للمغرب دور مهم في نشر الثقافة العربية والإسلامية وفي حوار الحضارات، يجسد ذلك عدد من المراكز والمؤسسات اختصت في هذا الحوار.
اعتبارا للصعوبات، التي أصبحت تشوبه في الظروف الراهنة .
ولعل مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات أحد هذه المؤسسات، التي أخذت على عاتقها تذليل الصعاب أمام الحوار بين الإسلام والغرب، وتبديد المفاهيم الخاطئة، التي روت العلاقات الحضارية بين الشعوب.
مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الدكتور عبد الواحد أكمير، يبرز في هذا الحوار، أهمية الموضوع، وأهمية الدور، الذي يلعبه المركز في تشجيع الدراسات والأبحاث المتعلقة بجوانب الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وتشجيع الحوار بين الحضارات والثقافات، دعماً للتعايش بين الشعوب، وتعزيز أواصر التفاهم والتبادل خدمة للسلام
والدكتور عبد الواحد أكمير، أستاذ لمادة التاريخ ولمادة العلاقات المغربية الإسبانية بالجامعة المغربية (فاس والرباط)، ومهتم بعلاقة العالم العربي بأميركا اللاتينية، باحث خبير في شؤون الهجرة، وله عدة أبحاث ومشاريع علمية حول الأندلس وحول الجاليات العربية في دول أميركا اللاتينية، عضو أكاديمية أميركا الشمالية للغة الإسبانية، وحاصل على جائزة عبد الحميد شومان في العلوم الإنسانية لسنة 1998 .
ويرى أن دور الجامعة ضروري في إرساء بعض مضامين مشروع تحالف الحضارات، الذي تبنته إسبانيا وانضمت له أزيد من 20 دولة من بينها المغرب.
هذا المركز تأسس قبل 5 سنوات، بمبادرة من المثقفين والباحثين المغاربة والسعوديين، وهو مؤسسة غير حكومية له صفة منظمة دولية، حظي عند التأسيس برعاية جلالة الملك محمد السادس، والملك فهد بن عبد العزيز، كما حظي بدعم من طرف الأمير عبد العزيز بن فهد.
واليوم ما زال يحظى بدعم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز
أسس لغاية محددة هي التعريف بالتراث الحضاري الأندلسي، ولدعم مشروع حوار الحضارات.
في هذا السياق، نظم المركز مجموعة من الندوات واللقاءات العلمية، التي تتماشى وهذا التوجه، نذكر منها ندوة حول الحضارة الإسلامية في الأندلس و مظاهر التسامح والتي عرفت مشاركة حوالي 30 باحثا من مختلف البلدان ومتخصصين في الدراسات الأندلسية، من الغرب ومن العالم الإسلامي، وهي ندوة حاولت أن تناقش إشكالية محددة، وهي إلى أي حد يمكن الاستفادة من الأندلس كنموذج للحوار بين الثقافات وبين الحضارات، فدائما ما يثار بين المتخصصين جدل هو هل كان في الأندلس تعصب أو تعايش
في رأيي شخصيا، فالحديث عن الأندلس فقط كتسامح وكتعايش فيه الكثير من المثالية، وهذا اتجاه تتبناه مدرسة معينة تميل إلى الحنين والرومانسية أكثر من ميلها إلى الوقائع التاريخية.
والحديث عن الأندلس كواجهة للصراع والمواجهة، فيه أيضا نوع من الغلو.
لذا أقول إن قضية الأندلس عادت بعد أحداث 11 شتنبر، إلى الواجهة لكن، مع الأسف، ليس لأهداف بريئة وغايات علمية، بل عادت في كثير من الحالات ممزوجة بالإيديولوجية
وهذا موضوع يجعل القضية الأندلسية مسألة راهنة، إن كانت ماتت في الزمان، فهي لم تمت في الثقافة، سواء لدى الغربيين أو لدى العرب.
من أمثلة هذا التسخير غير البريء لقضية الأندلس، المحاضرة، التي ألقاها، في شهر شتنبر 2004 رئيس الحكومة الإسبانية السابق خوسي ماريا أثنار، في جامعة جورج تاون الأميركية، وقال فيها إن إسبانيا ابتليت بإرهاب القاعدة منذ القرن الثامن مع وصول المسلمين، وقارن بين طارق بن زياد وبن لادن، واعتبر أن الوجود العربي الإسلامي منذ 8 قرون لم يمثل أي حصيلة إيجابية بالنسبة إلى إسبانيا ولا لهويتها.
