إذا كان المشرق أرض الأنبياء والرسل، فالمغرب أرض الأولياء الصالحين، الذين تنتشر أضرحتهم بكل ربوع المملكة من الشمال إلى الجنوب.
وسط السهول والهضاب، وعلى قمم الجبال العالية العارية .
مع بداية كل صيف، يحج مئات من المغاربة إلى قمة جبل "العلم" (بفتح العين)، الذي يقع وسط قبائل "جبالة"، في أقصى الشمال، من أجل التبرك والوقوف بضريح الولي الصالح مولاي عبد السلام بن مشيش، خصوصا أولئك، الذين منعتهم ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية من أداء مناسك الحج والوقوف بجبل عرفة، ليطلقوا على الموسم اسم "حج المسكين".
بأعلى نقطة في هذا الجبل، الذي يبعد بحوالي 60 كيلومترا عن مدينة تطوان، و120 كيلومترا عن طنجة، يرقد الولي الصالح مولاي عبد السلام تحت شجرة ضخمة، وبجواره تنتشر مساكن العديد من أحفاده، الذين تناسلوا طيلة ثمانية قرون من الزمن.
وبمجرد الوصول إلى باحة قبر الضريح، يدعوك القيمون عليه إلى نزع الحذاء، الذي لا يجوز الدخول به إلى قبر مولاي عبد السلام، لتمشي مسافة كبيرة فوق قطع من الفرشي، مرصف بعناية بالغة إلى غاية قبر الولي الصالح، حيث يجلس عدد كبير من حفظة القرآن بجلابيبهم الصوفية القصيرة، الشيء الذي يولد لديك شعورا غريبا، يزيد من قدسية المكان.
مرافقون متطوعون يشيرون إلى قبر الولي الصالح شارحين "تحت هذه الشجرة الضخمة يوجد قبر مولاي عبد السلام بن مشيش، وعلى جانبيه دفن أبناؤه".
أما بخصوص الصندوق الحديدي الأخضر المقفول، الذي وضع أمام نافذة تطل على القبر، أفاد أحدهم قائلا إنه "صندوق الفتوحات الربانية"، وزاد شارحا "هي الصدقات، التي يضعها زوار الضريح في هذا الصندوق".
وغير بعيد عن الضريح، تثير انتباهك صخرة كبيرة كتب عليها بطلاء أزرق "حجرة المرضيين"، وهي الصخرة التي نسجت حولها عدة حكايات وأساطير، إذ يسود الاعتقاد بأن الشخص الذي يتمتع برضى الوالدين يمكنه المرور بسهولة من الفتحة الضيقة الموجودة بهذه الصخرة، بينما يستعصي هذا الأمر على "مساخيط الوالدين".
كانت جولة سريعة بالضريح وبعض مرافقه، قبل أن تبدأ طلائع الزوار بالتوافد على المكان، الذي عرف هذه السنة، قدوم زوار من نوع خاص، جاؤوا لتوحيد منهج العمل والدعوة إلى الله وتوحيد خطة السير بالعمل الصوفي، وفقا للمنهج الذي يدعو إليه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وحضر هذا الموسم، الذي يصادف فاتح يوليوز من كل سنة، وفد رفيع المستوى، ترأسه الحاجب الملكي عبد الفتاح فرج، وخليهن ولد الرشيد، رئيس المجلس الملكي.
الاستشاري لشؤون الصحراء، برفقة 120 من أعضاء المجلس المذكور، لتأكيد الصلة ما بين الزوايا الصحراوية وشقيقاتها في الشمال، بالإضافة إلى عدد من الوزراء، في مقدمتهم عباس الفاسي، وزير الدولة والأمين العام لحزب الاستقلال، ومحمد اليازغي، وزير إعداد التراب والبيئة والكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وسعد العلمي، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان.
وعرفت هذه التظاهرة الدينية، التي حضرها أيضا فقهاء ينتمون إلى عدد من الزوايا، تلاوة آيات قرآنية وأذكار وأدعية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس والأسرة الملكية الشريفة
يذكر أن مولاي عبد السلام بن مشيش، كانت ولادته سنة 559 هـ الموافق لـ 1198 م، تعلم في الكتاب فحفظ القرآن الكريم وسنه لا يتجاوز الثانية عشر، وتزوج من ابنة عمه يونس وأنجب منها أربعة ذكور هم : محمد وأحمد وعلي وعبد الصمد وبنتا هي فاطمة
وكان الولي الصالح شخصا سويا يعمل في فلاحة الأرض كباقي سكان المنطقة، ولم يكن متكلا على غيره في تدبير شؤون معاشه، ولا منكبا على العبادة كما يرى البعض، بل كان يقسم حياته بين طلب العلم والانشغال بالأولاد ثم الجهاد، إلى أن مات شهيدا سنة 622 للهجرة.