قال علي لطفي الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحة العمومية المنضوية تحت لواء "ك د ش"، وعضو اللجنة الإدارية للكونفدرالية الديموقراطية للشغل:
إن الوضعية الراهنة للعمل النقابي وللممارسة السياسية تعيش أزمة عميقة وبنيوية، وأفاد أن هناك عناصر داخل المركزية النقابية، "تحاول أن تدفع في اتجاه إزالة كل المناضلين المخلصين من الساحة النقابية للكونفدرالية، لتستولي على ما بناه مناضلون آخرون، معروفون على الساحة".
وأضاف لطفي، في حوار مع "الصحراء المغربية"، أن توالي رسائل الاحتجاج، وكذا الانسحابات من صفوف الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، يعطي إشارات واضحة، تفيد أن هناك خللا ما في "ك د ش".
وفسر الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحة العمومية، ما وقع لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، الذي انسحب منه العديد من الأطر، من بينهم هو نفسه، بكونه "يرجع بالأساس إلى عقلية قبلية داخل الحزب والنقابة، تريد الهيمنة على العمل السياسي، والانفراد بالقرارات ومحاولة تقزيم دور الحزب في القيام بمسؤوليته السياسية والاجتماعية داخل المجتمع المغربي".
ونفى المسؤول النقابي، أن يكون قرر هو وبعض القياديين البارزين في صفوف الكونفدرالية، الانسحاب من العمل في صفوفها، وقال "أعتبر أن هذا القرار قرار سياسي، يعود إلى حزبي الذي أنتمي إليه، وليس قرارا يمكن أن يتخذه أشخاص بمفردهم".
وعاد علي لطفي ليؤكد أنه إلى حدود الساعة، ما زال الحزب الاشتراكي مصمما على النضال في صفوف الكونفدرالية، ويطالب في الوقت نفسه بدمقرطتها.
وبخصوص البرتوكول الموقع بين الحكومة والنقابات الصحية الخمس أخيرا، اعتبره علي لطفي خطوة إيجابية، وعلق قائلا على اعتبار بعض الفئات المهنية، خاصة الأطباء والممرضين، نتائج الحوار جد متواضعة، "نحن كمسؤولين في النقابة، نقول إن الحوار مازال مستمرا، ولا يمكن أن نعمل بمبدأ قانون كل شيء أو لا شيء".
بالفعل جرى في الشهر الماضي، توقيع اتفاق بروتوكول بين الحكومة والنقابات الصحية الخمس، بخصوص مجموعة من المطالب التي نعتبرها ذات أولوية، وذات طبيعة استعجالية، بحكم أنها مطالب تعود إلى سنة 1990، حين جرى توقيع آخر اتفاق بين حكومة عبد الرحمان اليوسفي، والنقابات الصحية.
ويتعلق الأمر، في البروتوكول الموقع أخيرا، أساسا بمطلب إدماج التعويضات على الأخطار المهنية في راتب التقاعد، ومراجعة الأنظمة الأساسية لكل من هيئة الأطباء والممرضين، وكذلك مراجعة بعض النقط، التي نعتبرها ذات حساسية كبرى في قطاع الصحة، خاصة إذا علمنا أن كل القوانين الجاري بها العمل، سواء على المستوى الوطني أو المستوى الدولي تنص عليها، ويتعلق الأمر بالتعويض عن الحراسة والإلزامية.
منذ تأسيس مديرية للصحة بداية الاستقلال إلى يومنا هذا، بعدما أصبحت وزارة للصحة، يظل الأطباء والممرضون، يشتغلون ساعات إضافية وأيام العطل والأعياد والعمل الليلي، بدون تعويض، وهذا يعني أنه جرى استغلال هذا الفئة من موظفي الدولة لمدة تفوق 40 سنة، بشكل مجاني، خاصة إذا علمنا أن القطاع الخاص، والوظيفة العمومية، من خلال مدونة الشغل، يجري فيهما التعويض عن الساعات الإضافية، وكذلك العمل الليلي وأيام العطل والأعياد، وبقي الاستثناء فقط في قطاع الصحة.
إذن كان هذا المطلب أساسيا ونحمد الله، أن هناك التزاما من خلال مرسوم سيصدر قريبا، لتفعيل وأجرأة هذا المطلب، على أساس أن كل عمل إضافي، سيعوض عليه الموظف، كما تنص على ذلك قوانين الشغل، على مستوى المنظمة الدولية للشغل.