بطبيعة الحال هذا الكلام أثار ضجة كبيرة بين الباحثين المهتمين في العالم العربي والغرب كذلك، لأنه كلام إيديولوجي، حاول من خلاله أن يربط تفجيرات مدريد (التي كانت سببا في خسارة حزبه) وبين الفتح الإسلامي للأندلس.
كما أثار ضجة في أقلام الباحثين الإسبان خصوصا المستعربين، الذين فندوا ذلك جملة وتفصيلا، قبل أن يفنذه العرب، وبينوا أن الهوية الإسبانية هي هوية مرتبطة بالتراث العربي الإسلامي إلى حد كبير.
وأبرز ذلك خوسي لويس ثاباتيرو، الذي ألقى في اليوم نفسه، الذي خطب فيه أثنار في جامعة جورج تاون، كلمة إسبانيا في هيئة الأمم المتحدة، وكانت كلمة فريدة من نوعها، لأنها تناولت الحديث ليس عن حوار الحضارات في مقابل صدام الحضارات، بل عن تحالف الحضارات، وبيّن أن هذا التحالف ممكن جدا بين الإسلام والغرب كما بين أن الإرهاب، الذي يحاول بعض المتطرفين في الغرب ربطه بالإسلام أن هذا الإسلام هو أول من ابتلي به
وفي هذا السياق بدأنا الاتصال مع بعض الذين يتحدثون عن تحالف الحضارات في إسبانيا وعلى رأسهم مستشار ثاباثيرو الخاص في هذا المشروع، ماكسيمو كاخال، وهو في الحقيقة صاحب الفكرة، فدعوناه ليلقي محاضرة في المركز فكانت حول تحالف الحضارات ودور إسبانيا والمغرب.
إذن تلاحظين أن توجه المركز يصب إلى حد ما في إطار الميراث الحضاري الإسلامي، ولكن مع توظيفه من أجل محو الصورة السلبية وفي الوقت نفسه الرومانسية عن التراث الأندلسي سواء في المغرب أو في إسبانيا أو في الغرب بشكل عام .
فالصورة، التي كانت في البلاد العربية والتي مع الأسف ما زالت موجودة إلى حد كبير عن الأندلس هي صورة رومانسية تبتعد عن الواقع التاريخي، وفيها نوع من الألم
فحينما كنا مثلا نتكلم عن الأندلس في مدارسنا الثانوية أو الجامعية يتبادر إلى ذهننا فقط ذلك الفردوس المفقود وتلك الأرض، التي أضعناها وما كان يجب أن نفقدها .
أنا كأستاذ للتاريخ أرفض هذا الطرح، وأرى أن التاريخ يجب أن نتعامل معه كأحداث بدون عواطف، لأنها أحداث مرت عليها أكثر من 5 قرون، ويجب التعامل معها كحضارة نعتز بها لكن لا نبكي عليها.
وهذه هي النقطة الأساسية، التي نريد أن نصححها من خلال دور المركز، الذي سيعمل لهذه الغاية، على إصدار سلسلة خاصة أسميناها »عالم المعرفة الأندلسية«، وهي سلسلة ستتناول قضايا متعلقة بمختلف جوانب القضايا الأندلسية، التي لم يتم تدريسها، فهي لن تتناول الشعر والأدب، بل جوانب خاصة جدا مثل »العطور« و»الحلي« و»الطبخ« وغيرها.
كمواضيع لم تثر من قبل، يتكلف بها باحثون مغاربة وإسبان بطلب من المعهد، ونتوجه بها إلى جمهور عربي واسع، كما أن التوزيع سيكون في مختلف دول العالم العربي وليس المغرب فقط .
إذن، غايتنا تصحيح النظرة الموجودة في الكتابة التاريخية العربية على الأندلس، والآن نسعى إلى تصحيح النظرة بالنسبة إلى القارئ الإسباني.
ففي الكتابات ذات التوجه الرسمي على عهد الجنرال فرانكو، وعلى رأسها الكتاب المدرسي الإسباني لم تكن تستعمل كلمة الأندلس بل كلمة إسبانيا المسلمة بشكل مقصود، وهي إقصاء الثقافة العربية عن هذه الحضارة وبالتالي محاولة إعطائها طابع إسباني محض حتى أن هذه الكتابات حين تتكلم عن ابن رشد أو ابن حزم تقول الفليسوف الإسباني لكن، بعد مجيء الديمقراطية وبعد تأسيس العديد من الأقسام العربية بمختلف الجامعات الإسبانية وظهور باحثين من الشباب المتخصصين صححت هذه النظرة، خصوصا وأنهم تمكنوا من اكتشاف العديد من الوثائق والحفريات والآثار، التي سمحت لهم بكتابة التاريخ الأندلسي بنوع من المصداقية.
