الصويرة

الطاي باس يهزم الحايك في مهرجان كناوة

الجمعة 30 يونيو 2006 - 14:54
ازولاي و الأشعري خلال حفل افتتاح موسم كناوة

جاؤوا بعيدا من الصحراء الإفريقية الكبرى في موجات ترحيل جماعية كعبيد موجهين للتصدير نهاية القرن السادس عشر الميلادي .

قدموا من "السودان الغربي" وذابوا وسط زحام حقب تاريخية متعاقبة.

وتقول دراسات تاريخية إن أصل »كناوة« هو تحريف طال الاسم الأصلي والحقيقي، الذي هو "كينيا"(غينيا)، وأن كناوة هم عبيد غينيا، كما كانوا دائما يسمون، قبل أن يندمجوا في المجتمع المغربي ويتزاوجوا مع البربر والعرب.

و"الطريقة الكناوية"موجودة في مدن مراكش والصويرة والرباط ومكناس.

ويرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل درمنغن "أن الوضعية القاسية لزنوج إفريقيا الشمالية هي التي شجعت على ظهور زوايا خاصة بهم، والحفاظ على طقوسهم السودانية الأصول (السودان الغربي الذي يعني دول الساحل الإفريقي الحالية) المتكيفة مع الإسلام، واستمرار الأنشطة الطقوسية لتلك الزوايا، هو الذي شجع على الحفاظ على الوعي العرقي بين الزنوج والتعاضد المتبادل بينهم".

وتشير الدراسات إلى أن العبيد الأفارقة الوافدين على شمال القارة السمراء، حملوا معهم معتقداتهم الوثنية في آلهتهم وفي "أرواح بدائية"، امتزجت بمعتقدات محلية عربية وبربرية في الجان.

وفي القرن 17، عندما كانت الصويرة مركزا تجاريا مهما على ساحل المحيط الأطلسي، ونقطة تبادل تجاري مع تمبكوتو، عاصمة إفريقيا السوداء المسلمة آنذاك، ومنها كان العبيد يفدون محملين بالذهب إلى المغرب.

ويبدأ أتباع الطائفة الكناوية طقوسهم ويختمونها بالصلاة على النبي وذكر الله في كل تراتيلهم.

ويعد ضريح"سيدي بلال"، الموجود غرب المدينة، مرجعا ومقاما لـ "الأب الروحي" لكناوة، وداخل ضريح ذلك الولي، الذي يحسب في عداد الأولياء مجهولي النسب والسيرة في المغرب، توجد الزاوية التي تحتضن في العشرين من شهر شعبان الموسم السنوي للطائفة الكناوية وسط طقوس غريبة، يتخللها الرقص الهائج المحموم لزمرة الأتباع القادمين من المغرب والخارج.

ومنذ 22 يونيو المنصرم، عاشت الصويرة على إيقاع مهرجان كناوة في طبعته التاسعة وعلى إيقاع موسيقى قوية وروحية رقص الزوار في الساحات العمومية في مدينة حج إليها عشرات الآلاف من الناس.

يحلم العربي، ابن الصويرة، باسترجاع المدينة لإيقاعها الهادئ، وهو يتذكر نهاية الستينيات وبداية السبعينيات.

الفترة التي كانت فيها المدينة ملاذا للباحثين عن ثورة اجتماعية وفكرية لم تتحقق بوجودية سارتر ولاببوهمية فرقة "اليبتلز" الإنجليزية أو جحافل الهبيين التي كانت تعج بهم المدينة آنذاك.

يملك العربي مطعما صغيرا ويحلم بأن يستثمر في رياض يخصصه لاستقبال السياح
عاد قادما من السويد مطلع سنة 2002، بعد أن قضى 22 سنة مهاجرا مقيما بوطن آخر اسكندينافي بارد، عاد العربي بعد غياب طويل إلى المغرب.

خاض مغامرة أكد أنها محفوفة بالمخاطر، وعلق على هذه التجربة بالقول "الطائر يعود دائما لعشه".

عشت الحياة بطولها وعرضها، وتخليت عن امتيازات يوفرها المجتمع هناك وعدت لأبدأ من الصفر، وأنا غير نادم على ذلك، يقولها معتزا بانتمائه للمدينة.

تحدث عن محاولته شراء منزل بالمدينة القديمة، وقال إنه بعد دفعه للعربون، اكتشف أن أحد اليهود اشتراه بسعر مضاعف أسال لعاب مالكه، مضيفا أن المالك الجديد أدخل على الرياض تصليحات معمارية و"صار يبيع ليلة للمبيت بسعر يفوق الخمسة آلاف درهم لليلة الواحدة".

