طرحت منذ بداية العقد الجاري، أكثر من أي وقت، مسألة الإصلاح الدستوري إلى إحدى واجهة اهتمامات المجتمع السياسي في المغرب.
وما زاد من جدية الطرح أن الإصلاحات الجارية في مسارات عدة، سيما لتأهيل الجوانب التشريعية والاقتصادية والاجتماعية، تبقى محدودة الآثار، لارتباطها، من ناحية، بضرورة إجراء إصلاحات شاملة وجوهرية تهم كل المجالات، والسلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومن ناحية ثانية بالتطورات التي تشهدها القضية الوطنية الأولى : الصحراء المغربية، المقبلة على خطة حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية، وكذا بضرورة الإرتقاء بالخيار الجهوي من ناحية ثالثة.
تختلف رؤية الأحزاب السياسية تجاه المسألة الدستورية باختلاف المواقع، إلا أن القضية بالنسبة إلى بعض الحساسيات ضرورة لا مناص من القيام بها وتكريسها في الواقع حالا، من أجل الإسراع بوتيرة الإصلاحات، بينما تشكل بالنسبة إلى البعض الآخر غير مستعجلة ولا تخلو من " مزايدات " خاصة مع اقتراب موعد الإنتخابات العامة.
الإتحاد الدستور لا يرى ضرورة طرح قضية الإصلاح الدستوري في قائمة الإهتمامات في الوقت الراهن، أي قبل الإنتخابات، نظرا إلى ارتباطها بالعملية السياسية، بينما يرى أن مسائل أخرى أكثر إلحاحا بالنسبة إلى الشعب المغربي، يتعين إيلاؤها بالغ الإهتمام، وخاصة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارات.
في هذا الصدد أوضح محمد علي الحسني، عضو المكتب السياسي، في تصريحات لـ " الصحراء المغربية"أن الاتحاد الدستوري "يؤمن إيمانا راسخا بأهمية الدستور وقراءته قراءة صحيحة، وهو يؤمن أيضا بأن الدستور ليس كتابا منزلا، إنما هو نص من صنع البشر، ويمكن أن يعتريه نقص، ولذلك فهو يخضع من حين إلى آخر لقراءة جديدة، وتحيين وإصلاح حسب الظروف والمعطيات، وحسب الإمكانيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد".
ويشدد الحسني على أن اصلاح الدستور ليس حكرا على أحد، إنما هي مسألة تهم الشعب بكامله، وبعدما ذكر بأول مشروع دستوري طرح عام 1908 في أول محاولة قامت بها النخبة السياسية آنذاك، أكد أن المؤسسة الملكية كانت على رأس المؤسسات الداعية إلى تنظيم الحكم في البلاد، ووضع دستور ينظم شؤون الأمة، "اقتناعا منها بأن نظام الملكية الدستورية الديموقراطية والإجتماعية هو أفضل نظام للحكم في المغرب".
وذكر أن مسألة إصلاح الدستور واكبت التطورات التاريخية والسياسية في المغرب، وكان عام 1962 قد شهد ميلاد أول نص دستوري في البلاد. وكانت، في اعتقاده، بداية جيدة
ثم جاءت حالة الاستثناء, فدستور 1970 ثم دستور 1972 والتعديلان الدستوريان لعامي 1992 و 1996، والدستور الحالي، في نظره، دستور جيد، مستدلا في ذلك بأن جميع القوى السياسية تقريبا طالبت الشعب المغربي بالمصادقة عليه .
وقال "بطبيعة الحال، انطلاقا من التجربة والتطبيق من الملاحظ أن بعض البنوذ تحتاج إلى ترميم واصلاح.
وأعتقد أن إعادة النظر في اختصاصات الغرفة الثانية للبرلمان ـ مجلس المستشارين ـ ضرورة ملحة, إذ الممارسة أظهرت أن هذه الغرفة يمكن في بعض الأحيان أن تعطل اصدار النصوص والعمل التشريعي، فليس منطقيا اعطاء الغرفة الثانية السلطات ذاتها المخولة للغرفة الأولى ـ مجلس النواب ـ .
وبينت الممارسة التشريعية أنه ليس من المفيد أن تتوفر الغرفتان على نفس السلطات, وهي التشريع وامكانية إسقاط الحكومة أو توجيه إنذار لها إلخ.
