وزراء وشباب ومتسولون يرقصون في عرس الصويرة الكناوي

السبت 24 يونيو 2006 - 15:34
أجساد تتمايل بفعل سحر كناوة

يعيش زوار مدينة الصويرة، الذين توافدوا عليها لمتابعة الدورة التاسعة لمهرجان كناوة، منذ الخميس الماضي، نمط حياة يذكر بمغرب السبعينات في زمن كانت فيه المدينة قبلة للرافضين لأوضاع العالم، الحالمين بتغيير وثورة"الهيبيزم" التي لم تقع .

في مهرجان كناوة هناك متسع للجميع، من الوزير إلى ماسح الأحذية وبائعات الهوى والمتسولين والشباب.

وعلى إيقاعات موسيقى حزينة تتمايل الأجساد في الساحات العمومية حيث أقيمت منصات في الهواء الطلق.

الجميع يرقص في موسم الحج الكناوي بمدينة اشتهرت برياحها وبخشب العرعار وشجرة أركان.

مهرجان كناوة "فرصة لتدبير موارد إضافية للرزق"، يقول عامل فندق، مضيفا أن الاستثمار في المجال الثقافي أكسب المدينة شهرة عالمية.

الفضل يعود لأندري أزولاي مستشار جلالة الملك، هذا الرجل الذي يتابع أدق التفاصيل التنظيمية للمهرجان، ويشرف بنفسه على أن يكون كل شيء على مايرام وهو يتجول في الأزقة والساحات لتفقد أحوال الناس.

رغم أن المنظمين للمهرجان توقعوا توافد أزيد من مليوني شخص، فإن المدينة لم تعان مشكل تموين، كما حدث في السنوات المنصرمة، أما الشوارع فهي نظيفة ويعود الفضل في ذلك لعمال شركة النظافة.

وفي اليوم الثاني من المهرجان، تاه الناس ليلا وسط الزحمة ورقصوا بشكل هستيري في مدينة لم تعد تنام.

شاهدت عمال نظافة يعملون بجد للحفاظ على نظافة الأزقة.

وقال أحدهم إنه يعمل بمعية 145 شخصا، وأن عدد الشاحنات المخصصة لهم لم يتجاوز 15 شاحنة، معربا عن اعتقاده بأن مايميز الصويرة هو البساطة والنظافة.

وخلال اليوم نفسه تراقص الناس فرحا في الساحات، وأنصت آخرون بدار الصويري لفرقة"القوالي" القادمة من الشرق الأقصى لعلي ماهر، ورغم أن الكلمات كانت بلغة البنجاب، فإن الألحان كسرت حاجز اللغة، وجعلت الناس ينصتون لموسيقى الدراويش المفعمة بالذكر والمناجاة.

الناس الذين لم يجدوا مأوى لهم يبيتون في العراء، ورمال البحر تسع الجميع، في حين نشطت مهن هامشية.

البعض يقبل الناس على شراء التذكارات والهدايا الرمزية، أما السياح الأجانب فافتقدوا ذلك السكون الذي يميز المدينة في الأيام العادية، وانخرطوا مع الآخرين في لغط وصخب المهرجان.

واعترفت مصادر أمنية بوجود "متاعب إضافية" بسبب مهرجان الصويرة الدولي، مشيرة إلى تسجيل اعتقالات لم تتجاوز حدود التحقق من هويات مخمورين، وآخرين يحدثون الضوضاء في الشارع العام.

وشوهد في حفلة أقيمت بفندق"سوفتيل" مسؤولون يرقصون بتماه مع فرقة كناوية على جانب مسبح الفندق، قبل أن ينتقلوا لتزجية ماتبقى من الليل في الأزقة، وأماكن معتمة، خارج الفندق، إذ ظل الناس يتنزهون قرب الشاطئ ليلا ويثرثرون.

بعضهم انخرط في أحاديث حميمية مع صديقة جديدة، وآخرون يتجولون مشكلين ذرعا كبيرا .

في المدينة يتطلب المرور من الأزقة التدافع بالمناكب أحيانا للمرور في أمكنة مزدحمة بشكل كبير.

وسط الزحام زوار أعياهم التجول فجلسوا القرفصاء أو تمددوا في الأزقة بحرية تامة، بعضهم انخرط في سبات عميق غير آبهين بما حولهم.

جاء للمشاركة في الدورة التاسعة لمهرجان كناوة موسيقيون أفارقة من العيار الكبير وموسيقيون آخرون تمكنوا من المزج بين أنماط موسيقية آخرى في تجربة تراهن فيها جمعية الصويرة موغادور على جعل الموسيقى رافدا للتسامح.

وبالإضافة إلى وجود أزيد من 20 من المعلمين (شيوخ كناوة)، يتقدمهم المعلمان عبد السلام علكيان ومحمود غينيا من الصويرة، وحسن بوسو من البيضاء، وأحمد باقبو من مراكش وآخرون، يحرص المنظمون على إضافة توابل موسيقية جديدة لإنجاح الدورة الحالية.

