعامل مع الوضعية القائمة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، لكن هو كيف نتصرف نحن في وضعية التغيير، هذا هو السؤال الأساسي.
أنا كنت دائما ضد التحليل البوليسي للتاريخ، لأن الفاعلين في المجتمع هم الذين يدبرون شأن المؤسسة، وعندما يغيب الاجتهاد ويحضر التكلس والانغلاق والتقوقع وتحضر الكاريزمية وتتحول الشرعية التاريخية إلى عائق أمام التطور والتقدم، هنا لابد أن تختلف الأفكار والأطروحات، ومن هنا يأتي الانشقاق والتوالد.
وهنا لا أتحدث عن بعض الولادات الإدارية الفجة التي كانت تدخل في مرحلة تمييع المشهد النقابي، بل أتحدث عن الحركات النقابية الأصيلة أو الحركات السياسية الأصيلة، فالمشكل هو أنه عندما تغيب الديموقراطية ويغيب التناوب والانفتاح والاجتهاد والاستماع للآخر، لابد أن يقع انشطار وتفكك، والخطير في الأمر هو أن يستمر هذا التفكك وأن لا يتحول إلى واقع يسائلنا.
لا بد أن نعي خطورة هذه اللحظة من أجل إعادة صياغة السؤال النقابي في أفق تشكيل أطروحته، وإعادة بناء العمل النقابي.
الوضع الحالي يذكرني بلحظة تاريخية مهمة في تاريخ بلادنا الذي يجب إعادة قراءته، ففي اليوم الذي دخل فيه الأوربيون إلى المغرب، وجدوا أن الحرفيين مؤطرون في إطار الحرفة أو المهنة، وكان لديهم آنذاك أمين الحرفيين، هو الذي يشرف على تنظيمهم، بطبيعة الحال هذه الآلية تجووزت مع دخول النمط الرأسمالي وتأثيره في بلادنا، وكان الدور التثقيفي والتعليمي الذي لعبته الحركة الوطنية هو انتقال الحرفي المغربي إلى بناء أداة جديدة مطابقة لهذا الوضع الجديد.
وأعتقد أننا اليوم ونظرا إلى سيادة العلاقات النيوليبرالية في ظل نظام العولمة، مهمتنا هي أن ننتقل بالطبقة العاملة وعموم المأجورين وكل المحرومين، وكل الذين يؤدون فاتورة الليبرالية من معطلين ومتقاعدين ومهمشين وفلاحين، أن ننتقل بهم إلى وعي جديد وإطار جديد وهو الذي سميته بـ "الجبهة الاجتماعية العريضة"التي تكون قادرة على بناء قنوات جديدة مع عموم جماهير شعبنا من أجل استنهاضها لخوض معركة الديموقراطية والإصلاح والتوزان الاجتماعي الجديد، وها نحن نرى نموذج حزب الله الذي نجح لأنه استطاع أن يحول فقر الجنوب وثقافة التضحية عند الشيعة إلى ثقافة للفعل ولمواجهة العدو.
والسؤال هو هل سننجح نحن في تحويل مهمشينا ومعطلينا وفقراء المغرب إلى قوة دافعة من أجل انتقال ديموقراطي حقيقي في بلادنا، وأظن أن هذا هو التحدي الأصعب الذي يجب علينا أن نرفعه.
٭ قانون الشغل له ما له في صياغة هذه المرحلة التي نعيشها، وربما يكون له أيضا تأثيره على العمل النقابي ونتائجه، ما هو تقييمكم لتطبيق قانون الشغل الجديد خلال السنوات القليلة الماضية؟ ـ مشكلة قانون الشغل أنه جاء على إثر قانون موروث من الاستعمار، وعلى علاته لم يسبق أن تم تطبيقه كما ينبغي.
القانون الحالي لا أقول إنه نموذجي لأنه قانون الحد الأدنى المتوافق حوله من قبل كل أطراف الإنتاج، بما فيها الدولة وأرباب العمل والعمال، وكما يقال فـ "قانون الشغل هو قانون من لا قانون له"، والمشكلة الحقيقية هي أن الحكومة، للأسف الشديد، لم تعمل على تطبيقه وتصريفه كما جاء.
ومثال على ذلك ، فلحد الآن مازال التناقض قائما، بين النص الجديد والمرسوم المتعلق بالحد الأدنى للأجر، ومازال هناك مشكل كبير بخصوص ساعات العمل، ومازال المعنيون يتساءلون حول تقليص ساعات العمل إلى 44 ساعة، وحول الأجر المطابق لهذا التقليص هل هو الأجر المعمول به سلفا أم أنه يجب تقليصه، كما أن هناك اختلافات بين المقاولات في المدينة الواحدة بحيث تقدم كل واحدة حدا أدنى للأجر، مختلفا عن الأخرى بحسب تفسيرها لقانون الشغل، ولأن مفتشي الشغل، وأرباب العمل ومندوبي العمال لم يتسلحوا بمعرفة هذا القانون، أصبحنا نجد اليوم فوضى عارمة في عالم الشغل، كل يختار الصيغة التي تناسبه على حسب معرفته وقوته.
الباترونا المغربية تستمد قوتها من وجودها القوي داخل الحكومة وتجد تعاطف كبيرا، مع مطالبها ونزواتها، في حين أن القوانين التي تكون في صالح العمال تجمد أو تفعل بدلا عنها قوانين عرفية تسرع من وتيرة التسريح والإغلاق، ناهيك عن أن هناك فضاء واسعا يشتغل في الحقل الإنتاجي، ولم يؤطر بعد وأقصد هنا نظام المناولة، وهو نظام نشيط اليوم وكل المقاولات الكبرى لجأت إليه لكن دون أن نستطيع ضبط مقاولات المناولة في بلادنا، ولم نستطع تنظيم وضبط قانون الشغل المحدد المدة، والأخطر من هذا هو أن الحكومة تفكر في اجتهاد جديد بخصوص الحد الأدنى للأجر بحيث تسير في اتجاه خلق حدود أدنى للأجر، تختلف باختلاف الجهات والمدن، وهناك اجتهاد آخر دفع به الوزير الأول، هو فتح المجال للمقاولات التي تختار منطقة قروية لنشاطها أن تعطي بدل الحد الأدنى للأجر الصناعي، الحد الأدنى للأجر الفلاحي.
والخلاصة أنه ليس هناك قانون شغل، بل هناك فوضى تؤدي ضريبتها في النهاية الطبقة العاملة في بلادنا، لأن العبرة ليست بالقوانين ولكن بتطبيقها.