قال عبد الله حارسي أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس إن الدستور في وضعه الحالي لا يطرح أي مشكلة بالنسبة للمغرب بل المشكلة الأساسية تتعلق بتطبيقه وممارسته على أرض الواقع من قبل الفرقاء السياسيين.
ويقترح حارسي في هذا السياق إبقاء الدستور في صيغته الحالية مع تطوير الممارسة بشكل مرن للرقي بالعمل السياسي.
وأضاف حارسي الذي كان يتحدث في حوار مع »الصحراء المغربية« إن الأحزاب السياسية طرف أساسي في العملية السياسية وهي التي تحتاج أكثر إلى التطوير، حتى تتمكن بنفسها من تطبيق الدستور والبنود التي تطالب بتعديلها.
ويرهن حارسي مسألة الحصول على دستور ديموقراطي، بوجود أحزاب قوية وذات مصداقية وأيضا مواطنين مقتنعين بجدوى المشاركة السياسية.
لو أردنا أن نقوم بقراءة للمشهد السياسي الحالي، هل تتوقعون أنتم كمتخصص ومتتبع أن يقع تعديل الدستور قبل الانتخابات التشريعية لـ 2007 ؟
ويربط أستاذ القانون العام إمكانية إجراء تعديلات على الدستور الحالي بمضمون التعديلات، ويشير في هذا السياق إلى أن الكثير من الأحزاب تركز على مسألة توسيع اختصاصات وصلاحيات الوزير الأول في حين أن نفس هذه الأحزاب أثبتت عبر الانتخابات السابقة أنها غير قادرة على الحصول على أغلبية منسجمة وقوية تخول الاختيار المباشر للوزير الأول من داخل هذه الأغلبية، وهو ما يدفع بالتالي إلى اللجوء إلى التحكيم الملكي
وبخصوص الاتجاه العام الذي قد يسير فيه التعديل المرتقب، يقول حارسي إن الفصل 19 لا يطرح أي مشكلة لأنه يخول للملك صلاحيات لا تختلف كثيرا عن تلك المخولة لرؤساء جمهوريات في أوربا كما أنه لا يصدر قرارات تنظيمية أو إدارية
والإدارة موضوعة رهن إشارة الحكومة وهي المسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان وعليها أن تتحمل مسؤوليتها عندما يتم تعيينها
كما استحسن إلغاء الغرفة الثانية لأنها لم تستطع القيام بالمهام التي أحدثت من أجلها وتعويضها بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي
وبخصوص مطلب إصلاح القضاء، قال حارسي إن المبدأ العام يقول باستقلال القضاء عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، والمطلوب هو مراجعة النصوص التشريعية التي ستطبق هذه القاعدة
٭ هل برأيكم الساحة السياسية الوطنية مهيأة اليوم لإجراء إصلاحات دستورية، وهل تتوفر الشروط الموضوعية لإجراء هذه التعديلات؟
- في البدء لابد من إبداء ملاحظة بخصوص ما يصطلح عليه بـ "الإصلاحات الدستورية " ، وهي أن المطالبة بمراجعة الدستور أصبحت تتكرر مع اقتراب كل انتخابات تشريعية وأصبح البعض يطالب بتعديل بعض الفصول التي لم تعدل في وقت سابق بناء على مطالب محددة مرتبطة بكل تيار سياسي على حدة.
شخصيا أرى أننا في هذ الموضوع بالذات يجب أن نبدأ من البداية، وهي الإجابة عن سؤال " أي دستور نريد ولأي واقع؟ ".
في هذا السياق يجب أن نستحضر تجارب بعض الدول التي لا تتوفر على دستور مكتوب وإنما على دستور عرفي وتعتبر من أكثر الدول عراقة في مجال الممارسة والفعل الديموقراطي.
في حين لدينا نحن دستور مكتوب ونطالب بتعديله، إذن فالمسألة ليست مسألة نصوص بل هي مسألة أعراف وتقاليد وممارسات، وأن يكون هناك اقتناع حاسم بهذه الأعراف والتقاليد وأن تطبق من طرف الجميع وأن تكون مقبولة من الكل.