البروتكول حدد تفعيل الاتفاق في شطرين، فبالنسبة إلى التعويضات الخاصة بالأطباء، سيجري تفعيلها، بداية يوليوز 2006، أما في ما يتعلق بإدماج التعويضات على الأخطار المهنية في راتب التقاعد، سينطلق تفعيلها بعد صدورها في الجريدة الرسمية، أما الاتفاق الخاص بالممرضين والأعوان والإداريين، فسيفعل مطلع يناير2007 .
بخصوص النقط الأخرى كذلك، لها مدة زمنية لأجرأتها، لكن ما نطالب به الآن، أن تقوم وزارة الصحة بإعداد المراسيم التطبيقية لهذا البروتكول، على أن ينطلق العمل بها، نهاية السنة الجارية، وبداية السنة المقبلة.
صحيح كمحطة أولى، نعتبر أنه لم نتمكن بعد من تحقيق جميع المطالب، لكن في كل حوار هناك أخذ وعطاء، ونحن كنقابة وطنية للصحة العمومية، نعتبر أنفسنا مسؤولين ونأخذ بعين الاعتبار كذلك الإكراهات التي لدى الدولة.
نحن نعتبر هذا الاتفاق محطة أولية، في إطار الحوار الاجتماعي ما بين الحكومة والنقابات الصحية، والمطالب التي طرحناها راعينا أنها مطالب استعجالية، فعلا مازالت هناك مطالب أخرى سنطرحها من جديد، على اعتبار أنه لا يمكن بتاتا طرح كل النقاط العالقة دفعة واحدة.
نعتبر أن هذا البروتكول الموقع مع الحكومة، خطوة إيجابية، رغم أن هناك بعض الفئات المهنية، خاصة الأطباء والممرضين، اعتبرت أن نتائج الحوار كانت جد متواضعة، لكن نحن كمسؤولين في النقابة، نقول إن الحوار مازال مستمرا، ولا يمكن أن نعمل بمبدأ قانون كل شيء أو لا شيء.
صحيح أن الإضرابات المتكررة داخل القطاع الصحي، لها تأثير جد سلبي على صحة المواطنين، وخاصة المستضعفين الذين يلجون المستشفيات العمومية، لأن الفئات الأخرى، التي لها دخل في مستوى عال، تلجأ إلى القطاع الخاص، وبالتالي فالإضراب بالنسبة إلى الأغنياء لا يشكل عائقا .
نحن نعلم أن المؤسسات العمومية يلجها أكثر من 90 في المائة من المواطنين، كلهم من ذوي الدخل المحدود أو الفقراء، وإضراباتنا في القطاع لها تأثير جد سلبي على صحتهم وتعطيل علاجهم، ونحن نقر بذلك، لكن يبقى خيارنا الأخير كنقابات، أمام الصمت الحكومي واللامبالاة وعدم الاستجابة لمطالبنا، اللجوء إلى هذه الوسيلة المشروعة التي يقرها الدستور المغربي، لتبليغ رسالتنا الاحتجاجية للحكومة، من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
هذا بالفعل ما وقع، عندما قررنا القيام بمسيرة احتجاجية بشارع محمد الخامس أمام البرلمان، والاستمرار في تنفيذ البرنامج النضالي، وأمام هذا كله، اضطرت الحكومة للجلوس معنا إلى طاولة المفاوضات، وكان هناك حوار عسير، أخذ وقتا طويلا، واستطعنا أن نخلص في الأخير، إلى نتائج متواضعة بخصوص هذا الملف.
رغم ذلك نطالب بأن يستمر هذا الحوار، لتلافي اللجوء مرة أخرى إلى الإضرابات، وللأسف فنحن نشاهد الآن، مشاكل داخل وزارة الصحة نفسها، في ما يتعلق بتسوية الملفات الإدارية، ومشكل الحركة الانتقالية، التي مازالت تسودها الزبونية والمحسوبية، بدل النظام المؤسساتي.
بكل تأكيد إن القطاع الصحي العمومي، يعاني تبعات ورواسب سياسة التقويم الهيكلي لسنة 1983، ومازالت هذه السلبيات قائمة إلى يومنا هذا، خاصة بعد دخول مجموعة من القوانين إلى حير التنفيذ، مما جعل المؤسسات العمومية، تعاني خصاصا مهولا في التجهيزات والأدوية، وكذلك في الموارد البشرية، وخاصة الممرضين، مما يشكل أثرا سلبيا على جودة الخدمات.
