يبدو، من الوهلة الأولى، أن أكثر زوار مهرجان الصويرة لكناوة وموسيقى العالم، الذي اختتم فعاليات دورته التاسعة مساء أول أمس الأحد، من الطبقة الشعبية والمتوسطة.
هؤلاء لهم علاقة قرب دائمة بتلك الموسيقى المغربية ذات الجذور الإفريقية، غير أن دورات المهرجان السابقة، كشفت أن عشاق هذه الموسيقى لا يقتصرون على طبقة دون أخرى، فكل الشرائح المغربية تحج إلى المدينة طيلة أيام المهرجان الأربعة، تطوف أزقتها وشوارعها بحرية وأمن وأمان.
جون مارك تيبو، مدير عام مجموعة "أكور" للفنادق بالمغرب، من رواد هذا المهرجان "إنه مهرجان شعبي تنمحي فيه الطبقية وتسقط أقنعة الشخصية الرئيسية للجميع، فالفقير يمشي في الشارع قرب الغني، يرقص معه دون أن يهتم أحد بطبقة الآخر"، يقول جون مارك، ويشرح هذا التحول "أعتقد أن إيقاعات موسيقى "كناوة" الصوفية لها علاقة بدواخلنا، تخاطبها فتوقظ فينا جميعا ذلك الحس الإنساني الراقي" .
المدير العام لأكبر مجموعة فندقية في المغرب، يعتبر نفسه "حاجا" يؤدي حجه بشكل سنوي .
سكينة الروح هو ما تبحث عنه مريم شقرون بنصالح، الرئيس المدير العام لإحدى أكبر الشركات في المغرب، "والماس المغرب"، تقول إن "المهرجان موسم نقصده سنويا رفقة أولادنا وعائلاتنا، ونشعر فيه بالراحة الجوانية"، نقطة أخرى تدفع مسؤولة الهولندينغ الكبير لزيارة الصويرة "إنه مهرجان-موسم يتكلم لغة نفهمها جميعا في المغرب، يخلق جوا عائليا بين جميع المغاربة".
هذه اللغة الموحدة، التي يتكلمها المهرجان، مردها، حسب بنصالح شقرون، إلى تلك المرحلة من دخول الذات في توحد مع الإيقاعات المعروفة بالحال".
فجميع هؤلاء المشاهير، الذين يطلون على المغاربة عبر شاشات التلفزيون والصحف المغربية يرقصون، مثلهم مثل عشرات الآلاف على الإيقاعات غير عابئين بالفوارق "لغته الموحدة تجعلنا نعيش في عالم أشبه بموسم ديني، البورجوازيون والمشاهير وغيرهم يتصرفون تصرفات مختلفة، يضحون أكثر تواضعا وبساطة" يقول رشيد الأندلسي، أحد أشهر المهندسين المعماريين المغاربة.
ويضيف "إنه راحة للروح وسفر في الزمن، فهذا الأخير لا يحمل السمات نفسها، كما في الحياة اليومية، إذ لا يمكن أن تتمشى في بعض أزقة المدينة على الساعة الثالثة صباحا من شدة الازدحام، إنه أمر غاية في الروعة، فكل العادات اليومية من أكل ونوم ولباس وخروج تتغير".
مهرجان الصويرة، الذي سيحتفل بسنته العاشرة العام المقبل، تحول سنة بعد سنة، من خلال الطابع الشعبي، إلى "فضاء للتعارف بين المغاربة، وهذا مهم جدا" يقول المهندس.
هذه الموسيقى ذات الجذور العميقة في وعي المغاربة وثقافتهم تساهم في خلق "الأخوة والتسامح"، فخلال أيام المهرجان الأربعة لا تسجل حالات سرقة أو سطو أو حوادث خطيرة بين المهرجانيين، الذين يتجاوزون أحيانا 400 ألف زائر، في حين أن عدد القوات المكلفة بالأمن في المدينة لا تتعدى ستة آلاف فرد، ويعزو، عبد الرحيم الهاروشي، وزير الأسرة والتضامن، هذا الأمر إلى تلك السكينة، بفضل فضاءات المدينة وإيقاعات كناوة.
الوزير الذي عاش تجربة المهرجان منذ بداية تشكل جنينها في العام 1995 يتجول بلباس رياضي عاد، يرقص على الإيقاعات غير آبه بالبروتوكولات، شأنه شأن جميع المسؤولين ورجال المال والأعمال "نحس كلنا سواسية كمغاربة، فهنا لا مكان إلا للأخوة والحميمية".
أمر آخر يثيره المسؤول الحكومي يتعلق بكون المهرجان محركا اقتصاديا للمدينة "إنها قدوة في المغرب كله، لقد تطورت المدينة بفضل الثقافة، وهذا أمر في غاية الروعة"
الشهرة الكبيرة لهذا المهرجان ونجاحه اللافت يردها أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك محمد السادس، ورئيس جمعية الصويرة موغادور، صاحبة المهرجان، إلى "بركة المعلمين"
كبار مدراء المؤسسات المغربية لا يزورون المدينة حبا في المهرجان فقط، بل لاستغلال حضور هذه النخبة المغربية "حضورنا وتخصيص فضاء حميمي يومي للقاء بين هذه الشريحة المغربية الراقية، يدخل في استراتيجية المجموعة"، يؤكد مدير عام "براسري المغرب" .
المهرجان كان فرصة للترويج إلى نوع جديد من منتوجاتنا "هالانا"، ويزيد "مهرجان الصويرة فرصة للاستمتاع بالحياة دون تفكير في أمور أخرى، لا يفكر السائح في موعد لدخول البيت أو لقاء صديق، هذا الجو مناسب لترويج منتوجاتنا" .
تقيم "براسري المغرب" أيام المهرجان حفلات مفتوحة لمدعوي المهرجان من المشاهير، هذا الأمر لا ينطبق على هذه المؤسسة فمجموعة "أكور" للفنادق والبنك المغربي للتجارة الخارجية أقام كل واحد منها حفلات كبيرة للغرض نفسه، استدعي فيها مشاهير المهرجان من رجال المال والأعمال والرياضة أمثال اللاعبين السابقين الحداوي وميري كريمو "تنظيم هذه الحفلات وتزايدها مستقبلا قد يؤثر سلبيا على المهرجان، فعوض الاختلاط مع كل المغاربة رغم وجود الحواجز الحديدية، سيتحول المهرجان إلى سهرات يومية خاصة تتنافس فيه الشركات لتحسين صورتها وترويج منتوجاتها، وهذا يمس بروح هذا المهرجان المبني على الاختلاط بين كل الطبقات" يقول أحد الصحافيين المغاربة.
لحد الآن ما زال عدد السهرات الخاصة محدودا، وهو ما يجعل المهرجان يحافظ على أصالته كفضاء مفتوح للتعارف بين كل المغاربة، فرصة لاكتشاف طبقة يعيش بعض أفرادها في أبراج عاجية، لجيل جديد من المغاربة يعشق الموسيقى ويحب الحياة وملذاتها.