أكد خالد الناصري، عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، أن الإشكال في المغرب اليوم هو تأمين الانتقال الديمقراطي، وكذا المزيد من التربية الديمقراطية للمواطنين وللناخبين.
إضافة إلى قطع الطريق على المتلاعبين بأصوات الناخبين، من أجل إفراز خريطة سياسية جدية، وشفافة، تعكس فعلا اختيارات الكتلة الناخبة، ويكون نمط الاقتراع هذا مدخلا لإفراز خريطة سياسية ناجعة تسمح بإقامة مؤسسة حكومية منسجمة تستمر في نهج الإصلاحات .
وبخصوص المسألة الدستورية، قال المسؤول الحزبي إن الأطراف تتخذ موقعها انطلاقا من تصورها العام للمرحلة السياسية، وحدد خريطة هذه الأطراف في وجود صنف موقعه تقليدي محافظ، يميل بطبعه إلى عدم المطالبة بتغييرات جريئة، وهناك صنف ثان من يتعامل مع المسألة الدستورية، على أنها مدخل لتغييرات جذرية قد تمس في بعض الحالات بالتوافقات الأساسية، وهناك صنف ثالث مرجعيته ديمقراطية، لكنه يؤمن بأن الإصلاحات، التي تحتاجها البلاد، يجب أن تمر عبر توافقات أساسية، بين القوى الديمقراطية والمؤسسة الملكية، ليخلص إلى القول إنه يجد نفسه في هذا الصنف الثالث.
وفي موضوع نمط الاقتراع وما يطرح حاليا من جدل في الأوساط الحزبية، أكد خالد الناصري أن طريقة الاقتراع الأحادي الفردي المعتمد أكثر من أربعين سنة أصبح متجاوزا اليوم، باعتباره عبر عن مرحلة سياسية معينة، وأن الاقتراع باللائحة النسبية هو أقرب إلى الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
بخصوص هذا النقاش، الذي تدور معالمه في ما يهم المسألة الدستورية، يجب أن توضع الأمور في نصابها.
نحن لسنا في الوضعية التاريخية والسياسية، التي عمرت لأكثر من ثلاثين سنة، إذ كان النقاش الدستوري يتسم بنوع من الاحتدام، ونوع من التشنج، والكل يعلم أن الأطراف السياسية كانت تتخذ موقفها من الموضوع، انطلاقا من موقعها في الخريطة السياسية، المطبوعة حينها بنوع من عدم الاستقرار.
وكان مؤدى ذلك أن المغرب ظل يفتقد إلى الدستور التوافقي، منذ بداية عهد الدستور الحديث، أي منذ 1962 .
لقد ظلت أطراف المعادلة السياسية تتعامل مع القضية، انطلاقا من موقعها وعلاقتها مع الطرف الآخر إلى غاية 1992 .
وأعتقد شخصيا أن نقطة الفصل، يجب ضبطها من بداية التسعينيات أكثر من دستور 1992 .
من المعتاد في التحاليل السياسية أن نقول إن أول دستور توافقي، هو دستور 1996
وأظن أن دستور 1992 هو أقرب إلى الصواب من هذه الناحية، وكان أول دستور توافقي، والدليل على ذلك هو أن دستور 1996 ما هو إلا صورة طبق الأصل من دستور 1992، أضيفت إليه مسألة الغرفة الثانية وبعض التعديلات الطفيفة.
اليوم نعيد الكرة بخصوص المسألة الدستورية، والأطراف تتخذ موقعها انطلاقا من تصورها العام للمرحلة السياسية، هناك أطراف يمكن أن نقول إن موقعها التقليدي محافظ، وهي ميالة بطبعها إلى عدم المطالبة بتغييرات جريئة، وهناك صنف ثان من الأطراف يتعامل مع المسألة الدستورية، على أنها مدخل لتغييرات جذرية قد تمس في بعض الحالات بالتوافقات الأساسية، وهناك صنف ثالث من الأطراف مرجعيتها ديمقراطية، لكنها تؤمن في الوقت ذاته بأن الإصلاحات، التي تحتاجها البلاد، يجب أن تمر عبر توافقات أساسية بين القوى الديمقراطية والمؤسسة الملكية.