وتشكل هذه الدورة العاشرة امتدادا لمهرجان انطلق سنة 1998 وحج إليه ساعتها 200 ألف زائر، حسب الموقع الإلكتروني لإدارة مهرجان كناوة، ويعد الاحتفال بموسيقى كناوة في الصويرة فرصة سنوية لتلاقح أنماط موسيقية مختلفة زمانيا ومكانيا من خلال حضور مجموعات متنوعة يوحدها الإيقاع الكناوي الغني بمدارجه الصوفية.

ويخصص مهرجان الصويرة، فضلا عن الانفتاح في وجه التيارات الموسيقية الجديدة، حيزا مهما للفنون الشعبية والموسيقى العريقة، إذ ستعيش المدينة العتيقة طيلة أيام المهرجان على إيقاع الأهازيج الفولكلورية لفرق عيساوة فاس وهوارة وتارودانت وكانكا أكادير ومجموعة مهداوي وحمادشة.

ويتوقع المنظمون من دورة هذه السنة أن تشكل حلقة جديدة تكتمل فيها مطامحهم الرامية بالأساس إلى استقطاب المزيد من عشاق فن كناوة مقارنة بما سجلته الدورات الفارطة، إذ تضاعف العدد خلال الثماني سنوات الماضية منذ ميلاد هذه التظاهرة الفنية سنة 1998 بعشرين مرة منتقلا بذلك من 20 ألفا إلى ما يربو عن 400 ألف زائر.

الأشعري يدافع عن ثقافة الجسد

تحولت ندوة صحفية عقدها المدراء الفنيون لمهرجان كناوة في الصويرة، صباح أول أمس الجمعة، لحلقة نقاش عريضة حضرت فيها التدخلات وغابت عنها الأسئلة .


وأكد عدد من الباحثين، خلال هذا النقاش، أن "موسيقى كناوة ارتبطت تاريخيا بالعبيد«، في حين أشار البعض الآخر إلى أن »الدورة التاسعة لمهرجان كناوة تشكل تميزا خاصا".

وختم الباحثون تدخلاتهم بهذه الكلمات "هنا في الصويرة شي جاي يزور وشي جاي يدور

والكل حسب نيته"، على حد تعبيرهم.

وواكب سهرات المهرجات حضورا أمنيا مكثفا، كما أن قوات الدرك نشرت وحداتها في مدخل المدينة، بالإضافة إلى رجال القوات المساعدة الذين شوهدوا مع رجل شرطة في بعض الأزقة والشوارع الرئيسية.

وتحدثت مصادر أمنية عن وجود تعزيزات بحكم طبيعة التظاهرة وماتعرفه من وجود بشري، كما شوهدت الفرق المتنقلة للأمن تستفسر هويات العديد ممن حجوا للمهرجان
وكان محمد الأشعري، وزير الثقافة، وجه "صفعة" لحزب العدالة والتنمية، ذي الميول الإسلامية، بدفاعه عن ثقافة الجسد وحقه في العيش والبوح والرقص، وقال»أجسادنا ليست أعداء لنا، بل هي حاملة لأرواحنا ولثقافتنا وذاكرتنا ويجب أن نعلم أجسادنا الحرية".

ووجه الأشعري انتقادا شديد اللهجة لمسيري المدن المغربية الذين يهملون الشأن الثفافي في تدبير حواضر تتوسع اسمنتيا على حساب هوامشها، دون أن تستجيب لتطلعات سكانها.

ودعا المسؤول الحكومي، في كلمة ألقاها في حفل افتتاح المهرجان، الخميس المنصرم، إلى اعتماد مقاربة تشاركية دون أن يحدد ملامحها، موجها انتقادا لمدن، دون أن يحددها بالاسم، بسبب اعتمادها سياسة إغلاق الأسوار، كما طالب باحترام ذكاء المواطن البسيط.

وقال إن المدن المغربية تحولت إلى غول يلتهمنا، مشددا على ضرورة الاستثمار في العنصر البشري وتكريم المعلمين الرواد لموسيقى كناوة الذين يصنف بعضهم الآن اجتماعيا بكونهم يعيشون "وضعية صعبة".

ويشارك في الدورة التاسعة لمهرجان كناوة بالصويرة أزيد من عشرين »معلما« مغربيا يمثلون مدن الرباط ومراكش والدار البيضاء وأصيلة وآسفي وطنجة، إلى جانب فرق موسيقية قادمة من الجزائر ومالي وغينيا وباكستان وإيطاليا وسويسرا وفرنسا والبرازيل والولايات المتحدة الأميركية.

وتحتضن العروض 9 منصات موزعة على ساحة مولاي الحسن وباب مراكش والخيمة وصقالة المدينة ورحبة الزرع ورياض دار الصويري "عند كبير".




تابعونا على فيسبوك