صادقا قالها وهو يضرب متحسرا كفا بآخر، ليرتشف ما تبقى من كأس شاي جمعنا في طاولة مقهى "فرنسا" المزدحم بالزبائن.

في الصويرة تباع البيوت الخربة في حي الملاح بعشرات الآلاف من الدراهم، يتهافت على شرائها مستثمرون من جنسيات مختلفة، يحولونها بعد ترميمها إلى "إقامات ثانوية" لقضاء عطلهم أو يعيدون فتحها لنخبة تحجز ليالي المبيتات في هذه »المنشآت السياحية« عبر الإنترنيت.

ويصل معدل المبيت في رياض فاخر إلى 4000 درهم في الأيام العادية و7000 درهم في الأيام التي يرتفع فيها الإقبال.

ويقول محمد لحراري، أحد سكان الملاح، "كان بعض جيراننا يقومون بتخريب بيوتهم، التي كانت في حالة جيدة، لكي يستفيدوا من البرنامج الاستعجالي لإعادة الإسكان الذي وضعته عمالة الصويرة قبل سنوات لفائدة سكان البيوت المهددة بالانهيار، فقد كانت السلطات تمنحهم قطعا أرضية صغيرة وتنفحهم بمبلغ 10 آلاف درهم، كمساعدة لبناء منازل جديد وهاهم الآن أصبحوا يعضون أصابعهم ندما".

الطاي باسيهزم الحايك

أمام المقهى يمر سياح بخصلات شعر منفوشة، مغاربة جزوا رؤوسهم بشكل غريب، صبايا كشفن عن مفاتنهن، وباعة تذكارات يجلسون هناك يقتعدون الأرض.

شاهدت رساما تحدى إعاقته يجلس فوق كرسي متحرك بجانب مقهى فرنسا يرسم بريشة يعضها غير عابئ بالمارة حوله.

طيلة أيام المهرجان ارتفعت أثمنة المواد الغذائية وألهب المضاربون الأسعار وصار الحصول على الخبز ليلا يتطلب الكثير من البحث في المحلبات صعدنا لصقالة، من على برجها يتراءى الأطلسي ممتدا الأمواج تأتي هادرة لتتكسر على الصخور الناتئة تاركة وراءها زبدا
في الأفق يلوح الخواء في شمس أصيل رائق على جنبات سور الصقالة، الذي تؤثته قطع مدافع قديمة، جلس العشاق يتابعون منظر الغروب.

في حواري المدينة يتجول شباب مغاربة وسياح عرب وأجانب ويهود مغاربة، وأشارت مصادرنا إلى أن ارتفاع عدد الرحلات السياحية نحو مطار المدينة، إذ استقبل هذا الأخير ضيوفا شخصيات ومهرجانيين من مختلف دول العالم.

ووسط الزحمة بحثت عن نساء المدينة اللواتي اعتدن ارتداء "الحايك"والتلصص على الآخرين تحت لباس يخفي كل أجسادهن عدا عيونهن، فوجدت أن نساء
الصويرة "التقليديات" اختفين من الساحات العمومية تاركات المجال لـ »بنات اليوم« المتحررات المرتديات »الطاي باس« وسراويل الجينز الضيقة والقمصان المزركشة
في الصويرة التقيت فتيات مراكشيات وأخريات قادمات من مدن أخرى ونساء من الطبقة الراقية و"مجلوقات"تائهات جئن من مدن بعيدة في أول حافلة منطلقة باتجاه المحطة الطرقية للصويرة هذه الأيام .

وعاين زوار في الشارع مشاهد تظهر فيها نساء أروبيات يمشين مع ابن مدينة بدا وكأنه خارج لتوه من مغارة عالي بابا السحرية، مترديا اللباس الأسطوري ذاته.

هناك سياح يبحثون عن غلمان وسحاقيات يبحثن بدورهن عن "تحرر أكبر" في مدينة قال أحد سكانها إنها »باتت تنافس أكادير، وأنها أضحت بدورها قبلة للسياحة الجنسية، مشيرا إلى وجود فنادق و"رياضات خاصة" ومنازل معدة للكراء يجري إعدادها لتنظيم حفلات دعارة تحضر فيها كل أشكال المجون".