إذا تعديل النص لا يعدو أن يكون إصدار قاعدة جديدة ليس من الضروري أن تطور الواقع
وللتوضيح، فهناك طريقتان للتفكير في هذا الموضوع فإما أن ننتظر أن يتطور الواقع السياسي ونقنن هذا الواقع بنصوص، أو نصدر نصوصا لتطوير الواقع وهذه المقاربة الثانية هي التي يأخذ بها المطالبون اليوم بتغيير الدستور في المغرب أي تطوير الواقع وتوسيع الحريات وتركيز مكانة الوزير الأول وإعادة توزيع اختصاصاته بواسطة النصوص.
برأيي ليس هذا هو الحل الناجع وإنما الحل هو أن يبقى الدستور في صيغته الحالية مع تطوير الممارسة وتطبيق الدستور بشكل مرن بهدف الوصول إلى الغايات المطلوبة.
ـ النصوص ضرورية، ولكن ليس فقط النصوص الدستورية، لأن العملية الديموقراطية ليست محصورة في نص واحد وإنما تتعلق بباقي القوانين المؤطرة للعمل السياسي وكذلك الفاعلين في هذا الحقل.
النص الدستوري يضع مجموعة من القواعد التي تسمح للفاعلين السياسيين بممارسة السلطة وفق قواعد محددة، وطريقة الوصول إلى السلطة.
لكن الأحزاب السياسية طرف أساسي للرقي بالعمل السياسي وهي التي تحتاج إلى تطوير عملها، حتى تتمكن بنفسها من تطبيق الدستور والبنود التي تطالب بتعديلها، ولا ننسى كذلك الرأي العام والمواطن والعملية الانتخابية برمتها.
حتى حين نطالب بدستور ديموقراطي، فالحصول عليه يجري بواسطة الانتخابات والمشاورات وهو ما يحتاج أيضا إلى أحزاب قوية وذات مصداقية ومؤمنة بالديموقراطية ويحتاج أيضا إلى مواطن مقتنع بالمشاركة السياسية، وهي كلها مسائل يجب النظر إليها قبل الحديث عن تقويض سلطة معينة أو استقلال القضاء.
ـ ما يقع في مثل هذه الحالات وبالتحديد في حالة قانون الأحزاب هو أن القوانين توضع، ثلما يجري حاليا في مدونة الانتخابات، من قبل الأحزاب الممثلة في الحكومة، وهي التي تهيئها وتقدمها وتضع قواعدها، بحسب الغاية التي تريد الوصول إليها.
والملاحظ أن الأحزاب التي وضعت النص الحالي تبنت مجموعة من القوانين التي تنادي بالديموقراطية والرقي بالعمل الحزبي لكنها تركتها فضفاضة بالنسبة لنقاط مهمة تتعلق بالمشاركة النسائية ومشاركة الشباب في الأجهزة القيادية، وهو ما يفسر على أنه لا يوجد اقتناع لدى هذه الأحزاب بهذه الأسس الديموقراطية رغم وجود النصوص.
كذلك الأمر بالنسبة لتعديلات مدونة الانتخابات وهي مرتبطة أيضا بالأحزاب، ونحن الآن نلاحظ أن النتيجة التي وصل إليها الحوار هي إبقاء الأمور على ما هي عليه وهو ما أثار غضب الكثير من الأطراف، مع العلم أن هذه قوانين سياسية مهمة جدا كان يجب أن لا تناقش فقط في المؤسسة التشريعية ولكن أن تكون محل مناقشة من طرف الرأي العام بأكمله.
ـ برأيي الأمر مرتبط بمضمون التعديلات، حسب علمي التعديلات الأساسية التي كانت تطالب بها بعض الأحزاب وحتى بعض الجمعيات السياسية، هي تقوية اختصاصات السلطة التنفيذية، وجعل الوزير الأول وأعضاء الحكومة مسؤولين أمام البرلمان بصفة حقيقية.