وشخصيا، لا أجد نفسي لا في الصنف الأول، ولا في الصنف الثاني، بل في الثالث
اعتمادا على هذا المدخل العام، هناك من يطرح بعض القضايا، عندما يطرح باب التعديل الدستوري، مثل موضوع هل نحن في حاجة إلى ملكية تسود ولا تحكم؟ أو في حاجة إلى ملكية تسود وتحكم؟ وهذا نقاش قد تكون له شرعيته من الناحية النظرية ومن ناحية العلوم السياسية، ومن ناحية القانون الدستوري المقارن، لا مانع في ذلك، لكن في العمق، أعتقد أنه موضوع لا يستحمل لا القراءة الطوباوية، ولا القراءة المجردة والنظرية، المنطلقة من منطلقات المقارنة المجردة.
وأنا لا أعتقد أن هذا المنطق يسمح بمقاربة الموضوع مقاربة جيدة، أظن أن المنطق الحقيقي هو الذي يتسم بما هو في حاجة إليه من المرجعية العلمية، هو القائم على النظر إلى المرحلة التاريخية التي نمر منها.
كثير من المحللين ينظرون إلى المسألة الدستورية على أنها ممارسة فكرية ممتعة في حد ذاتها ونظرية مائة في المائة .
أنا لا أعتقد ذلك، فأنا من الذين يعتبرون أن ما هو مطروح في الساحة اليوم في المغرب، هو أي دستور نحن في حاجة إليه ليصلح بقصد مواكبة المرحلة التاريخية التي نحن بصددها، أي مرحلة الانتقال الديمقراطي للذهاب إلى أبعد مدى والدخول توا إلى عهد الديمقراطية الناضجة.
هذا هو السؤال الكبير الذي يطرح بالمغرب، وبالتالي أنا لا أطرح الأسئلة المجردة، أنا أطرح سؤال أية مؤسسات لأي مرحلة تاريخية؟ وأعتقد أننا ما زلنا في حاجة إلى توافقات أساسية، أي أننا في حاجة إلى الذهاب بالمسلسل الديمقراطي إلى أبعد مدى، فنحن ما زلنا في حاجة إلى توسيع مجال الديمقراطية، وأعتقد جازما أننا في حاجة إلى تأمين الاستقرار الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي، وهذه مداخل أساسية أتعامل بها مع المسألة الدستورية، وتقودني إلى عدد من الخلاصات قد أعود إليها إذا كانت لديك رغبة في ذلك.
الخلاصة الأولى، أننا لسنا مطالبين في المرحلة التاريخية الحالية بمؤسسة ملكية تسود ولا تحكم، لأن السلطة يجب أن تؤول لمن هو مؤهل لتدبيرها تدبيرا ديمقراطيا، وللأسف الشديد أن الخريطة السياسية والاجتماعية المغربية اليوم في سنة 2006، لم تفرز بعد نظاما سوسيولوجيا يمكن من إفراز أغلبية منسجمة تكون قادرة على تأمين الاستمرار في الانتقال الديمقراطي.
وإذ أؤكد هذا، أعتقد، على النقيض من ذلك، أننا نتوفر على مؤسسة ملكية منخرطة في المسار الإصلاحي، وأنا أرتاح للمنحى الإصلاحي للمؤسسة الملكية .
وبالتالي ليست هناك حاجة إلى أن ننزع عن المؤسسة الملكية اختصاصاتها الأساسية، لكن هذا لا يعني أننا في حاجة إلى حكومة ضعيفة، فنحن في حاجة إلى مؤسسة ملكية تدبر ورش الإصلاحات الكبرى، وفي حاجة إلى ضبط العلاقات بين المؤسسة الملكية وبين الحكومة والبرلمان، في حاجة إلى إعطاء المزيد من المسؤولية للأغلبية البرلمانية، وفي حاجة إلى فتح المجال للحكومة لتمارس اختصاصاتها كاملة، من أجل المزيد من النجاعة الحكومية، وأعتقد أنه بالإمكان أن نصل إلى هذا دون أن نضعف لا المؤسسة الملكية ولا المؤسسة البرلمانية ولا المؤسسة الحكومية.
بخصوص نمط الاقتراع اليوم هناك مقاربات متباينة بين الأغلبية البرلمانية والمعارضة من جهة، وحتى داخل الأغلبية البرلمانية، وأرى أنه لا مانع أن يكون هناك نقاش يتسم بنوع من الفوضوية في بعض الأحيان، فنحن في حاجة إلى المزيد من تعميق الرؤية بخصوص أنجع طريقة اقتراع.