أفهمته أن مدينة الرياح قبلة للمولعين بالألواح الشراعية وللمغرمين بالبساطة والصناعة التقليدية وسمك السردين وعن مغرب الوداعة والتسامح، فهز كتفيه استخفافا
في مساء متأخر من يوم الجمعة 24 يونيو الجاري انتشر الناس في كورنيش المدينة الصغير كانوا يمرحون وكنت أتمشى رأيت سياحا كثر ومغربيات.

تذكرت "المسيو" فيليب السرفاتي، الصحافي البلجيكي الذي ظل يعمل بيومية"لوسوار"، وتمكن من إسقاط عدد لا يستهان به من بناتنا في أكادير في فضيحة كان بطلها قرص مدمج.

أبناء الذوات الجدد

مساء الخميس المنصرم تسللنا لـ »سهرة خاصة« أقيمت في منزل بحي الملاح الشعبي
في غرفة فسيحة تنبعث منها رائحة رطوبة نفاذة جلس مراهقون يدخنون لفائف مخدر الحشيش بنهم، وانخرط شاب بوهيمي في العزف على آلة الغيتار مرافقي قدمني كصديق مغرم بالصويرة.

جرنا الحديث عن كناوة إلى موسيقى "الهارد روك" وفرقة "الكنزن روسز" و"ميتاليكا"الصاخبتين.

الشباب يدخنون ويثرثرون

عرفت أنهم أبناء شخصيات نافذة في مجال عملها في مدينتي الرباط والبيضاء، وفي حالة انتشاء متقدمة قال أحدهم جازما "بإمكاني أن أتحدث إلى بابا ويتدخل لسد الطريق على العائدين من البيضاء".

في غرفة نوم مجاورة دخلت شابة وعشيقها للنوم، وبعد ربع ساعة خرجت وتحدثت لأخيها الجالس جنبي طالبة منه أن يعد لها لفافة محترمة.

مرحبا بكم في النظام المشاعي الممزوج بالتحرر والميوعة الجديدة، رددت في داخلي وأنا أرنو لطاولة حشبية صغيرة نثرت فوقها علب سجائر وكمية من المخدرات وأوراق نقدية كثيرة.

الغرفة معتمة ومضيفونا أشعلوا شمعتين ترسلان ضوءا خافتا، بجانب أريكة جلدية قديمة أحذية رياضية فاخرة مرمية بإهمال، الشباب يدخنون بشراهة وينفثون سحب دخان كثيفة تشعر بالدوخة.

خرجنا تاركين عازف الغيتار مستمر في مداعبة الأوتار وبين الفينة والأخرى يهز رأسا أثقله المخدر ويرسل نظرات ذابلة حولنا.

صفقنا وراءنا باب منزل بسيط اكتراه الشباب مجهزا طيلة أيام المهرجان بـ 600 درهم لليوم الواحد، ولا يبعد عن شارع رئيسي كثيرا.

حدثني مرافقي عن أشياء لم أملك سوى تصديقها، قال إن 8 شباب من أصدقائه جاؤوا للصويرة بحثا عن متعة يجدونها في تدخين مخدر الحشيش وشم الكوكايين وممارسة الجنس، مشيرا إلى أنهم"يقضون نهارهم على هذا المنوال ويخرجوا ليلا كالخفافيش، حاملين كاميرات رقمية لتصوير الحفلات الموسيقية المقامة في ساحات المدينة ليعودوا إلى جحرهم من جديد".

في الصويرة التقينا جيلا جديدا من أبناء ميسوري المغرب الغارقين في المتع حد التخمة ممن يصرفون المال بسخاء ويعيشون اللحظة غير آبهين بما يخبؤه لهم الغد.

في طريقنا للفندق شممنا نسيم بحر وبجوار عمود كهربائي ثمة طيور نوارس مازالت تحلق ليلا مرسلة زعيقها الخاص.

سهرات الأوف المخملية

استغل المستشهرون المدعمون للدورة التاسعة أيام مهرجان كناوة لتحسين صورتهم لدى زبنائهم، وكانت أن علقت "بيبسي" أعلاما إشهارية بجانب فندق "سوفتيل" وكشكا لعرض المنتوجات ووزعت »سيدي علي" مياه معدنية بالمجان في بعض المواقع بالمدينة.

على هامش المهرجان نظمت "لقاءات خاصة" حضرها صحافيون أجانب، ورأى المسؤولون عن العلاقات العامة في المقاولات المغربية ومن الشركات »المتعددة الجنسيات« في إقامة مآدب فرصة لفتح حوارات وقضاء مصالح وترتيب لقاءات أخرى، وفتحت إحدى شركات الجعة »خمارة خاصة« بسطح إحدى دور الضيافة.

