" العطلة ليست للجميع" ، كان هذا هو الجواب الذي كادت تجمع عليه كل الآراء التي استقتها " الصحراء المغربية" لأسر من مستويات اجتماعية مختلفة.
وذلك في إشارة إلى وجود حالات كثيرة يعاني أصحابها الحرمان من التمتع بإجازاتهم عموما وعطلة الصيف على وجه التحديد.
ليس ضحايا العوز المادي هم فقط من تفوتهم فرصة قضاء عطلتهم السنوية بعيدا عن منازلهم، وإنما فاقدو حس حسن التدبير أيضا، كما أكدت زوجة أحد الموظفين من محترمي الدخل، مقرة بغياب الثقافة التسييرية عن تفكير شريكها وميوله نحو التصرف العشوائي، مما ينعكس سلبا على بلوغ أي مطالب وإن كانت ضرورية، " فبالأحرى تحقق غاية الالتحاق بأحد مراكز الاصطياف التي مازلنا ندرجها في قائمة الكماليات" .
وسواء كان السبب خصاصا ماديا أو له علاقة بسوء التدبير، فإن النتيجة واحدة، تؤثر بشكل سلبي، كما يقول المحلل النفساني عبد الرحمان ديدوح، على الصحة النفسية للشخص وتضعف قدرته على منح التوازن للذات البشرية، علما أن حدة التأثير تزداد وطأتها عند الأطفال نظرا لرقة مشاعرهم التي تكون في مرحلة التكوين.
في غرفة تغلب عليها مظاهر الفقر والمعاناة، تكدس ثلاثة أطفال إلى جانب والدتهم وهم يعاينون باهتمام ما يفضي به والدهم لنا بخصوص حكايته مع العطل، وكيف تتسع في كل سنة الهوة بين إمكانياته وتحقيق هدف السفر خارج مدينة إقامته، على الرغم من أن المنطق يفرض، كما يقول، أن ترتقي الأوضاع إلى ما هو أحسن مع توالي الأعوام
يشتغل رب هذه الأسرة مصطفى، 45 سنة، حارسا بمصنع لتركيب أجزاء الشاحنات بالبيضاء.
ويتقاضى مقابل هذه الخدمة مبلغ 2300 درهم شهريا، يقتص منها 500 درهم لأداء واجب الكراء و300 درهم كمصاريف التنقل إلى العمل، إضافة إلى مبلغ 100 درهم لتأدية واجب الكهرباء والماء، وبإجراء عملية حسابية بسيطة، يشير مصطفى، سنجد بأن القسط المالي المتبقي هو 900 درهم، والذي يحتاج فعلا إلى عصا سحرية حتى يكفي متطلبات أفراد الأسرة طيلة شهر كامل، سواء الغذائية أو الصحية أو الدراسية أو غيرها، فهذا المبلغ يستطرد مصطفى، لا يكفي تغذية شخص واحد لمدة 15 يوما، فبالأحرى الحديث عن كسوته وتطبيبه وتنقله " أعترف أن مرور كل هذه السنين على هذا النحو، وقدماي لم تزورا السجن هو في حد ذاته معجزة، نظرا لاستحالة مضي شهر واحد دون أن أضطر إلى جلب دين من صديق أو أحد أفراد العائلة المقربين، ولن أخفيك بأنه ولمدة لا أستطيع تحديدها أقترض فقط لتسديد قرض آخر".
كان كلامي السابق، يضيف المتحدث، " تقديما فقط لأضعك في إطار الوضع العام الذي أعيشه وأبنائي، وبالتالي سيكون من باب المزاح مجرد التفكير في قضاء العطلة الصيفية إلى جانب عامة الناس في البحر، ولو أننا أيضا نقضي العام كاملا في العمل، وأولادنا يواظبون في الحر والشتاء على الذهاب والمجيء من المدرسة، لكن قدر علينا أن نقصى من هذا الحظ، وتمر أيام السنة بالنسبة لنا متشابهة لا فرق فيها بين الخريف والربيع أو بين الشتاء والصيف".