لكن الأخطر من هذا، ما يلاحظ الآن في المستشفيات العمومية، ويتمثل في عدم قبول شهادة الاحتياج بالنسبة إلى الفقراء والمستضعفين، بمعنى آخر أن القطاع الصحي العمومي، خلافا لما يقال عنه إنه يغطي حاجيات المواطنين الفقراء في المجال الطبي، أضحى يعتمد الآن مبدأ الإقصاء والتهميش، مما يضطر هؤلاء الفقراء إلى الجلوس في بيوتهم، ينتظرون الشفاء من الله عز وجل.
هناك أصوات متعددة تصف هذه الأيام العمل النقابي بالارتباك على مستوى الأداء، الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتباك اجتماعي، وتشرذم وتفرقة وتمزق في الجسم النقابي المغربي، بمعنى آخر أصبحنا الآن نعيش أزمة نقابية في المغرب لعدة عوامل واعتبارات
بعدما كان واضحا أن العمل النقابي، يمثل آمالا عريضة للطبقة العاملة المغربية وللمستضعفين، أصبح يمثل بالنسبة للبعض انتكاسا، وأصبح للبعض الآخر مجالا لتنمية مصالحه الشخصية، رغم أن هناك مناضلين نقابيين مازلوا يؤدون بأمانة دورهم، في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة وقضايا الأمة.
يصعب التكهن بما سيحدث مستقبلا، لكن بكل تأكيد أن أمورا كثيرة ستتغير، وستحل محلها مفاهيم نجهل نتائجها على الطبقة العاملة، وبالتالي أعتقد أنه لابد من إعادة النظر في المقاربة المعتمدة في تدبير الشأن النقابي، ونهج أساليب جديدة لمواجهة التحديات التي تتعرض لها الطبقة العاملة، باعتبار أننا نعيش عالما آخر، يعتمد على التسيير العلمي الحديث للمؤسسات، وتكنولوجية متجددة ورفيعة.
لقد بدأ دور الدولة يتقلص في حماية المجتمع، والمنتوج الوطني، والطبقة العاملة المغربية، من خلال غياب المنافسة الشريفة إلى غير ذلك، على اعتبار أن العالم أصبح يعتمد أكثر على اقتصاد السوق، وبالتالي بات لزاما على النقابة أن تعلب دورها الحقيقي، لمواجهة كل هذه التحولات.
إن التجند الذي أتحدث عنه، سيقطع الطريق، أمام العقلية الارتجالية والبيروقراطية، ومحاولات الدفع والتفرقة في المجال النقابي، في أن تضرب عرض الحائط كل مكتسبات الطبقة العاملة.
في الحقيقة، كانت هناك إشارات، أو ما أسميه ممارسات، اعتبرها غير ذات أهمية بالنسبة إلي أو إلى أخي عبد القادر أزريع، التي أكن له كامل التقدير والاحترام، نظرا لنضاليته، إذ يعد من بين المؤسسين لهذه المنظمة العتيدة، التي ضحى من أجلها رواد بالغالي والنفيس، منهم من قضى نحبه، ومنهم من لايزال يناضل بجد وأمانة، ويتحمل كامل المسؤولية.
الظاهرأن هناك عناصر داخل مركزيتنا النقابية، تحاول أن تدفع في اتجاه إقصاء كل المناضلين المخلصين من الساحة النقابية للكونفدرالية، لتستولي على ما بناه مناضلون آخرون، معروفون على الساحة بدءا من عمر بنجلون، والبوزيدي وغيرهما.
لا يمكنني أن أحدد بالضبط هذه العناصر، لأنه كيفما كان الحال بالنسبة إلي شخصيا، ككاتب عام لنقابة وطنية للصحة، تعتبر نقابة منسجمة بأعضائها على اختلاف تياراتهم السياسية، لا نعير أهمية أكثر لما يقع داخل الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، رغم هذه الممارسات الأخيرة التي ظهرت، مثلا إقالة الأخ محمد الجلايدي من منصبه، وكذلك ما وقع لنائب الكاتب العام لـ "ك دش" الدكتور عبد المجيد بوزوبع، وآخرين.
هذه أشياء أعتبرها صغيرة لا تحتاج إلى تعليق، وبالنسبة إلينا كنقابة للصحة، نعتبر أنه لدينا منظمة لها أجهزتها التقريرية ولها برنامجها، نناضل في الساحة بجد، وقعنا بروتكولا وحققنا مكاسب، أما ما يقع في الجهة الأخرى، أنا شخصيا لا أعيره اهتماما أكبر.
