العقد المبرم لا يحمي المقترض ويخدم مصالح المؤسسة المالية المانحة

قضايا قروض الاستهلاك في ارتفاع متزايد أمام المحاكم

الأحد 11 يونيو 2006 - 11:29

على طول شوارع العديد من المدن المغربية الكبرى، تنتصب أمامك لوحات إعلانية ضخمة تدعو إلى الاقتراض بشروط تقول عنها إنها ممتازة.

إذ تغري المقبل عليها عن طريق عبارات في غاية البساطة، مدة طويلة للسداد وفوائد قليلة ومبلغ مادي قليل يدفع كل شهر. لعبة الإغراء هذه التي تمارسها شركات القروض، يقبل عليها طبعا الآلاف من المغاربة أصحاب الدخل القار الضعيف أو المتوسط، الذين يجدون أنفسهم تحت وطأة الراتب غير الكافي لتلبية كل المتطلبات، أو تحت تأثير قدرة الوصلات الإشهارية الخطيرة على الإقناع، التي ترسم صورة المنقذ من جميع المشاكل المادية، لينخرطوا في لعبة تسر بدايتها، لكن عاقبتها، سنوات طويلة بين ردهات المحاكم قد تصل أحيانا إلى العقوبة السالبة للحرية.

تعج المحاكم المغربية حاليا بقضايا قروض الاستهلاك، هو ما أكده الأستاذ هشام محسن، محامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء الذي اعتبر أن القضايا المترتبة عن أداء قروض الاستهلاك بنوعيها سواء منها قروض الاستهلاك المنزلي أو قروض الاستهلاك الشخصي هي كثيرة أمام المحاكم. وأوضح المحامي أنها قضايا تتأرجح بين توجيهها نحو المحاكم الابتدائية أو المحاكم التجارية بالنظر إلى طبيعة الأشخاص إن كانوا ذاتيين أو معنويين وبالنظر كذلك إلى القيمة المادية المطالبة للدين.

وتعرض على المحاكم التجارية، يضيف المحامي، القضايا التي تتجاوز فيها قيمة الدين 20 ألف درهم، قبل التعديل الأخير في السابق كانت ابتداء من 6 آلاف درهم.

وبالنسبة إلى القضايا المتعلقة بقروض الاستهلاك، فهي كثيرة أمام المحاكم، يستطرد محسن هشام، إذ خصصت لها جلسات خاصة لهذه النوعية من القضايا إلى جانب قضايا أخرى من الطبيعة ذاتها، ينظر فيها القضاء في مرحلة ابتدائية بشكل فردي )القضاء الفردي( "وهي قضايا غالبا ما تكون بين شركات السلف أو المؤسسات المالية البنكية المانحة للقروض وبين أشخاص ذاتيين ومعنويين"

من جهة أخرى، أرجع رجل القانون، انتشار القروض في السنوات الأخيرة إلى تردي مستوى الدخل الفردي لغالبية المواطنين وهي نسبة ضعيفة جدا مقارنة بالكثير من الدول الأخرى عن ارتفاع هذه القضايا أمام المحاكم خلال السنوات الأخيرة، اعتبر المحامي أن ذلك "راجع إلى أن قروض الاستهلاك أصبحت نمطا اعتمدته العديد من الأسر المغربية في قضاء الحاجيات المادية الملحة مثل اقتناء المعدات المنزلية، المسائل الملحة والضرورية بالنسبة للحياة اليومية والشخصية المتسمة بالآنية والاستعجالية، وبالتالي يكون اللجوء إليها ضروريا والتسهيلات في الأداء المقدمة من طرف الشركات المقرضة، تجعل الأغلبية تتجه نحوها خاصة الأسر ذات الدخل المحدود".

وعن الأسباب الحقيقية وراء رفع قضايا القروض الناتجة عن الاستهلاك أمام المحاكم، أكد محسن هشام أنها مرتبطة عموما بالتملص من الأداء والتأخير في أداء الأقساط المترتبة عن ذلك القرض في حالة الدفع.

إذ غالبا ما يمتنع ذلك الشخص المستفيد من قرض الاستهلاك عن سداد تلك الأقساط، أو يتملص من أدائها وبالتالي تلجأ مؤسسات الائتمان أو المؤسسات البنكية المقدمة لهذه القروض إلى توجيه الدعوى أمام المحكمة لطلب الأداء.

