قال الباحث المغربي المختص في تكنولوجيا الاتصالات، يحيى اليحياوي، إن ترويج مصطلح "مجتمع المعرفة والإعلام" أواسط التسعينيات، جاء في سياق ما يمكن تسميته بـ "الانبهار" .
أي انبهار النخب الحاكمة بما يروج في الغرب من حركية اقتصادية وتكنولوجية وعلمية .
وأوضح اليحياوي، في حديث لـ"الصحراء المغربية"، أن المصطلح غير دقيق، إذ لا وجود في أدبيات الأمم المتحدة لمفهوم "مجتمع المعرفة والإعلام"، بل هناك "مجتمع المعلومات" والذي جرى الترويج له في جميع القمم الخاصة بالمعلومات، وأيضا في أدبيات البنك العالمي.
وأكد الباحث المغربي أن المعلومة لم تعد اليوم وسيلة من وسائل الإنتاج العادية، بل الوسيلة الأساس في عملية الإنتاج، إلى درجة أن العديد من الباحثين، في مجال ما يسمى بـ"الرأسمالية المعلوماتية"، أدمجوا المعلومات إلى جانب العمل والرأسمال، كمكون أساسي في العملية الإنتاجية.
واعتبر اليحياوي أن الفجوة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، أو ما يسمى بالأغنياء معلوماتيا والفقراء معلوماتيا، هي نتاج صيرورة تاريخية اشتغلت في إطارها المنظومة الرأسمالية، وأفرزت محيطا لا ينتج المعلومة، وهو متلق لها إلى حد ما، ومن جهة أخرى منتج للمعلومة، يعتبرها الأساس في تحريك الاقتصاد الجديد، مؤكدا بالمناسبة أن كسب رهان مجتمع المعلومات يشترط أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في الإشراف المباشر على المشروع، والحسم في أسباب تفاقم هجرة الأدمغة، واعتبار التكنولوجيا وسيلة من وسائل تنفيذ المشروع المجتمعي، القائم على المعرفة والعلم.
أود أن أشير في البداية إلى أن المصطلح غير دقيق، وهو من بين الوحدات الاصطلاحية، التي تعبر عن واقع حال عاشه العالم خلال السنوات الأخيرة، وكونه غير دقيق يعود في رأيي إلى اللبس، الذي صاحب الطرح ذاته، فلا وجود مثلا في أدبيات الأمم المتحدة لمفهوم "مجتمع المعرفة والإعلام" بل هناك "مجتمع المعلومات"، والذي جرى الترويج له في جميع القمم الخاصة بالمعلومات، وأيضا في أدبيات البنك العالمي.
وهذا التحديد الثاني أدق، لأن العالم شهد خلال العشرين سنة الأخيرة طفرة تكنولوجية كبرى شملت تكنولوجيا الفضاء، وأنظمة الساتل والعناصر الأساسية لتكنولوجيا اللايزر والبيوتكنولوجيا، وبالأساس تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات، وهي طفرة جاءت بالتحديد بفضل ظاهرة "الرقمنة"، لأن القطاعات الكبرى في هذا المجال كانت إلى حد ما مستقلة، ومهنها إلى حد ما متباينة، وليس هناك سبل لتقاطع هذه القطاعات الثلاثة، فجاءت الرقمنة لتجعل من هذه القطاعات قطاعا واحدا، على اعتبار تداخل المهن الموضوعي.
إذن مصطلح مجتمع المعلومات، هو مصطلح جاء للتعبير عن واقع يتميز بطفرة كبرى على مستوى إنتاج المعلومات وتداولها وتخزينها واستهلاكها وترويجها، وتحولها من عناصر ثانوية إلى عناصر محورية في الدورة الإنتاجية، سواء بالنسبة إلى الشركات أو الأفراد أو الجماعات.
وهناك رافدان لهذا المجتمع، الرافد الأول هو الرافد التكنولوجي بامتياز، وهو يعني تداخل القطاعات وتواصلها في ما بينها، أما الرافد الثاني، فيتعلق بمحتوى المنتوج، فلم تعد المعلومة اليوم وسيلة من وسائل الإنتاج العادية، بل الوسيلة الأساس في عملية الإنتاج، إلى درجة أن العديد من الباحثين في مجال ما يسمى بـ "الرأسمالية المعلوماتية"، أدمجوا المعلومات إلى جانب العمل والرأسمال، كمكون أساسي في العملية الإنتاجية.
فنحن اليوم إزاء مجتمع المعلومات، ولكن لسنا بعد في طور »المجتمع المعلوماتي«، الذي تصبح فيه المعلومة هي المعطى الطاغي في كل العملية الإنتاجية، لأنه على مستوى التجهيز، ما زال هناك جزء من المجتمع لم يتمكن من الاستفادة من مضامين الطفرة، ليظل على هامش المجتمع الناشئ، ولذلك أقول إن المجتمع الحالي مجتمع معلومات، وليس مجتمع معلوماتي.