الأحزاب السياسية في المغرب، تعيش حالة من الانقسامات والتمزق والصراعات، أغلبها صراعات على الزعامة وإرادة الأشخاص، وليست إرادة المناضلين، وبالتالي يتضح أن مرجعيتها تعود إلى عقلية أقول بين قوسين أنها "قبلية وتقليدية".
ما وقع لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، والذي انسحب منه مجموعة من المناضلين، وأنا منهم، يعود بالأساس إلى هذه العقلية التي تريد الهيمنة على العمل السياسي، والانفراد بالقرارات ومحاولة تقزيم دور الحزب في القيام بمسؤوليته السياسية والاجتماعية داخل المجتمع المغربي.
أعتقد أنه كانت هناك اختلالات تنظيمية وتناقضات على مستوى المواقف السياسية داخل المؤتمر الوطني الاتحادي، وجاء المؤتمر السابع، ليكشف هذه المشاكل التي تحدثت عنها
الآن المنسحبون أسسوا حزبا تحت اسم الحزب الاشتراكي (أنا عضو المكتب السياسي للحزب الجديد فيه)، وعقدوا لقاءهم التنظيمي، إذ توصل قبل 15 يوما من الآن، بوصل الإيداع من طرف وزارة الداخلية، وهو الآن بصدد القيام بالإجراءات الإدارية والتنظيمية لعقد مؤتمره التأسيسي، وفق ما ينص عليه قانون الأحزاب.
عقد الأمين العام للحزب الاشتراكي عبد المجيد بوزوبع لقاءات متعددة، مع الأحزاب السياسية اليسارية، منها الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الاشتراكي الديموقراطي والإخوة في المبادرات الديموقراطية، وكذلك له برنامج مستقبلي لعقد لقاء مع الإخوة في النهج الديموقراطي، وذلك من أجل توحيد الرؤى والمواقف في عدة قضايا، منها القضايا المتعلقة بالتعديلات الدستورية، والقضايا المتعلقة بالاستحقاقات المقبلة
كذلك هناك لقاءات مبرمجة في ما بين المكاتب السياسية لهذه الأحزاب السياسية التي ذكرت، في أفق تسطير برنامج مشترك بينهم، سواء لخوض غمار انتخابات 2007، أو التفكير في ما بينهم بعد الاستحقاقات، لم لا في الاندماج وخلق حزب اشتراكي كبير.
هذا غير صحيح لم نقرر لا أنا ولا أصدقائي الذين أشرتم إليهم، الانسحاب من الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، لأنني أعتبر أن هذا القرار قرار سياسي، يعود إلى حزبي الذي أنتمي إليه، وليس قرارا يمكن أن يأخذه أشخاص بمفردهم.
أؤكد أن الحزب الاشتراكي هو الذي سيقرر، إن كان سيستمر في العمل داخل صفوف الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، كفصيل من الفصائل التي تناضل داخل هذه المركزية، أم أنه سيتخذ موقفا آخر.
إلى يومنا هذا مازال الحزب الاشتراكي مصمما على النضال في صفوف الكونفدرالية، ويطالب في الوقت نفسه بدمقرطتها، لأنه كما نطالب الدولة بالديموقراطية، علينا أن نطالب أحزابنا وتنظيماتنا بالديموقراطية
هذه الإشارة واضحة تفيد بأن هناك خللا ما في الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وأعتقد حتى داخل المركزيات الأخرى، إذ لاحظنا أخيرا أن هناك انسحابات بالجملة من المركزيات، واللجوء إلى إنشاء نقابات مستقلة أو جمعيات، وخاصة في التعليم والجماعات المحلية.
هذه ظاهرة سلبية على المشهد النقابي، وفي الوقت الذي نطالب فيه بوحدة العمل النقابي، أصبحنا الآن أمام مشهد للتفكك والتشرذم، ولا نعرف إلى أي مدى سيصل بنا هذا التفكك داخل الصف النقابي، خاصة وأن العولمة وآثارها، باتت تهدد العمل النقابي وطبقتها.
لذا أقول إنه لا بد من وضع تصور جديد، ورؤية متجددة بخصوص العمل النقابي، في مواجهة مثل هذه الأشياء التي تقع الآن.