منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش إلى اليوم كان على المغرب السياسي أن يعيش ردود فعل متباينة وأحيانا متناقضة تختلف بين محاولات إعادة تشكيل مكونات الحقل السياسي على أسس طبيعية.
وبالنتيجة إستراتيجية والتوجه نحو تأصيل قواعد جديدة للعمل السياسي.
وبين التوجهين يظهر أن طبيعة الفاعلين ما انفكت تهيمن على مضمون المسار السياسي المراهن عليها, إذ يجد المتتبع نفسه أمام مركزية المؤسسة الملكية من جهة, وصعوبة تموقع المكونات الحزبية خارج الإطار العام الذي وسم سلوكها منذ الحصول على الاستقلال, أي وضعية المطالبة وانتظار الإصلاح.
وفي خضم ذلك, لم يكن للمسار الدستوري أن يخرج عن لعبة التوازنات الكبرى, التي هيمنت على النظام السياسي المغربي, والتي حكمت عليه بنوع من الانسداد إن على صعيد التصور أو على مستوى ضبط قواعد العمل السياسي. فمنذ دستور 1962, يلمس المتتبع هذه الحلقة المتواصلة القائمة على ثنائية الفعل ورد الفعل بين المؤسسة الملكية من جهة, والأحزاب السياسية الفاعلة وخاصة ما يصطلح عليه بأحزاب الحركة الوطنية من جهة ثانية.
والواضح أن المسألة الدستورية ظلت على الأقل إلى غاية دستور 1996 مقياسا متعدد الأبعاد, لما يمكن وصفه بأزمة التراضي السياسي في المغرب, بدليل كثرة المراجعات الدستورية من الناحية الشكلية – من 1962 إلى 1970 إلى 1972 إلى 1992 , ثم 1996, وهيمنة سياق الأزمة ليس فقط على النص الدستوري, بل كذلك على مختلف ردود الفعل المشكلة إزاءه, وهو ما أدى إلى أزمة شرعية النص الدستوري, أي أزمة القبول به خاصة من طرف الأحزاب, التي كانت تمثل جسر الحركية السياسية في مغرب الاستقلال.
وظل المسار الدستوري – نصا وسياقا- ترجمة لطبيعة المكونات الحزبية المهيكلة للفضاء السياسي المغربي من خلال ثالوث يكاد يكون ثابتا تشكله الأحزاب الداعمة المرتبطة استراتيجيا – مبدئيا على الأقل – بالمؤسسة الملكية والأحزاب المطلبية الإصلاحية ( أو الواقعية), التي قادها لفترات طويلة حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية, ثم الأحزاب المطلبية الجذرية التي تؤمن بالإصلاح الشامل والجذري, دون أن ترسم واقعيا معالم تحقيقه.
واليوم تتجدد الرهانات ذاتها, انطلاقا من تغير طفيف في مواقع المكونات الحزبية خاصة بعد انتهاء عهد " حكومة التناوب التوافقي", والانخراط في مسار حكومي ائتلافي, إذ يجد المتتبع نفسه أمام زخم من المطالب والمطالب المضادة بشأن النص الدستوري في تناف موضوعي مع خطاب التراضي السياسي الذي كان عنوان المرحلة الممتدة من دستور 1996 إلى اليوم .
ولعل النتيجة السياسية التي تعلن على المستوى التحليلي, هي هيمنة المؤقت في تصور العمل السياسي بالمغرب, إذ ما كان يعتبر إصلاحا مركزيا بالأمس القريب, بات يشكل أساسا لتوجه مطلبي اليوم قصد تغييره جزئيا أو جذريا حسب طبيعة المكونات الحزبية ضمن تصور تجاوزي لا يحمل بين ثناياه معالم الرهان السياسي الاستراتيجي .
فالنص الدستوري موسوم بسيطرة بنيوية للملكية, انطلاقا من موقعها كفاعل مركزي داخل النسق السياسي المغربي, ليس فقط على الصعيد التدبيري بالمفهوم الضيق, بل كذلك على مستوى تحديد قواعد الممارسة السياسية لضبط آليات " الزمن السياسي المغربي", وهو ما قد يختزل تجاوزا في الفصل التاسع عشر من الدستور المؤسس لما يمكن وصفه بسلطة" التأويل الاستراتيجي", التي تجعل الملكية قادرة على التحكم في الفعل السياسي, انطلاقا ليس فقط من إنتاج أصوله ومسوغاته, بل كذلك من خلال التفاعل مع احتمالاته وانعكاساته, وهو ما يجعل الملكية حاضرة بشكل شامل في صناعة القرار الاستراتيجي, مقابل هامشية الحركة الحزبية كما تتجلى في منطوق النص الدستوري.
وإذا كان دستور 1996 قد حاول تجاوز وضعية انحصار الحركية الحزبية من خلال تعزيز المسؤولية الحكومية, وتقوية المؤسسة التشريعية, فإنه لم يبلور شروط تخطي المرحلة المطلبية, ولو في بعدها الإصلاحي, مما يفسر العودة مجددا إلى الخطاب المطلبي حتى داخل عدد من الأحزاب المشكلة لنواة الحكومة, بل وتجدد لعبة المواقع الحزبية بين الدعم والمطالبة بشقيها الإصلاحي والجذري انسجاما مع حجم وطبيعة الرهانات .
ويبدو أن تجدد المد المطلبي وتباين منطلقات التحول السياسي, لم يقترنا بخلق الشروط الموضوعية لسجال عمومي هادف حول المسألة الدستورية, وكأن الأمر لا يعدو كونه استشارة ضيقة بخصوص قرار "تكتيكي"، وهو ما قد يعيد إنتاج الحلقة المفرغة ذاتها القائمة على استمرار المؤقت وهيمنة الضبابية في تدبير المجال السياسي.
ولعل صدور قانون جديد للأحزاب في مستهل السنة الجارية, والنجاح نسبيا في تجاوز أزمة التشكيك في المسار الانتخابي, قد يسهمان في إعطاء المسألة الدستورية مدى تعبويا, يحولها من دائرة النقاش التقني السياسي الضيق إلى إطار أرحب هو مساءلة جوهر السلطة السياسية في المغرب, ومدى الاستعداد للانخراط في صيرورة سياسية تكون عنوانا لما يوصف بالعهد الجديد, وتلك مسألة أخرى..
*دكتور دولة في العلوم السياسية . أستاذ باحث