إلى جانب التملص من أداء الأقساط من جانب المستفيد التي يكون فيها هو المسؤول عن تحريك الدعوى أمام المحكمة هناك قضايا أخرى ترتبط بطبيعة المطالبة بالأداء من قبل الشركة المانحة للقرض، إذ تصبح المسؤولة عن تحريك هذه الدعوى أمام المحاكم، خاصة عندما ينتهي الدين الملزم به المستفيد ولا يلزم بتبعية الأقساط، وتجبره شركة التسليف نظرا لسهو أو خطأ مادي أو خلط، على أداء جديد لهذا الدين، "لأن ما جرى به العمل في مجال الأداءات أو القروض هو أن هناك ما يوازيها من عقد آخر مرتبط بالدين وعقد مرتبط بالأقساط التي تكون متبعة بكمبيالات الأداء، وهو ما يشكل وجود سندان لكتابة الدين ـ من جهة الكمبيالات ومن جهة أخرى العقد المحدد للأقساط وكيفية أدائها ـ وغالبا ما يقع خلط إذ تلجأ هذه الشركات عن قصد أو عن غير قصد إلى المطالبة بهذا الأخير"
إلى جانب التملص من الأداء أو خطأ الشركات المانحة للقروض، يشير المحامي محسن إلى سبب آخر لطرح هذه القضايا أمام المحاكم، إنه الخلاف حول قيمة الفائدة المترتبة عن القروض.

موضحا أن العقود المبرمة على إثر أداء قروض الاستهلاك، تقوم غالبا على تحديد الحالة التي يمكن أن يتماطل فيها المستفيد عن أداء قسط من بين باقي الأقساط الأخرى، ليبقى الخلاف القائم دائما، يضيف المحامي حول نسبة الفائدة، التي تلجأ شركات التسليف إلى المطالبة بها التي تثقل كاهل المستفيد، ومضى المحامي قائلا "إن المطالبة بالفائدة، تخضع في حد ذاتها إلى تقنيات خاصة سواء على مستوى ضبط آلية حسابها من الناحية المادية أو على مستوى تحديد هذه الفائدة التي تتأرجح بين 7 إلى 14في المائة، فإذا بلغت أكثر من 14 في المائة، فهي تصبح مجحفة في حق المستفيد، الذي لن يتمكن من أدائها رغم حصوله على مبالغ كافية لسداد مجموع الدين، ولجوئه إلى تسوية هذه الوضعية المالية وإخلاء مسؤوليته تجاه شركات السلف بطريقة رضائية، إلا أنه يفاجأ بمطالبة هذه الأخيرة له بسداد مجموع الدين إلى جانب مجموع الفوائد، رغم أنه لم يؤد سوى قسطا واحدا، وهو ما يجعل المستفيد المتضرر يلجأ إلى القضاء للمطالبة بالإنصاف".

في السياق ذاته، استشهد الأستاذ صلاح الدين الأعواني، محام من هيئة المحامين بالدار البيضاء، بالفصل 870 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه : "اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له"، والفصل 871 الذي قال "وفي الحالات الأخرى، لا تستحق الفوائد إلا إذا كانت قد اشترطت كتابة ويفترض هذا الاشتراط إذا كان أحد الطرفين تاجرا"، ليوضح أن غالبية قضايا قروض الاستهلاك بنوعيها (القصيرة أو طويلة المدى) المعروضة على المحاكم تطرح إشكالا وحيدا، وهو الخلاف حول نسبة الفائدة المترتبة عن هذه القروض وأكد الأعواني أن المشرع المغربي جاء صريحا في هذا الباب، إذ حرم الفائدة بين المسلمين، سواء كانت ضمنية أو صريحة، واعتبر العقد الذي ينص عليها باطلا.

وأوضح الأعواني أن هذا الاختلاف بين ما ينص عليه المشرع من جهة وبين ما تتضمنه العقود المصاغة من طرف المؤسسات المالية المانحة لهذه القروض، يبين لنا نوعية القضايا المعروضة على المحاكم، ويحيلنا بالتالي على ارتفاع نسبتها خاصة مع تزايد إقبال ذوي الدخل المحدود عليها.

إذ نجد أن المئات من القضايا، يضيف المحامي، الثانوية التي تهم قروض الاستهلاك والقضايا الرئيسية التي تهم قروض السكن، وتسفر أسبوعيا عن بيع شقتين أو أكثر من السكن الاقتصادي في المزاد العلني، وهو ما يؤكد على أهمية هذه القضايا الرائجة
أهمية وارتفاع نسبة قضايا قروض الاستهلاك، أرجعها المحامي إلى عدم تكافؤية العقد المبرم بين الشركة المانحة للقرض (التاجر) وبين المستفيد (شخص ذاتي)، وبالتالي يستطرد المحامي، فهو يصبح عقدا إذعانيا وليس توافقيا، يتضمن قواعد غير متوازنة بين الطرفين.