الكتاب المدرسي الإسباني استعمل أيضا، في إشارة إلى المسلم كلمة المورو وهي كلمة فيها شيء من التحقير.
لكن اليوم نجد أن من بين الأشياء، التي يثيرها مشروع تحالف الحضارات، الذي تبناه ثاباتيرو، تصحيح النظرة السلبية، التي توجد في الكتاب المدرسي الإسباني عن المسلم.
في الغرب، كذلك يعرف القليل جدا عن الأندلس، وهناك من يربطها بتلك الحكايات العجيبة لألف ليلة وليلة، وقد حدثت لنا طرائف هنا في المركز، حيث جاء عندنا فريق من إحدى القنوات الأميركية يبحث عن بعض العائلات من أصل أندلسي، التي لازالت تحتفظ بمفاتيح بيوتها في الأندلس على أمل أن يرجع أبناءها وأحفادها ذات يوم إلى هذه البيوت بعد أن طردوا منها ..فالفريق التلفزيوني جاء يبحث عن هذه العائلات، ورغم استحالتها لازال هناك من يؤمن بها، وهنا نعود إلى تلك النظرة الرومانسية، التي لازال يحملها البعض عن الأندلس.
المركز يعمل من خلال نشرة تصدر باللغة العربية والإسبانية والانجليزية على التوجه إلى الغرب والوصول إلى الجمهور البعيد بلغته لنبين موقف الحضارة العربية بشكل عام من الغرب ومن الأندلس، وهذا يدخل بطبيعة الحال في إطار حوار الحضارات، الذي نعي أنه يجب أن يكون مع الآخر ومن هذا المنطلق فإن الندوات، التي ننظمها حول حوار الحضارات بالخصوص لا تكون في المغرب، إذ نعمل مع مؤسسات لها مصداقية مثل معهد العالم العربي بباريس، الذي نظمنا به ندوتين حول الإسلام والغرب ولقيتا نجاحا كبيرا بمشاركة أسماء وازنة، وفي غرناطة أيضا حول قصر الحمراء الغاية منها مناقشة موضوع هذا القصر التاريخي، الذي يجسد هذا الحوار خير تجسيد باستقباله مختلف السياح والزوار من مختلف الثقافات والأجناس والحضارات.
ـ لإسبانيا نعم، وبشكل كبير، لكن لأميركا اللاتينية ما زال أمامنا الكثير من العمل
فبالنسبة إلى إسبانيا هناك القرب الجغرافي والماضي التاريخي اللذين لا يمكن نكرانهما، وهناك نقطة مهمة أثيرها هنا :
المجتمع الإسباني في علاقته بالمغرب منقسم إلى قسمين :
من يعرفون بـ "الماوروفيلوس" وهم من يحبون المغرب والمغاربة والثقافة العربية دون حدود، وهناك »الماوروفيبوس« وهؤلاء يكرهون ويحقدون ويحتقرون الثقافة العربية بدون حدود.
ولهذا، أقول إن مشروع تحالف الحضارات ومركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات و كذلك الجامعة والمستعربين الإسبان والباحثين المغاربة المهتمين باللغة الإسبانية مطالبين بالعمل الدؤوب للتقليل من نسبة هؤلاء الذين يحقدون على الثقافة العربية وعلى المغرب وهو حقد ناجم عن جهل بالأساس.
إذن فالحضور المغربي في إسبانيا موجود سلبيا وإيجابيا، وبالتالي فهو حضور لا ينبغي لأي طرف نكرانه أو تجاهله.
أما بالنسبة إلى دول أميركا اللاتينية، فهذه يفصلنا عنها المحيط الأطلسي، ونجد هناك تقدير وحب كبيرين لكل ما هو عربي.
وهذا لمسناه من خلال تعامل سكان هذه الدول مع العرب بشكل عام وللمغرب بشكل خاص.
لكن مع الأسف هذا التعامل والتقدير غير مسخر ليس فقط لصالح المغرب بل حتى بالنسبة إلى القضية الحيوية، التي هي القضية الفلسطينية.
فعرب أميركا اللاتينية لم يفعلوا شيئا من أجل هذه القضية، فقط لأن الحكومات العربية لا تبحث عن هذا العنصر العربي في دولته ولا تفتح معه أي حوار كما تفعل إسرائيل مع اليهود.
وهذا ما يجب أن نشتغل عليه، ففي أميركا اللاتينية مجال خصب لخدمة القضايا العربية، حتى بالنسبة إلينا نحن المغاربة من أجل قضية وحدتنا الترابية مثلا، ولنشر الثقافة المغربية والعربية.