خروج الأطفال من الغرفة بأمر من والدتهم فوزية، 39 سنة، بسبب تقديمها لنا كؤوس شاي، أتاح لنا الفرصة لنسائلها عن مدى احتجاج الأبناء على الحرمان الذي يطالهم من العطلة، ودرجة الأسى الذي يكتنفها وهي تلمحهم صباح مساء بين جدران تلك الغرفة، أو في أحسن الأحوال يلعبون في زقاق الحي، فجاء الجواب وشيء من الدمع تسلل لعينيها : " حقيقة لا أستطيع تفسير الإحساس الذي يمتلكني كل لحظة أرى فيها الأبناء وهم يقتسمون معنا، أي أنا ووالدهم, هذا المصير، فهم مازالوا في عمر اللعب ومن حقهم أن تدخل لقلوبهم الفرحة ولو مرة في السنة، علما أنهم طيلة العام يعانون، ملابسهم ليست كما يرغبون وتغذيتهم أيضا، هذا دون الحديث عن حاجياتهم من دروس التقوية، فأمام كل هذا التحدي الذي يبدونه في صمت، كم أتمنى أن ينتهي العام الدراسي ولدينا القدرة لمصاحبتهم ولو لمدة أسبوع إلى شاطئ ما، لكن وللأسف الحال هو الحال، إن لم أقل يزداد تدهورا، وأريد أن أوجه في هذا الصدد رسالة إلى جميع مواطني هذا البلد ليتساءلوا معي عن معنى شعار " العطلة للجميع" الذي نسمعه في كل حين ولا نرى لتطبيقه محلا بيننا، اللهم إلا إذا كنا لا نعد من ضمن الجميع ونحن لا ندري".
وبالعودة إلى تساؤلنا عن الإحراج الذي من الممكن أن يوقع فيه الأبناء آباءهم جراء الإلحاح بالرغبة في الاصطياف، تؤكد فوزية، مستوى الثاني ثانوي، بأن عدم إلحاح أبنائها هو ما يزيدها إحراجا، فهم يبدون وكأنهم مقتنعون بوضعهم المزري على الرغم من صغر سنهم .
وتقول " إن التفكير في هذه الأمور من الراجح جدا أن يصيبني بالجنون، فمن جهة لا أقوى على ائتمان أبناء الحي لمصاحبة أبنائي للشاطئ، ومن جهة ثانية لن تكفيني 100 درهم إن أردت مرافقتهم بنفسي، علما أن هذا المبلغ نعمل من أجله جميعا لنوفر به أكبر قدر من المستلزمات الضرورية جدا، الحل الأول والأخير الذي يبقى أمامنا هو زيارة إحدى الحدائق الكبرى بالقرب من مسكننا، فهذا الفضاء لا يكلفنا شيئا على الأقل، الدخول بالمجان والوصول إليه لا يقتضي وسيلة نقل" .
غادرنا غرفة مصطفى وزوجته لنجد أنفسنا أمام ثلاث غرف أخرى تؤوي العدد نفسه من الأسر، وكان قد أخبرنا مصطفى في ما سبق بأن عزاءها في قصر ذات اليد وعدم تمكنه من الاصطياف هو اقتسام جيرانه معه هذا المصير، وهو الأمر الذي دفعنا إلى محاولة التعرف ولو بصورة موجزة عن طبيعة الظروف التي يعيشها هؤلاء، خصوصا وأننا لاحظنا بعض لعب البحر ملقاة في فناء ذلك البيت.
يقول محمد، 37 سنة، عامل، بأن إمكانية التوجه وأسرته إلى مخيم أو نحوه تبقى هي الاستثناء، بحكم أنه ألف على مدى أربع سنوات التي أعقبت زواجه قضاء جميع عطل السنة بالبيت، والسبب كما يضيف لا يخرج عن قلة الإمكانيات المادية " في مثل حالتي لا مجال للحديث عن التوفير أو ما شابهه، وبالتالي فإننا وكما يقال " اللي كيجيبو النهار كيديه الليل" ، لكن هذا لا يمنع من أننا نسرق بعض الأوقات لنصاحب منى، 3 سنوات، وعثمان، ستة واحدة، إلى أحد شواطئ البيضاء لقضاء اليوم بالكامل هناك، على أمل أن يحل صيف أحد الأعوام المقبلة ولدينا القدرة على تأدية مصاريف التخييم دون أن يكون هناك تأثير على مستوى عيشنا خلال بقية السنة، لأنني ألاحظ الكثير من الأصدقاء يقترضون المال من أجل الاصطياف، ليجدوا أنفسهم بعد ذلك أمام محنة حقيقية تخيم بدورها عليهم طيلة السنة، فأنا ضد هذه الفكرة، وأفضل الحال الذي أنا عليه على التمتع عشرة أيام وأعاني سنة بكاملها".