صحيح، أول ما جرى الترويج لمصطلح "مجتمع المعرفة والإعلام" كان بمناسبة تقديم عبد الرحمن اليوسفي لبرنامجه الحكومي، ولست أدري من أين جرى نحت هذا المفهوم، الذي ظل من دون تأسيس، كما لو أن العبارة أريد منها أن تكون لترويج خطاب، مفاده أن المغرب يتابع عن كثب ما يجري في العالم، ويشارك في الطفرة الجارية، واعتبر أن عبارة "المعرفة والإعلام" غير سليمة، كما أن العلاقة بين المعرفة والمعلومات ليست ثابتة، على اعتبار أن المعلومات لا تتحول إلى معرفة أو معارف، وبالتالي لا تتحول إلى رموز ثقافية، إلا بعد مرحلة من الاختمار، لتصبح جزءا من منظومة متكاملة للتربية .
التمركز، الذي تحدثت عنه طبيعي وموضوعي، وإلى حد ما تاريخي، إنه متمحور حول مركزة الثروة والسلطة والمعرفة.
فكل المجالات المرتبطة بالبحث العلمي والتكنولوجيا وتكوين الكفاءات، وما يرصد لمراكز الدراسات والأبحاث، كلها متمركزة بين أيدي الأقطاب الثلاثة الكبرى، والتي هي دول النافطا والاتحاد الأوروبي واليابان ودول جنوب شرق آسيا.
وكون هذه المجتمعات عرفت هذه الطفرة، هو معطى تاريخي واضح، بدليل أنها شهدت المراحل الأولى للاقتصاد المتمركز على الفلاحة والإنتاج المنجمي، ثم انتقلت تدريجيا إلى النشاط التجاري، قبل أن تنتقل إلى المجتمع الصناعي، ثم إلى النظام الرأسمالي، وفي ما بعد إلى ما أصبح يسمى اليوم بـ"الرأسمالية الإدراكية"، أو "الرأسمالية الجديدة" المرتكزة على الاقتصاد الجديد.
فهناك تراكم وصيرورة مجتمعية، أدت إلى هذا الوقع، وبالمقابل، هناك دول العالم الثالث وضمنها دول العالم العربي الإسلامي، التي خضعت لظروف الاستعمار، وخضعت في مرحلة الاستقلالات لما يمكن تسميته بـ "ضرورات بناء الدولة الوطنية".
والملاحظ، خلال هذه المرحلة، أن كل ما رصد من أموال وقدرات كان يتجه إلى ما يخدم بناء هذه الدولة المركزية، وظل قطاع الاتصالات والسمعي البصري يعتبر من الثانويات، بل مجرد ترفيه، وجرى في ما بعد، خلال الخمسينيات والستينيات، توظيف الراديو والتلفزيون، في تمرير خطاب الدولة الوطنية الناشئة، ولم تكن لها وظيفة اجتماعية أو اقتصادية، أو حتى اعتبارها قطاعا اقتصاديا، بل كانت جزءا من بنيان سياسي قائم تدور في فلكه.
وفي المحصلة، عندما انفجرت ثورة الأقمار الصناعية وبنوك المعطيات وشبكات الأنترنيت، وظهرت العولمة، وفتحت الحدود، ثبت أن هذه القطاعات الأساسية، التي تؤسس لمجتمع المعلومات، يجب ألا تبقى ذات وظيفة إدارية خالصة، ما دام أن المعلومة أضحت هي الأساس في بناء الاقتصاد الوطني، وإعداد التراب الوطني، وبناء المنظومة التربوية
من هذا المنطلق، أستطيع القول إنه بدأ الوعي بضرورة الانتقال من تمثل المعلومة التقليدي السياسوي إلى التمثل الاقتصادي، الذي يعتبر المعلومة المحرك الأساس للعملية الإنتاجية، فمن الطبيعي إذن أن يكون هناك شمال متقدم راهن منذ البداية على الشبكات والمعرفة، وعلى الإنتاج المعرفي والمعلومات، وبين مجتمعات راهنت على الجوانب السلبية في توظيف المعلومات والاتصالات.
أظن أن الفجوة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، أو ما يسمى بالأغنياء معلوماتيا والفقراء معلوماتيا، هي نتاج صيرورة تاريخية اشتغلت في إطارها المنظومة الرأسمالية، وأفرزت محيطا لا ينتج المعلومة، وهو متلق لها إلى حد ما، ومنتج ومستهلك لها، يعتبرها الأساس في تحريك الاقتصاد الجديد .
فالفجوة الرقمية، هي إذن معطى موضوعي تاريخي مصدره الفجوة الاقتصادية والتنموية، التي تعتبر جذر الفجوة الرقمية.
إن الأمر يتعلق بالمرتكزات الموضوعية لبناء مجتمع المعلومات، فلا يمكن تمرير مضامين معينة دون التوفر على بنيات تحتية تكون بمثابة حوامل لهذه المحتويات.