وبالنسبة لهذه النقطة بالذات أي اختيار الوزير الأول من الأغلبية، الملاحظ، وللأسف أن أحزابنا لا تتوصل بعد كل عملية انتخابية إلى أغلبية مريحة، وتبدأ التحالفات غير الطبيعية مباشرة بعد الانتخابات، ونجد أحزابا محسوبة على اليسار تتحالف مع أحزاب يمينية، أو أحزاب اشتراكية مع أخرى كانت هي نفسها تعتبرها إدارية في السابق، وهو ما حدث مع الحكومة الحالية ومع حكومة عبد الرحمن اليوسفي بحيث رأينا تحالفات بغرض جمع العدد الحسابي الذي يسمح بالحصول على الأغلبية المطلقة حتى يكون سندا لحكومة تعين من تلك الأغلبية ويكون الوزير الأول من داخلها.
ولعب نمط الاقتراع إلى حد الآن دورا أساسيا في هذه المسألة، فنمط الاقتراع باللائحة
أو حتى الاقتراع السابق الذي كان بالفردي والأغلبية لم يسمح لأي قوة سياسية بالبروز كقوة تتوفر على العدد الكافي للحصول على منصب الوزير الأول، لذلك يبقى الاختيار بيد الملك بحسب الظروف.
٭ قلتم إن التعديلات ستكون بحسب مضمونها، هناك اليوم تياران الأول يتحدث عن تعديلات عميقة في الدستور ويطالب بصياغة دستور يهيئ لسيرالمغرب وفق نظام الملكية البرلمانية، وآخر يتحدث عن تعديلات إجرائية وتدبيرية إن صح التعبير مثل توسيع اختصاصات الوزير الأول وإلغاء أو تحسين أداء الغرفة الثانية وإصلاح القضاء وإعطاء ضمانات لتطبيق حقوق الإنسان. ما هو برأيكم الاتجاه الذي سيصير فيه التعديل؟
ـ لنتناول كل نقطة على حدة، أنا حين أقرأ الفصل 19 من الدستور، الاختصاصات التي أجدها ممنوحة من خلال هذا الفصل للملك، لا تختلف عن الاختصاصات المخولة لرؤساء دول وجمهوريات أخرى في أوروبا
ـ أقول جمهوريات وليس ملكيات. لنتساءل أولا عن كنه الفصل 19 الذي يثير الكثير من الجدل، هذا الفصل يعطي للملك حق التدخل في المجال التنفيذي.
نحن لدينا نظام شبه رئاسي إن قارناه بالنظام الفرنسي، حيث أن الملك يمثل الأمة ويعتبر ممثلها الأسمى وضامن وحدتها، وهي مسألة توجد في الأنظمة الرئاسية الأخرى والفرنسي من ضمن هذه الأنظمة، والملك أيضا يعين الحكومة وبقية الموظفين السامين ويترأس المجلس الوزاري وهذه كلها اختصاصات مرتبطة بمكانته في الفصل 19 الذي يعطيه صفة حامي الحقوق والحريات، وقد يعطيه نظرا للصبغة التاريخية للملكية بالمغرب دورا دينيا للحفاظ على الوحدة المذهبية للإسلام داخل البلاد.
وإذا ما حللنا الدستور من الناحية القانونية لا نجد أن الملك يتوفر على سلطات تنفيذية مباشرة، فالملك لا يصدر قرارات تنظيمية أو إدارية.
الإدارة كما ينص على ذلك الدستور موضوعة رهن إشارة الحكومة وهي مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان وعليها أن تتحمل مسؤوليتها عندما يتم تعيينها.
ـ أعتبر هذا المطلب معقولا لأن الغرفة الثانية كانت إبان إحداثها جوابا عن المطالبة بالثلث الذي كان ينتخب في مجلس النواب بصفة غير مباشرة، فأحدثت للحفاظ على نوع من التوزان في فترة معينة.
وفي ذلك الوقت قيل إنها ستحسن من صياغة القوانين وتمكن من التريث في دراسة القوانين وإعطاء الفرصة لأطراف أخرى فاعلة في المجتمع من أجل التدخل في العملية التشريعية. لكن ذلك لم يكن صحيحا بل إنها أصبحت عبئا على المؤسسة التشريعية وعلى ميزانية الدولة.
