في سياق التاريخ السياسي والثقافي للمغرب تحتل المؤسسة الملكية موقعا محوريا في النظام السياسي وفي مجمل التشكيلة السياسية والاجتماعية، كفاعل رئيسي، ليس فقط على مستوى الممارسة المباشرة للحكم بل كذلك من خلال تنظيم العلاقات وإعادة إنتاج القيم وتجدد.
فضلا عن المكانة التقليدية للملكية من زاوية المشروعية التاريخية والدينية، فإن دورها تقوى في فترة الحماية الفرنسية بقيادة معركة التحرر مع الحركة الوطنية، ثم تكرس دستوريا مع بداية الاستقلال بأن أصبحت للملك سلطات واسعة كرئيس للدولة وأمير للمومنين.
فعلى المستوى السياسي والرمزي، الملكية هي المؤسسة التي تتوحد حولها الأمة وتضمن وحدة البلاد واستقلالها وتوحد الشعب بمختلف تياراته السياسية وانتماءاته الاجتماعية والثقافية والإثنية، وتشكلت هذه العلاقة في المغرب ككيان سياسي موحد ومستقل، وتعرضت لاختبار اجتازته بنجاح في فترات صعبة كما حصل خلال معركة التحرير بالتوافق بين العرش والحركة الوطنية لتبدأ مرحلة الاستقال التي تميزت ببناء الدولة العصرية القائمة على المؤسسات، بوضع أول دستور للبلاد وإجراء انتخابات عامة وتشكيل برلمان بصلاحيات تشريعية.
إلا أن ذلك التوافق سرعان ما تعرض للاختبار في مطلع مرحلة الاستقلال، مع الجدل الذي رافق إقرار أول دستور، عام 1963، إذ اعتبرته المعارضة آنذاك " ممنوحا"، مطالبة بإنشاء "مجلس تأسيسي " يتولى صياغة دستور بديل، ليبدأ مسلسل صراعات وتجاذبات بين السلطة والحركة الوطنية من منطلق الخلاف حول طريقة بناء الدولة الحديثة، أدخلت البلاد في مرحلة ركود وحالة استثناء وصراع عنيف، بما أدى إلى تأجيل مشروع البناء الديموقراطي وتحديث المؤسسات، مع كل الانعكاسات السلبية السياسية والاقتصادية التي طبعت المرحلة.
كما يفسر التنافر نفسه والصراع حول كيفية بناء الدولة، والعلاقة بينها وبين المواطن والشعب، فشل التعديلين الدستوريين، عامي 1970 و1972، في إخراج البلاد من أزمة الحكم، في ظرف حساس تميز بمحاولتين انقلابيتين.
وإذا كانت مجمل التقييمات تجمع على أن المؤسسة الملكية خرجت منتصرة من تلك المواجهة بانفرادها بقيادة البلاد وتأكيد مشروعيتها التاريخية والشعبية، فإن محطة أخرى ستعيد التوافق مع الحركة الوطنية وتمهد لفتح صفحة جديدة ومؤسسة لما اصطلح عليه في حينه بالمغرب الجديد، حصل ذلك مع فتح ملف استكمال الوحدة الترابية والسيادة المغربية باسترجاع الأقاليم الصحراوية انطلاقا من منتصف السبعينات من القرن الماضي، لتبدأ مرحلة أخرى من التعامل بمنطق التوافق بين المؤسسة الملكية والقوى السياسية المنحدرة من الحركة الوطنية.
ورغم عثرات الشد والجذب التي تخللتها أدت هذه الدينامية الجديدة إلى منعطف بداية التسعينات بدخول المغرب مرحلة أخرى من تاريخه الحديث على طريق الانفتاح الديموقراطي، وتنقية الأجواء السياسية من شوائب الماضي وفتح ملف حقوق الإنسان بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وإصدار عفو عام، وإشراك أحزاب المعارضة في تدبير الشأن العام.
تداخلت رغبة الانفراج والضغوط الاقتصادية والاجتماعية لنتائج سنوات الاحتقان في تحديد مسار جديد تكرس بتعديل الدستور عام 1996، ثم تشكيل حكومة "التناوب التوافقي" بقيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لأول مرة في تاريخ البلاد، ليتكرس مبدأ التوافق بين المؤسسة الملكية والقوى السياسية كمدخل لمشروع الإصلاح والتحديث، بما يفترضه ذلك من خلافات يبقى حسمها رهينا بقدرة الفاعلين الأساسيين على الالتقاء عند حد أدنى من التغيير في النص الدستوري، بما يفتح آفاق أخرى لتعزيز الديمقراطية من جهة، وتطوير السياسي المغربي نفسه، من جهة ثانية، ليستوعب المعطيات الجديدة، على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، مثل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية الصحراوية، ومسألة الجهوية وموضوع اللغة الأمازيغية، وصلاحيات الوزير الأول، فضلا عن المؤسسة التشريعية، على ضوء تجربة الغرفة الثانية والأداء البرلماني بشكل عام ضمن دستور 1996.