وأتساءل هنا ما هو حجم محتويات المكتبة الوطنية، الذي جرى رقمنته، وهل أدمجت وزارة الثقافة كل ما تتوفر عليه على شبكة الإنترنيت؟ الأكيد أن الحصيلة فقيرة في هذا المجال
وبخصوص وضعية الإنترنيت ذاته، فمستوى الارتباط والولوج يبقى ضعيفا، بسبب ضعف البنيات التحتية، من حيث الصبيب العالي، وكلفة الارتباط، بالمقارنة مع القدرة الشرائية للمواطنين.
من جهة أخرى، وراء هذه المضامين، توجد كفاءات وخبرات تقنية وهندسية تعمل على إنتاج الحلول والبرمجيات والخدمات، هذه الكفاءات تضطر، أمام انحسار السوق، إلى الهجرة إلى الخارج، بحثا عن آفاق أرحب لتطوير قدراتها، وتحسين أوضاعها.
والغريب أن البعض يتباهى بحجم خريجي المعاهد والجامعات المغربية من هذه الخبرات، في الوقت، الذي نغذي بها المعاهد والمختبرات الأجنبية.
فهل بهذه الوضعية، يمكن تحقيق مجتمع المعلومات، إن تجربة العراق قبل الاحتلال تبقى مفيدة في هذا الإطار، إذ كان يخصص 200 ألف دولار لاستعادة كل خبرة في المجالات الدقيقة، التي سبق لها أن هاجرت بسبب ظروف الحصار، لذلك فمجتمع المعلومات يحتاج، بالإضافة إلى جانب البنيات التحتية والمضامين، إلى الكفاءات البشرية والحاضنات، التي تؤويها، كما يحتاج إلى نص قانوني يضمن الحق في الولوج إلى المعلومة، لأنه لحد الساعة ليس هناك قانون يجبر وزيرا أو مؤسسة على نشر وثائقها على شبكة الإنترنيت.
إن المطلوب أولا هو تحديد ماذا نريد من مجتمع المعلومات، والرؤية المستقبلية خلال العشرين سنة المقبلة، فهل نريد فعلا تحويل المعلومة إلى جزء من منظومة اقتصادية اجتماعية وسياسية شاملة، أم أننا نريد فقط توظيفها كعنصر للضبط والإكراه والمراقبة؟ وما هي المكانة، التي نريدها للمعلومة في مجتمع متخلف؟ إن توفير البنيات التحتية في مجال الاتصالات والسمعي البصري ضروري، بنيات مندمجة ودامجة لكل الفضاءات الترابية والجهوية والمؤسساتية بجميع أبعادها، وتكنولوجيات شاملة وفائقة السرعة وذات وظائف محددة .
فلا يعقل مثلا أن تكون مواقع جامعات ومعاهد مغربية بئيسة، ومجرد مواقع للتباهي بالتوفر على موقع لا يقدم قيمة مضافة، وغير مرتبطة بالتشبيك المفروض في مجتمع المعلومات.
إن الرهان على مجتمع المعلومات يتطلب التوفر على مؤسسات قوية، وهنا أؤكد أن كسب هذا الرهان يشترط أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في الإشراف المباشرعلى المشروع، والحسم في أسباب تفاقم هجرة الأدمغة، إذ لا يعقل أن يستمر استهلاك خطاب مجتمع المعلومات والمعرفة، في ظل استمرار النزيف على مستوى المواد البشرية.
في غياب هذه المداخل، تبقى بعض المبادرات والمشاريع المعزولة خارج منظور شمولي مجرد خطاب للتباهي والتمظهر، من قبيل الحديث عن الحكومة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية.
المفروض أن التكنولوجيا وسيلة من وسائل تنفيذ مشروع مجتمعي معين، وليست غاية في حد ذاتها، لذلك فالعبرة بالاستخدام والتوظيف، فهل نتوفر على مشروع مجتمعي، حتى نتحدث عن تكنولوجيا لتحقيقه؟ الجواب لا، بدليل ما يجري في الآونة الأخيرة من توزيع حواسيب على عدد من القرى والبوادي، في إطار الحديث عن توسيع الارتباط بالإنترنيت، فهل جرت تلبية الحاجيات الأساسية للسكان القرويين من ماء شروب وكهرباء وتعليم أساسي وسكن لائق وطرق، قبل الحديث عن الإنترنيت؟
والغريب أن عددا من بلدان العالم الثالث وضمنها المغرب، يتصورون أن الحل لكل المشاكل يكمن في التكنولوجيا، والحال أنها جزء من الحل فقط.
في سنة 1974، عندما وصل الرئيس جيسكار ديستان إلى السلطة بفرنسا، وجد قطاع الاتصالات متأخرا، بالمقارنة مع باقي البلدان الأوروبية، فقرر في حينه رصد حوالي 80 مليار فرنك فرنسي، للرفع من مستوى الارتباط بشبكة الاتصالات، وفي ظرف خمس سنوات، أصبحت فرنسا من الدول المتقدمة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مما يؤكد الدور المركزي للقائد السياسي، وللدولة، في اتخاذ القرار وتنفيذه، في إطار مشروع مندمج ومتكامل.