العمل النقابي والانشقاقات الحزبية

الأربعاء 16 غشت 2006 - 10:57

إذا كان من الممكن القول بأن العمل السياسي، كوجه من وجوه الصراع الطبقي، هو نشاط يهدف تغيير أوضاع الناس والمجتمع من خلال التعاطي مع القضايا المرتبطة بالسلطة والمشاركة في تدبير الشأن العام عبر استراتيجية الأمد البعيد،فإنه يمكن القول.

من جهة أخرى، بأن العمل النقابي هو التعاطي مع القضايا الطبقية الآنية والملحة المتعلقة بالمصالح اليومية للطبقة العاملة، اتسع المصطلح ليشمل الشغيلة بكل أصنافها.
دون أن نغفل بأن لكل عمل نقابي خلفيته ودعامته الفكرية والسياسية التي يتم توظيفها لصالح الطبقات المُستَغَلة أو لصالح مُستغِليها.

وإذا كان ظهير 18 ذي الحجة 1376 الموافق لــ 16 يوليوز 1957 قد حدد الهدف من إنشاء النقابات في : "الدرس والدفاع عن المصالح الاقتصادية و الصناعية و التجارية و الفلاحية الخاصة بالمنخرطين فيها، الظهير الشريف رقم 1.57.119 بشأن النقابات المهنية.

فإنه في المغرب ارتبط،العمل النقابي منذ النشأة وتاريخيا بالعمل السياسي، إذ انبثق النشاط النقابي وترعرع في خضم الصراع مع المستعمر، برغم محاصرة الطبقة العاملة المغربية الناشئة بالقمع، من طرف هذا الأخير وأذنابه، وقانونيا بإصدار ظهيرين الأول سنة 1936 يمنع العمال المغاربة من الانتماء إلى النقابة و الثاني سنة 1938 يجرمه.

وقد شكل إنشاء أول مركزية نقابية الاتحاد المغربي للشغل بتاريخ 20 مارس 1955 بقيادة مغربية لبنة في التوجه العام المطالب بالاستقلال ورحيل المُستغِل الأجنبي،هذا التأسيس الذي كان يحمل في طياته صراعا مزدوجا.

فتأسيس الاتحاد المغربي للشغل يندرج في المسعى الذي اختارته الحركة الوطنية في توظيف جميع القوى في صراعها المزدوج هذا، مع المستعمر وداخل صفوفها، خصوصا أننا نتحدث عن سنة قبل الاستقلال، وهو ما سيتضح،، بعد الاستقلال بقليل ،في تصفيات بلا رحمة.
فإنشاء نقابة "لا يمكن فصله عن رغبة أطر الحركة الوطنية في تأسيس عمل نقابي من أجل خدمة النضال السياسي الحزبي، وفصل الحركة العمالية، عن التأثيرات الممكنة للمناضلين الشيوعيين ، داخل الكونفدرالية العامة للشغل CGT"، وربط النضال النقابي بالنضال من أجل الاستقلال.عزيز عقاوي الحوار المتمدن العدد 1186 03-5-2005، دون إغفال عملية الانسلال إلى داخل فرع الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالغرب UGSUM الذي تأسس بالمغرب سنة 1943 من طرف الشيوعيين المغاربة بعد صعود اليسار الفرنسي إلى الحكم، وما خلفه ذلك من إزعاج لقادة حزب الاستقلال الذين فشلوا في تأسيس نقابة إسلامية للعمال المغاربة تستثني من صفوفها اليهود والنصارى هذا الفشل الذي سيدفع يسار هذا الحزب من مثل عبد الرحمان اليوسفي ،عبد الرحيم بوعبيد ثم عبد الله إبراهيم بتوجيه مناضلي الحزب للانخراط في UGSUM بعد تأسيسها بأربع سنوات في إطار صراعهم مع المستعمر وصراعهم داخل الحزب.

وبالتالي لم يكن تأسيس النقابة استجابة لواقع طبقة عاملة نوعية وكثيرة العدد بقدر ما كان رغبة في استعمال العمل النقابي في النضال ضد المستعمرمن جهة ومن جهة أخرى في التحكم البورجوازي في العمال المغاربة، إذ أن اجتماع 20 مارس 1955 التأسيسي لم يكن مؤتمرا يمثل نقابات قائمة بل لقاء لنقابيي الحركة الوطنية ذات القيادة البرجوازية التي عملت على تنظيم العمال المغاربة خارج الكونفدرالية العامة للشغل.

مصطفى البحري و محمود جديد"المناضل"ة عدد 3، إن منطلقات التأسيس إذن لم تكن جوابا على حاجة لتنظيم طبقة ذات ملامح واضحة أفرزتها وضعية صناعية متقدمة وإنما كان التأسيس بهدف الجواب على حالة صراع فوق الساحة السياسية بين الوطنيين والاستعمار، من جهة، وبين البورجوازية الوطنية التي تهيئ نفسها للحلول مكان المستعمر في ما يتعلق باستغلال خيرات البلاد وبين توجه آخر يمتاح من الفكر الاشتراكي الشيوعي والذي على المدى القريب سيهدد مصالح هذه البورجوازية الوطنية.


وهذه الانطلاقة في ربط النقابي بالسياسي، كخاضع وتابع، هي ما سيطبع مسار العمل النقابي بالمغرب،حيث ستتحول النقابة إلى وسيلة ضغط في الصراع السياسي الدائر بين الفرقاء منذ ذلك الوقت وحتى اليوم .