أنا أقول إن إصلاح الدستور في هذا الباب بالذات يجب أن يستغرق مسألة الإختصاصات"
وفي معرض رده على سؤال يتعلق بدعوة البعض إلغاء الغرفة الثانية بتاتا، قال عضو المكتب السياسي للإتحاد الدستوري إنه ليس في مصلحة المغرب على الإطلاق القيام بهذا الإجراء. مبررا ذلك بأن طبيعة تركيبة الغرفة الثانية تمثيلها الجماعات المحلية والغرف المهنية وممثلي المأجورين، أي المجالات الترابية والقوى الاقتصادية والاجتماعية، وقال في هذا الصدد إنه رغم وجود المجلس الاقتصادي والاجتماعي، كما نص عليه الدستور، إلا أن ذلك لا يبرر الغاء الغرفة الثانية، لأنها تضطلع بدور الحكم، كما هو موجود في الديموقراطيات العريقة كفرنسا واسبانيا وإيطاليا.
لكن إختصاصات مجالس الشيوخ في هذه البلدان تختلف عن اختصاصات الغرف الأولى فيها، ليكون دورها دور المهدئ والحكيم .
وحول استعجالية المسالة الدستورية قال الحسني إن الاتحاد الدستوري لايرى أن المسالة تكتسي أهمية مستعجلة، في مقابل الأهمية الإستعجالية التي يجب أن توجه للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وقال "يجب ألا نخطئ الطريق, بخلق حوار حول الدستور لنضيع الوقت والجهد والإمكانيات"، وتساءل : لماذا هذا المطلب، أي تعديل الدستور مثل مطلب تغيير مدونة الانتخابات، كلما اقتربت الانتخابات؟ .
مضيفا : يجب الا نربط الدستور بالانتخابات، ويجب إبعاد أي إصلاح دستوري عن أي مناورة سياسية، وأي سياسة سياسوية، لان العملية الانتخابية هي عملية صراعات واحتكاك بين الحساسيات السياسية، بينما الدستور هو للجميع,، وإصلاحه ينبغي أن ينطلق من توافق بين جميع مكونات المجتمع السياسي، من ناحية وبين المؤسسة الملكية من ناحية ثانية.
وتابع : إذا كان لا بد من فتح قضية الاصلاح الدستوري فينبغي أن ندرجها في جدول الأعمال بعد الإنتخابات، وبعد الجلوس للتفاوض والتشاور من أجل بلورة نص دستوري جديد وجيد، إنطلاقا من الحاجيات والتطورات السياسية والإقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة.
وأوضح عضو المكتب السياسي قائلا إن فئة تبرر الدعوة بالقول "إن الوزير الأول ليست له السلطات الكافية لممارسة صلاحياته الدستورية، ونحن نقول إن الدستور الجاري العمل به حاليا يخول للوزير الأول ما يكفي من السلطات للقيام بواجباته، ولكن المسألة المطروحة تكمن في كيفية تفعيل بنوذ الدستور".
وفي هذا الصدد "يتعين على أي وزير أول كان أن يكون شخصية ملمة بكل صغيرة وكبيرة، ويتوفر على الشجاعة الكافية بتفعيل بنوذ الدستور، فهو يعد رئيسا للإدارة وينسق بين دواليبها, وهو الذي يخطط ويقترح على مجلس الحكومة المشاريع والخطط والمشاريع، ولكن ذلك لا يعني أننا ضد توسيع الصلاحيات الموكولة إلى مؤسسة الوزير الاول، كما هو الحال بالنسبة إلى البرلمان أو غيرها من المؤسسات".
وشدد محمد علي الحسني على أن المسألة التي يتعين الحرص عليها هي الحيلولة دون السير في مسار خاطئ، وقال إن "إصلاح الدستور يجب ألا يتوجه ضد المؤسسة الملكية، والتقليل من سلطات الملك"، وذكر بأنه "يمكن أن نوسع السلطات لصالح البرلمان ومؤسسة الوزير الأول والحكومة ولكن يجب الاحتفاظ بالسلطات المخولة إلى المؤسسة الملكية، وفق ما ينص عليه الفصل 19 من الدستور .
فهذا الفصل يعطي للملك سلطات لصيانة الوحدة الترابية، وحماية وحدة الشعب المغربي، وحماية الدين الإسلامي، وحماية المؤسسات والمصالح العامة، وبصيغة أخرى حماية استمرارية الدولة".
وخلص إلى القول إن الإهتمام الذي يتعين وضعه في الواجهة هي مسألة تفعيل بنوذ وميكانيزمات الدستور، وهي، في نظره قضية مرتبطة بشخص الوزير الأول والأحزاب التي تمثل الأغلبية، "أما القول إن الوزير الأول لا يتوفر على ما يكفي من الصلاحيات، فإن الأمر لا يعدو أن يكون مناورة وهروبا من الحساب".