وبأحد بيوت حي لارميطاج البيضاوي، استقبلتنا حنان، 31 سنة، وكلها حيرة من معادلة لاتستطيع، حسب تعبيرها، حلها لحد الآن، وهي توفر زوجها على دخل 5500 درهم شهريا، وعجزه بالمقابل عن توفير إمكانية السفر، لذلك تلقي بكامل اللوم على الطريقة التي ينهجها شريكها في تدبير دخله، وتؤكد على أن العديد من زميلاتها لا يتوفر أزواجهن على مثل دخل زوجها، ومع ذلك تبدو أحوالهم أحسن بكثير مما تعيشه.
وتقول " ما يحز في نفسي هو أن لدينا من الإمكانيات ما يجعلنا نقضي العطلة في أفضل الأماكن دون أن نقترض سنتيما واحدا، لكن زوجي سامحه الله يأبى إلا أن يضعنا على قدم المساواة مع من حرموا الامتياز الذي لدينا، فهو يصر دائما على إنفاق أمواله في الأمور الثانوية ويغفل حتى لا أقول يعجز في ما بعد عن تلبية أبسط المطالب الضرورية" .
وتضيف حنان في إشارة إلى إحدى الصور التي تتصدر الغرفة " تلك الصورة أخذت لنا صيف 2002 بمدينة أكادير، كنت حينها حامل بعمران، ولن أستطيع وصف الإحراج الذي كنت فيه حين فاجأنا زوج أختي بقرار ضرورة مرافقتهم إلى تلك المدينة.
لم نكن نتوفر حينها إلا على مبلغ 400 درهم، لنضطر إلى التستر وراء عذر اقتراب وضعي وما يلازم هذا الحدث من مصاريف، لكن ومع إصرار شقيقتي أكدت لي استعدادهم لاحتواء جميع المصاريف، علما أن أجر زوج أختي لا يتعدى 3500 درهم، ومع ذلك لا يمكن أن تحل عطلة ما ويقضونها بالبيت.
وفي هذا السياق، شدد الطبيب النفساني سفيان متوكل على الدور الإيجابي لقضاء العطل خارج المدار المألوف للشخص، مؤكدا على ازدياد هذه الأهمية بالنسبة للأطفال لما في ذلك التغيير للأجواء من دفعة نفسية لهم، تساعدهم على بداية العام الدراسي الجديد وهم متحررون من أي مكبوتات قد تؤثر على مستوى تفكيرهم وطريقة نموهم أيضا.
لكن هذا لا يعني، يستطرد الدكتور، كون الكبار لا يتأثرون بقضاء السنة كاملة داخل نفس البيت، وبل على العكس من ذلك ينالون حظهم من ذلك الخصاص، فداخل كل رجل وامرأة كما يعلم الجميع طفل صغير يتوق إلى الترفيه عن نفسه، واللعب أحيانا بلعب بسيطة " للأسف الشديد أن معظم الأفراد لا يدركون أهمية الأسفار في شحنهم بطاقة زائدة، وبالتالي فإن أي تقصير في هذا الجانب ستكون له عواقب غير مستحبة، الأمر الذي يضع الشخص أحيانا أمام حيرة من أمره وهو يتساءل عن سبب تعبه السريع أو تغير مزاجه المفاجئ أثناء باقي الأيام" .
وتبعا لكون غاية " العطلة للجميع" مازالت في حكم المأمول وليست في متناول الجميع، فإن الطبيب النفساني عبد الرحمان ديدوح، لا يعتبر الأمر منتهيا بالنسبة لمتواضعي الإمكانيات، وإنما بإمكانهم أن يتوجهوا من حين لآخر لشواطئ المدينة التي يقطنونها، ويحاولوا قدر الإمكان استغلال الفضاءات الشاسعة كالغابات والجبال لمن تفتقر مدنهم للبحر، علما أن فضائل هذه العادات لا يمكن إدراكها إلا عند شعور الشخص بقدرته على تحمل المزيد من الضغط الذي تفرضه الحياة خلال باقي فترات العام".