روح سمحة مرحة وحديث عن الوقائع والمواقف بطلاقة وفصاحة

عبد الهادي بوطالب محط كرسي اعتراف بأصيلة

الثلاثاء 15 غشت 2006 - 09:04

كان الدكتور عبد الهادي بوطالب، أول أمس الأحد، بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بأصيلة، محط "كرسي اعتراف"، وتحدثت عنه شهادات مشاركين في ندوة تكريمية لشخصه ضمن فعاليات مهرجان أصيلة في نسخته الثامنة والعشرين.

كان الدكتور عبد الهادي بوطالب، بجسمه النحيل ووقاره المعهود، يصغي وتظهر على محياه أحيانا علامات الخجل منصتا لكلمات ثناء صادقة قيلت في حق رجل من العيار الكبير
مبارك ربيع عميد كلية الآداب سابقا بالرباط ، قال في مداخلة بعنوان "السرد الروائي والوعي الزمني في رواية "وزير غرناطة" لصاحبها الدكتور عبدالهادي بوطالب، الصادرة في خمسينيات القرن الماضي، وأعرب مبارك ربيع عن اعتقاده بأن الرواية التي تتمحور حول امرأة عجوز تروي أحداثا للصغار يلتفون حولها في لهفة وشوق لسماع أخبار غرناطة، وضمنها ملوك بني الأحمر أنفسهم، وما يمنون به الناس، دون أن يعدوا ويستعدوا جديا لذلك، وإنما ينصرفون إلى لهو حياتهم المعتادة، وتطاحنهم من أجل السلطة والملك، فترى أن سبع سنوات مضت من ولاية أبي الحجاج، وقد آلى على نفسه أن يحقق النصر والمجد دون جدوى، بل أصبح ألعوبة في يد حاجبه، وتتوقع العجوز أن تتلو ذلك سبع أخر شداد دون أي نتيجة".

يضيف مبارك ربيع متحدثا عن الأستاذ بوطالب قائلا "على مدى أكثر من نصف قرن، إنه لو كتب هذه الرواية في أواسط أو أواخر زخم هذه المسارات المكثفة، وبخاصة في خضم حياته السياسية بما فيها من إغناء وثراء، وما عرفته من تقلبات.

مما يسميه هو نفسه "دسائس القصور"، في إشارة إلى ماورد في كتاب بوطالب "نصف قرن من السياسة".

وقدم الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، شهادة بليغة في حق الأستاذ بوطالب، وتحدث عن معرفته به في شهر شتنبر من سنة 1985 عندما كان الأستاذ بوطالب رئيسا للمنظمة نفسها، وقال التويجري إنه تعلم من المحتفى به "الشيء الكثير" وتحدث عن كون بوطالب جمع بين "الثقافة العميقة المتشعبة التي يتمايل فيها الأصيل والجديد، وبين المعرفة القانونية المتخصصة والخبرة الواسعة الغنية في ميادين العمل العام والإدارة والاطلاع الشامل على أوضاع العالم وأحوال الأمة العربية والإسلامية، فاكتسب بهذه المعارف والخبرات والتجارب سعة الأفق، وعمق الرؤية، على رجاحة العقل ونفاذ البصيرة"
وقال مدير عام الإيسيسكو إن الأستاذ بوطالب "يملك روحا سمحة مرحة ويتحدث عن الوقائع والمواقف والأحداث بطلاقة وفصاحة".

وذكر مولاي إسماعيل العلوي، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في كلمة تليت باسمه، أن الأقدار تشاء أن يتزامن تكريم الأستاذ بوطالب مع الأحداث المأساوية، التي تعيشها الأمة العربية في لبنان والعراق وفلسطين، وذكر العلوي بما كان قاله بوطالب في شأن إعداد "تقرير استراتيجية الأمن القومي الأميركي"، وتغيير خريطة الشرق الوسط الكبير، التي أعلن عنها البيت الأبيض يوم 20 شتنبر 2001، أي في موعد الذكرى السنوية لأحداث 11 شتنبر 2001، وتحت تأثير الانفعال لهوله، حينما قال إن الرئيس الأميركي نظم العالم على مارقة وماردة، "أو نظم شر"، وأخرى ملتزمة بالقانون ومقتضيات.

الديمقراطية، "أو نظم خير"، كان يدمج في الصنف الأول دول الشرق الأوسط، لأن شعوبها عربا أو مسلمين، هم الذين حكم عليهم غيابيا وبدون سند قانوني بأنهم إرهابيون وجعل منهم أعداء، ما يعني أن المنطقة كلها، أنظمة وشعوبا، قلعة إرهاب، باستثناء نظام "إسرائيل"، الذي كان يصفه البيت الأبيض ولا يزال في عداد "الأنظمة" الخيرة، التي تناهض الإرهاب.

وذهب الدكتور مصطفى القباج مقرر أكاديمية المملكة المغربية، في مداخلة ألقاها تحت عنوان "ثوابت ومتغيرات فكر عبد الهادي بوطالب"، إلى التأكيد على أن المحتفى به جمع بين الدراسة الأصيلة والفكر المتنور، وقال القباج "منذ أن أبدع الأستاذ عبد الهادي بوطالب رواية "وزير غرناطة" وهو يصمم ملامح شخصيته، ويخطط مسار عمره، فمن حياة لسان الدين بن الخطيب، يقول الرجل، كونت لنفسي رؤية عن حياة الحكم المشخص الفردي : كيف يتصرف وكيف يعامل الناس.

لقد وصل ابن الخطيب إلى أعلى المراتب ثم نزل بفعل دسائس القصور المحبوكة على هوة التردي عاش حياة السلطة، ثم عاش حياة التعاسة، التي انتهت إلى موت فظيع
كان مجرد نموذج أو مثال عن تصرف الحكم المطلق فحل هذا الرجل في نفسي وسكنها وأصبحت متعاطفا مع مأساته متألما لها".

ويرصد الدكتور مصطفى القباج "ثوابت" فكر عبدالهادي بوطالب في نهجه للشورى لحفظه للقرآن الكريم منذ الصبا، وتعلقه بالحرية والفعل التحرري والتحريري والعقلانية والعدالة الدولية.

ومضى القباج يقرأ مقطعا في الصفحة 81 من كتاب "نظرات في القضية العربية" للدكتور بوطالب "إننا ونحن نعيش مآسي العرب في لبنان وفلسطين والعراق لا يمكن إلا أن نستحضر ما كتبه سنة 1987 مما ينم عن نفاذ حدسه وصدق استشرافه قائلا "إن المأساة الحاضرة لتفرض على العرب وقفة تأمل واعتبار، لاستخلاص النتائج المحتومة للواقع المؤلم، وقفة أقل ما ينبغي أن يميزها أن نتعلم خلالها جدوى نبذ الكلام، وإتقان فن الصمت، إذ لا يعقل أمام مأساة من هذا الحجم أن نظل نعارض قوة إسرائيل وصلفها بالتهديد غير النافع، وبغرغرة الأفواه ونفخ الأوداج بالكلام المفخم غير الموزون، وأن تظل إسرائيل تقذفنا بقذائفها النارية من الحجم الكبير، ونحن نقابل عدوانها بالكلام من الحجم الكبير، فقد سئمت الجماهير العربية الاستعارات فاقدة الدلالة، وأصبحت تعاني حساسية الخطب النارية التي لا تفرج في أحسن الأحوال إلا عن كربة من ينطقون بها، هذا إن كانوا صادقين".




تابعونا على فيسبوك