وأعتقد أن قمة برازيليا كانت خطوة إيجابية في هذا الاتجاه، وأتمنى أن الدورة المقبلة لهذه القمة، التي ستعقد بالمغرب أن تشكل انطلاقة حقيقية للتعاون مع هذه البلدان، ولعل الزيارة التاريخية، التي قام جلالة الملك محمد السادس هذه السنة إلى عدد من هذه البلدان أعطت ثمارها وأمامنا اليوم الكثير من العمل لتعزيز هذا الحضور بشكل يخدم قضايانا الحقيقية.
لا أعتقد أن المشروع جاء بنية تعويض فكرة حوار الحضارات، ولا يجب ذلك فهما اتجاهين مختلفين فالمشروع طموح، ولحد الآن هو في بدايته ولتكتمل معالمه يلزمه على الأقل 5 سنوات.
وكما قلت سابقا، لي تقدير خاص لكل الذين يشتغلون على المشروع، وأظن أن الاختيار كان صائبا لكل الأشخاص سواء من حيث هويتهم أو من حيث أهميتهم العلمية.
لي علاقة صداقة مع أحد أعضاء المشروع وهو البروفيسور ماكسيمو كاخال، الذي ألقى المحاضرة بالمركز حول تحالف الحضارات، وقد استشفيت أن الإرادة السياسية موجودة، والخبراء لهم كامل الاستعداد للعمل، وتظافر الجهود ضروري، والدعم المادي كذلك ليتحقق النجاح للمشروع، والمركز ينوه بهذه المبادرة لأن أهدافه وتوجهاته، الذي تبناها منذ تأسيسه قبل 5 سنوات تصب في الاتجاه نفسه.
تعرفون أن الحضور المغربي في إفريقيا الغربية يبتدأ منذ القرن الحادي عشر مع المرابطين والمغاربة هم الذين أوصلوا الإسلام إلى تلك الديار .
هذا التواصل استمر على امتداد القرون الوسطى من خلال تجارة القوافل الصحراوية، التي لم تكن تحمل فقط البضائع والسلع بل كذلك الفكر .
فالفقهاء والعلماء كانوا ينتقلون باستمرار إلى تلك الديار لنشر الإسلام، وابن بطوطة تحدث في كتبه عن وجود جالية مغربية في تومبوكتو، في القرن الرابع عشر
أما الجالية المغربية الموجودة في الوقت الحاضر فقد بدأت هجرتها في نهاية القرن التاسع عشر وكانت بالخصوص من مدينة فاس حيث مهرة التجار، الذين وصلوا أوروبا وإفريقيا الغربية.
فكانت البداية في السينغال حيث استقروا بمدينة سان لويس.
في تلك المرحلة من حوالي سنة 1880، مدت خطوط السكك الحديدية إلى مدينتي داكار وباماكو بمالي، وهنا بدأ التجار الفاسيون يصلون إلى باماكو وتومبوكتو وإلى داكار، التي بها أهم ميناء في إفريقيا الغربية، فهؤلاء التجار الفاسيون تحولوا بسرعة إلى بورجوازية تجارية كانت السلع، التي تروجها هي تلك، التي تأتي بها من المغرب، مثل سلع الصناعة التقليدية (البلغة والجلباب والبراد)، التي كانت تجد إقبالا كبيرا، وكلنا نعلم أن شارع محمد الخامس الموجود في داكار هو شارع مغربي محض.
أيضا تعلمون أن مسلمي السينغال هم متدينون جدا وجزء كبير منهم هم أتباع الطريقة التيجانية وعليهم بالضرورة أن يزوروا، وهم في طريقهم إلى الحج، ضريح مؤسس الزاوية التيجانية بفاس حتى يكتمل حجهم، وبعضهم كان يعتقد أن تأدية الصلوات بالجلباب المغربي فيها ثواب أكبر.
ومن هنا كان الإقبال على الجلباب المغربي كبير، أيضا يمكنني أن أؤكد أن السينغاليين كانوا ومازالوا يحبون المغاربة بشكل لا يتصور، ولا يفوقه حبهم لأي بلد آخر.
فهذا الارتباط الروحي يجب كذلك أن نستفيد منه لأن هناك تعلق تاريخي وهناك اعتزاز بان الإسلام دخل هذه الديار عن طريق المغرب وفي الوقت الحاضر هناك جالية لها حضور اقتصادي جيد، وإن كان هذا الحضور عرف بعض التراجع في السنوات الأخيرة في الكوت ديفوار بسبب الأحداث المأساوية وعدم الاستقرار السياسي، الذي يعيشه هذا البلد، لكن لا يسعني إلا أن أنوه بهذه الجالية وبالسمعة، التي تخلفها هناك والتي بفضلها يتكرس الحضور الإيجابي للمغرب في هذه البلدان.