الآن بعدما لعبت هذه الغرفة دورها السياسي واستنفذ هذا الدور يمكن حذفها وتعويضها بهيأة أخرى منصوص عليها في الدستور ولم تحدث إلى يومنا هذا ويمكنها أن تلعب الدور المماثل لمجلس المسشارين وتمثل المصالح المهنية والفئوية وهي "المجلس الاقتصادي والاجتماعي"التي لم يصدرالقانون التنظيمي الخاص به إلى يومنا هذا.
ـ مجالس الشيوخ عموما يختار أعضاؤها بالتعيين، وكما نعرف فمجالس الشيوخ توجد في الدول ذات النظام الفيدرالي، حيث يمثل المجلس الدويلات المكونة للفيدرالية، ولا يتناسب ذلك مع النظام المغربي، وبالتالي سيكون مجلس الشيوخ اختيارا تشريعيا لا علاقة له بتاريخ المغرب.
كما أن مجلس الشيوخ في بعض الدول يمثل بعض الفئات والطبقات التي كانت موجودة تاريخيا ولعبت دورا سياسيا في البلاد وهو نتاج لتاريخ وصيرورة معينة وسيكون مؤسسة هجينة بالنسبة لنظام وتاريخ المغرب.
ـ بالنسبة لمطلب استقلال القضاء فهو منصوص عليه في الدستور ويجب أن نذكر في هذا الصدد أن الدستور لا يمكنه أن يفصل في هذه المسألة وقد يترك الأمر لقانون تنظيمي يمكن أن يفصل في بعض المبادئ.
المبدأ العام يقول إن القضاء مستقل عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهذه قاعدة دستورية ثابتة إلا أن النصوص التشريعية التي ستطبق هذه القاعدة هي التي يجب أن تراجع وأن يعمل الأطراف الذين يطالبون بإصلاح القضاء على طرح اقتراحات في إطارها
وبالتالي فالقوانين المؤطرة للنظام الأساسي للقضاة وطريقة تسيير العدالة هي التي يمكن أن تتضمن القواعد التطبيقية.
أما بالنسبة لتوسيع ميدان التشريع أنا لا أفهم هذا المطلب، فنحن عندما نطرح الدستور، فهو يطبق ما يسمى بـ "العقلنة البرلمانية"أي أنه يحصر مجال التشريع في لائحة محددة في الفصل 46، لكن عندما نقرأ الباب الأول الذي يتعلق بالمبادئ العامة والحقوق الأساسية والمادة 46، نجد أن البرلمان يمكنه أن يتدخل في أي موضوع وأن مجال التنظيم الذي يسمى بـ "التنظيم المستقل"الذي يصدره الوزير الأول على شكل مراسم لا يدخل في مجال القانون وهو مجال ضعيف جدا في الواقع.
إذن هناك نوع من الخلط في هذه المسألة عندما نرى لائحة نقول إنها محددة ولكن ننسى أن هناك فصولا أخرى تعطي للمشرع حق التدخل في مجالات متعددة منها الحقوق والحريات الأساسية وكذلك في الميادين الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ـ التعديل الدستوري في المغرب، خاضع لمسطرة قانونية منصوص عليها، مضمونها أن جلالة الملك هو الذي يقدم في نهاية المطاف النص الذي سيصادق عليه ويعرضه على الاستفتاء، ولكن التهيئ لهذا التعديل في مراحل سابقة تم بأشكال مختلفة، وغالبا ما كانت أشكالا تفاوضية، وبناء على مطالب تصدر عن الأحزاب ومشاورات قد تأخذ وقتا طويلا، لكن دائما ما كانت تجري هذه المفاوضات وتقدم هذه الأحزاب مذكراتها، قد يستقبل ممثلوها من قبل جلالة الملك أو مستشاريه، ويكون الحوار هو السبيل إلى إقرار التعديلات الدستورية.
برأيي يجب أن تطور هذه الصيغة التشاورية وأن تؤخذ بعين الاعتبار مطالب المجتمع المدني والجمعيات الفاعلة في المجتمع وليس فقط الأحزاب السياسية.