أما الفريق النسوي المسؤول عن قسم الاتصال بوكالة »آتروا كومينيكاسيون«، المنظمة للمهرجان، فقد نظم »سهرة خاصة« بعد حفل الاختتام في فندق جرى تدشينة حديثا.


المهم أن السهرات كانت وفيرة بعضها رسمي وأخرى خاصة وثالثة للأصدقاء ورابعة للضيوف الأجانب، في حين عيون رجال السلطة ظلت تراقب الجميع في مدينة صغيرة يكفي غرام من "الجاوي" لتبخيرها.

أولادباب اللهوالبحر

تكدسوا وراء المتاريس الحديدية المنصوبة أمام المنصات المخصصة للفرق الموسيقية المشاركة في مهرجان كناوة .

وبساحة الحسن الأول قرب الميناء ظلت السيول البشرية ترقص بتماه مع موسيقى كناوة
يصبح المشي في الساحة أمرا عسيراً بسبب الزحام وضيق المكان، لكن الناس تزحف إلى هنا غيرعابئة.

المكان يتحول إلى متاهة أما الهدوء فنادر، أندر من أسنان الدجاج.

إليكم الصورة

شباب يرقصون مشكلين سلسلة بالأيدي وشابات يتمايلن، بعضهن يقمن برقصات داعرة وأخريات اكتفين بالتصفيق.

بائع السجائر بالتقسيط يصيح حاثا الجمهور على الاقتناء، أروبيات يعانقن مغاربة، عشاق ملتصقين ببعضهم، سيارة "شرطة القرب" مركونة هناك، شباب أعياهم الرقص فجلسوا على الرصيف، مجموعات بشرية ترتدي قمصانا طبعت عليها صور مغني الريغي الجامايكي "بوب مارلي" والطبيب الثائر »تشي غيفارا«، وأخرى مزركشة بالألوان.

هنا وسط موجة الرقص الجماعي الصاخب تتحرر الذات و"يأخذ الحال" أصحابه ويبحث النشالون عن"جيب سهل" لسرقة نقود صاحبه.

عود على بدء

ضرب منظمو مهرجان كناوة موعدا للجمهور للقاء في الدورة العاشرة العام المقبل، معربين عن اعتقادهم بأن التظاهرة أضحت طفلا تجاوز عمره التسع سنوات بأيام قليلة
وبعد حفل اختتام المهرجان، مساء الأحد المنصرم، الذي غنى فيه الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية رشيد طه "يا رايح"وعبد القادر يا بوعلام .

بدأ الغرباء يتركون المدينة والمحطة الطرقية المتسخة مرافقها ضاقت بالمسافرين، وكان أن تدخلت السلطات المحلية لجلب حافلات شحن فيها زوار المهرجان القادمون من مختلف مدن المملكة.

بعد اختتام المهرجان خرج سكان المدينة يتمشون زرافات.

شاهدت نساء يرتدين »الحايك« إحداهن كانت طاعنة في السن فضلت الجلوس في ركن استراتيجي وظليل وعيناها تمسحان كل المارة حولها.

شباب يسوقون دراجات هوائية وغانيات وصيادون عائدون من الميناء برائحة سردين تسبقهم.

وسط المدينة أكوام أزبال ومتاجر صغيرة عرض أصحابها مشابك شعر وحصالات ومعدات مكتب مصنوعة من خشب العرعار.

ثمة حوانيت صغيرة بأبواب خشبية زرقاء نزولا لباب دكالة حمالون يدفعون أمامهم عربات محملة بالأمتعة، متجهين صوب المحطة الطرقية.

وراءنا عمال صيانة يفككون إحدى المنصات التي أقيمت لتقديم سهرة في مهرجان موغادور.

في طريق العودة للبيضاء في حافلة مهترئة، تذكرت صخب المهرجان ومنظر الغروب في الصقالة، العربي ابن المدينة وآخرين من الشياظمة وحاحا العاملين في النقش على خشب العرعار أو صياغة الحلي الفضية، عمال الميناء بسواعدهم يفرغون بطن باخرة عائدة بسمك وفير، طيور النورس وهي تحلق منخفضة في مدينة تخفي وراءها أسرارا صغيرة القليل من زوار مهرجان كناوة اكتشفها.

تذكرت فندق"سوفتيل" وأبناء الميسورين الذين يرقصون ليلا بجانب الدراويش والشحاذين والنشالين على إيقاع موسيقى ارتبطت تاريخيا بطبقة العبيد.




تابعونا على فيسبوك