وبهذا الإصلاح الدستوري المرتقب يفترض أن ينجز عمل تأسيسي إضافي على طريق إحداث نقلة نوعية في الحقل السياسي والاجتماعي بالانخراط في الحداثة من خلال مشروع مجتمعي حداثي ديموقراطي، منفتح على محيطه الإقليمي والدولي.
أقر المغرب أول دستور في تاريخه سنة 1962، وجرى في تعديله سنوات 1970 و 1972 و1980 و1992 و1996 . أنشأت تعديلات 1992 المجلس الدستوري ولجان التحقيق النيابية، وخفضت سن المواطنة القانونية الكاملة من 21 إلى 20 سنة ، أما تعديلات 1996 فأسست هيئة تشريعية من مجلسين.
وفقا للنصوص الجديدة التي أقرّت في استفتاء 13 سبتمبر 1996، أصبح انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب يجري بالاقتراع العام المباشر .كما عززت التعديلات الجديدة قدرة مجلس النواب على مساءلة الحكومة، كان ثلث مجلس النواب ينتخب بطريقة غير مباشرة قبل ذلك التعديل .
الفصل بين السلط ينيط دستور عام 1996 السلطة التنفيذية بجلالة الملك الذي يعين الوزير الأول ويوافق على تعيين أعضاء الحكومة التي يؤلفها هذا الأخير. ويترأس الملك اجتماعات الحكومة، من خلال المجلس الوزاري ويستطيع حلّها، والوزير الأول والحكومة مسؤولون أمام الملك وأمام البرلمان.
كما ينيط الدستور السيادة بالشعب المغربي الذي يمارسها مباشرة بالاستفتاء العام، وبشكل غير مباشر بواسطة ممثليه المنتخبين. ويعلن الدستور أن النظام المغربي يقوم على التعددية الحزبية.
وتشارك الأحزاب السياسية والنقابات ومجالس المناطق وغرف التجارة في تنظيم المواطنين وتمثيلهم.
يؤسس الدستور أيضا قضاء مستقلا ترأسه المحكمة العليا المعيّنة من قبل جلالة الملك، ويؤسس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي تستشيره الحكومة وكذلك البرلمان بخصوص جميع المسائل ذات الطابع الاقتصادي أو الاجتماعي، ويؤسس أيضا المجلس الأعلى للمحاسبة.
الأحكام الأساسية يحتوي الدستور المغربي على نظام للضوابط والتوازنات خاص بالعلاقة بين الملك والبرلمان، ويستطيع الملك حل البرلمان.
كما يستطيع أن يطلب من مجلسي البرلمان إجراء مراجعة ثانية لأي مشروع قانون ولأي قانون مقترح.
ويمكن للملك بعد المراجعة الثانية أن يصدر مرسوما ملكيا بطرح مشروع القانون أو القانون المقترح على الاستفتاء العام، باستثناء المشاريع أو القوانين المقترحة التي وافق عليها أو رفضها ثلثا أعضاء كل مجلس من مجلسي البرلمان، أما نتائج الاستفتاء العام فهي ملزمة للجميع .
توجد أيضا ضوابط للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعلن الحكومة الأحكام العرفية أو الحرب وتصدر مراسيم تشريعية ومشاريع قوانين قبل عرضها على أي من مجلسي البرلمان، ويستطيع الملك إعلان الحرب رسميا بعد إبلاغ البرلمان بذلك
الحقوق المدنية المواطنون المغربيون سواسية أمام القانون، ويتمتع الرجال والنساء بحقوق سياسية متساوية.
ويكفل الدستور لجميع المواطنين في حدود القانون حرية العبادة والتنقل والرأي والتعبير بكل أشكاله. كما يكفل لهم حرية تنظيم أنفسهم، وحرية التجمع العام، وحرية الانتماء إلى أي نقابة أو حزب سياسي.
وينص الدستور على تكافؤ الفرص في مجال العمل والتعليم، وعلى الحق في الإضراب، وعلى حق الملكية الخاصة وحرية الأعمال التجارية. كما أدخل مؤخرا تعديل دستوري على قانون الجنسية يمنح أطفال المرأة المغربية المتزوجة من أجنبي حق الحصول على الجنسية المغربية.