وفي هذا الصدد، لابد من تقديم توضيح منهجي، ليس هناك نمط اقتراع مثالي في حد ذاته، ونمط اقتراع سيء في حد ذاته، كل الأنماط الاقتراعية لها فائدتها إذا كانت مرجعيتها ديمقراطية، بطبيعة الحال، والمجال مفتوح للاجتهاد.
المعيار الأول في اعتقادي هو أن يكون نمط الاقتراع متجاوبا مع السوسيولوجية الاجتماعية والسياسية لبلد ما، في محطة ما من مساره التاريخي .
الإشكال في المغرب اليوم هو تأمين الانتقال الديمقراطي، المزيد من التربية الديمقراطية للمواطنين وللناخبين، قطع الطريق على المتلاعبين بأصوات الناخبين، من أجل إفراز خريطة سياسية جدية، وشفافة، تعكس فعلا الأحاسيس العميقة واختيارات الكتلة الناخبة، ويكون نمط الاقتراع هذا مدخلا لإفراز خريطة سياسية ناجعة تسمح بإقامة مؤسسة حكومية منسجمة تستمر في نهج الإصلاحات، أنا أختزل ما هو مطلوب في هذه الملاحظات الأولية.
وانطلاقا من ذلك، أعتقد أن طريقة الاقتراع الأحادي الفردي الذي اعتمدناه أكثر من أربعين سنة أصبح متجاوزا اليوم، لأنه كان مرتبطا بمرحلة سياسية معينة، ولأنه نمط يحث الناخبين على اختيار الأشخاص عوض البرامج والتوجهات السياسية، ونحن على العكس في حاجة إلى أن يختار المواطن النهج السياسي وليس الشخص، الشخص ما هو إلا خادم للنهج السياسي الذي يتبناه، وفي ذلك رفع لمستوى الأداء السياسي الديمقراطي في بلادنا .
وتأسيسا على هذه المقدمات أصل إلى خلاصة أساسية، هي أن طريقة الاقتراع باللائحة النسبية هي أقرب إلى الاستجابة لمتطلبات المرحلة، لأنها تجعل الناخبين يختارون البرامج السياسية، وكلما كان هناك حث الناخب على اختيار البرامج السياسية، كلما رفعنا مستواه السياسي، ولذلك فنحن في حاجة إلى التشبث بنمط الاقتراع الذي اعتمدناه في انتخابات سنة 2002، مع بعض التعديلات منها توسيع الدوائر، لأنه في الكثير من المناسبات خلال الانتخابات السابقة كانت الدوائر صغيرة ولا تفرز سوى مقعدين أو ثلاثة مقاعد، وفي ذلك نوع من التشويه لنمط الاقتراع اللائحي الذي يقتضي أن يقوم على انتقاء أربعة أو خمسة مقاعد.
أنا ألح على أن يأخذ التقسيم الجديد بعين الاعتبار ضرورة أن يكون الحد الأدنى للمقاعد المتبارى عليها أربعة أو خمسة، ويكون الحد الأقصى ستة أو سبعة مقاعد، وبهذا العدد من المقاعد سنجعل الناخبين يختارون فعلا البرامج السياسية.
وإضافة إلى هذه اللائحة، التي قد تكون لائحة إقليمية أو شبه إقليمية، أن تكون هناك لائحة وطنية تضم ثلث المقاعد البرلمانية، وأن يكون هناك التزام أخلاقي للأحزاب السياسية بأن يقدموا فيها رجلا وامرأة، الشيء الذي يسمح أن يكون لنا برلمان يتوفر في الحد الأدنى على 15 في المائة من النساء، عوض أقل من 10 في المائة كما هو الوضع حاليا، وسيكون في ذلك توجيه رسالة حضارية من لدن الديمقراطية، التي نبنيها في المغرب.
واعتقد أن الأساسي هو هذا التصور العام للمسألة الانتخابية، الذي سيسمح ببلورة خريطة سياسية غير مبلقنة وقريبة للواقع، أي أن تكون صورة وفية للواقع الاجتماعي والسياسي، وذلك ما يسمح لنا بالقول إننا نبني ديمقراطية لها مصداقيتها ويتجاوب معها المواطنون.