إن أول اختبار لصحة الأطروحة التي تقول بواقعة ربط النقابي بالحزبي وهو ربط سيشمل، في ما بعد،مجموعة من الإطارات الأخرى حتى الثقافية منها سيتضح مع انفجار الصراع داخل حزب الاستقلال سنة 1959 حيث سيؤدي الانفصال الذي تأسس على إثره حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من بقاء المركزية النقابية الاتحاد المغربي للشغل تحت سيطرة المنشقين ،مما سيدفع بقيادة حزب الاستقلال لاحقا إلى تأسيس الاتحاد العام للشغالين بالمغرب كنقابة خاصة بالمناضلين الاستقلاليين تابعة بلا أي لبس للحزب.

ومع بداية السبعينات وبانطلاق الحركة التصحيحية سنة 1972 داخل حزب الا تحاد الوطني للقوات الشعبية، والتي دارت فصول منها داخل المركزية النقابية الاتحاد المغربي للشغل باعتبارها إرثا مشتركا لكل المنشقين سنة 1959 عن حزب الاستقلال، إلا أن النبوءة تحققت واحتفظ المحجوب بن الصديق وإلى اليوم بالنقابة

ولولا أحداث 1973 التي أدت بأغلب الحركة التصحيحية والبديل المنتظر إلى السجن أو المنافي، ولولا الظروف الاستثنائية التي عاشها اليسار المغربي أنذاك،وحدث المسيرة الخضراء التي هي لها بمؤتمرات استثنائية.

لما كان تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تأخر حتى سنة 1978 لتحاول أن تكون بديلا لماسبق من سلوك نقابي مطبوع بالهيمنة والتهميش،وبالرغم من وجود أطياف اللون اليساري في صفوفها فإنها لم تستطع أن تتخلص من تلاطم أمواج السياسي والحزبي بساحتها، وعلينا أن ننتظر حتى انعقاد المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي بتاريخ 28-29-30 مارس 2001 الذي سجل انسحاب مجموعة من المؤتمرين ومن بينهم أعضاء قياديون بالحزب وبالنقابة ليبدأ فصل جديد من تداعيات الانشقاق الحزبي على العمل النقابي الذي سيفرزبعد ثلاث سنوات-8-12-2003 نقابة جديدة تابعة للاتحاد الاشتراكي هي الفدرالية الديمقراطية للشغل.

فهل نشهد نقابة جديدة على هامش الانشقاق الحاصل في المؤتمر الاتحادي الذي يتبادل قادته اليوم طرد بعضهم بعضا؟ لم نتحدث عن نقابات أخرى لانحصار تأثيرها أو غياب المصداقية عنها والتي أريد منها أن تكون أداة في يد أحزاب موالية للمُستَغِلِّين من أجل التشويش على العمل النقابي الحقيقي أوأنها نشأت عن خلافات سياسية تؤكد كلها ما ذهبنا إليه من استعمال النقابي لأغراض حزبية .

ولأن ما أسلفناه يفي بالغرض، إن النقاش الدائر اليوم في الساحة منصب، وأريد له أن ينصب، باتجاه الشأن الحزبي تماشيا مع العقلية السائدة لدى اليسار واليمين على السواء، من كون السياسي والحزبي بالأساس هو القاطرة وما عداه مقطورات تابعة، لذا يكثر اليوم الحديث حول التكتل الحزبي والوحدة والاندماج على الصعيد الحزبي، باعتبار أنه عندما نتكتل أو نتوحد أو نندمج حزبيا وسياسيا سنستطيع وقتها حل جميع القضايا التنظيمية الأخرى ويمكننا بعد ذلك إيجاد حلول لكل المعضلات بما فيها القضايا النقابية والجمعوية.

ولحد الآن لم نسمع بمن يرفع شعار الوحدة والإندماج على الصعيد النقابي، وهو الأقرب إلى الصواب،باعتبار المصالح المشتركة للطبقة الكادحة خصوصا ولبقية الشغيلة بوجه عام متشابهة ومتقاربة بل يمكن القول بأنها واحدة، ومن السهل التكتل حول برنامج نضالي يهم الرفع من الأجور وتحسين ظروف العمل إلى غيرها من المطالب التي يمكن أن تتوحد حولها فئات واسعة من الكادحين، من التكتل حول برنامج سياسي يتكئ على أكثر من خلفية ويرسم أكثر من وسيلة واتجاه لتحقيق هدف الاستيلاء على السلطة أو المشاركة في تسيير الشأن العام، إضافة للإشكاليات التي يمكن أن تطرحها المفاهيم حول هذا الاختيار أو ذاك من مثل : هل نحن نعيش تحولا ديمقراطيا أم لا؟ وهل علينا أن نشارك لنصنع هذا التحول أو ننتظر حتى يحدث ثم نشارك،؟ أم هل نشارك في التسيير أم نقتسم السلطة؟ .

إن المناداة باستقلال النقابي عن الحزبي وليس عن السياسة باتجاه تكتل الشغيلة عامة والكادحين خاصة، لهو الخطوة الأولى على طريق وقف نزيف الانشقاق النقابي الذي تمارسه الحزبية على آخر حصون المُستَغلين بهذا البلد لصالح طموحات بورجوازية صغيرة احتلت المقاعد القيادية، في غفلة من طبقة كادحة تعاني القهر والأمية، من أجل تحقيق مصالحها الذاتية على حساب شقاء الآخرين.

فهل يتصدى المثقفون الديمقراطيون لهذه المهمة كمدخل لأي وحدة صلبة في المستقبل
؟ومن أجلها يتصدون لأي توجه انتهازي يستعمل الكادحين كسوق ماشية يقسم كما يشاء ويبيع كما يشاء؟ إنه السؤال الحقيقي الذي ينتظر جوابا على أرض الواقع.




تابعونا على فيسبوك