ويخدم مصالح المؤسسة المالية ويجعل من المستفيد الحلقة الأضعف فيه، وهو ما يثير الجدال حول الفوائد المستحقة والمصاريف البنكية المترتبة عن إبرام هذا العقد، و"لأن الدافع الأساسي وراء لجوء هذا الأخير إلى الاقتراض، هو مشكل اجتماعي أو اقتصادي، يزداد تأزما حينما يفرض على المستفيد فوائد مرتفعة القيمة إلى جانب مجموع الدين، تثقل كاهله وتجعله لا يستفيد إلا من ثلث راتبه الشهري أو أقل على مدى سنوات قد تصل إلى 20 سنة".

ومضى قائلا: "وهو ما يوضح أنها لن تلبي له جميع المتطلبات وتدخله في دوامة القروض الاستهلاكية التي لا تنتهي، فمن قروض الدراسة إلى العيد إلى العطلة إلى المتطلبات المنزلية وهكذا.

وتعمق بذلك أزمته (الاجتماعية أو الاقتصادية) التي حاول أن يحلها في البداية عن طريق الاقتراض ولا يستطيع أن يجاري ذلك القرض ويعيش عالة عليه وهو ما يثير المشاكل لأن العقد المبرم بين الطرفين لا يحمي المستفيد، لكونه مصاغا من طرف القسم القانوني للشركة الذي يسهر على كتابته وتضمينه لشروط والتزامات تخدم مصالح المؤسسة المالية".

الباب الثالث
من ظهير الالتزامات والعقود الخاصة بالقرض بالفائدة الفصل 870 اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له. الفصل 871 وفي الحالات الأخرى، لا تستحق الفوائد إلا إذا كانت قد اشترطت كتابة ويفترض هذا الاشتراط إذا كان أحد الطرفين تاجرا.

الفصل 872
فوائد المبالغ التي تتضمنها الحسابات الجارية تستحق بقوة القانون على من يكون مدينا بها من الطرفين، ابتداء من يوم ثبوت تقديمها.

الفصل 873
لا يسوغ حساب الفوائد إلا على أساس سعر يعين عن سنة كاملة ويسوغ في الشؤون التجارية، احتساب الفوائد بالشهر ولكن لا يسوغ اعتبارها من رأس المال المنتج للفوائد حتى في الحسابات الجارية إلا بعد انتهاء كل نصف سنة.

الفصل 874
يكون باطلا، بين كل الناس اشتراط كون الفوائد غير المدفوعة تضم في آخر كل عام إلى رأس المال الأصلي، لتصبح هي نفسها منتجة للفوائد.

الفصل 875
في الشؤون المدنية والتجارية، يحدد السعر القانوني للفوائد والحد الأقصى للفوائد الاتفاقية بمقتضى ظهير خاص.

الفصل 876
إذا تجاوزت الفوائد الاتفاقية الحد الأقصى المحدد على نحو ما هو مبين في الفصل السابق، كان للمقترض الحق في أن يدفع أصل الدين بعد عام من تاريخ العقد
وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر، غير أنه يجب على المقترض إخطار الدائن كتابة بعزمه على الدفع قبل إجرائه بثلاثة أشهر على الأقل.

ويتضمن هذا الإخطار بقوة القانون تنازلا من المقترض عما يكون قد منح له من أجل أطول
ولا يسري هذا الفصل على الديون المعقودة من الدولة والبلديات وغيرها من الأشخاص على نحو ما هو مقرر بمقتضى القانون.

الفصل 877
يسري حكم الفصل 876 سواء اشترطت الفوائد مباشرة، أو اتخذ اشتراطها شكل الرهن الحيازي العقاري أو شكل بيع الثنيا الذي يستر الربا، أو شكل اقتطاع من رأس المال وقت القرض أو شكل عمولة أخذت زيادة على الفوائد.

الفصل 878
من يستغل حاجة شخص آخر أو ضعف إدراكه أو عدم تجربته فيجعله يرتضي من أجل الحصول على قرض أو لتجديد قرض قديم عند حلول أجله فوائد أو منافع أخرى تتجاوز إلى حد كبير السعر العادي للفوائد وقيمة الخدمة المؤداة، وفقا لمقتضيات المكان وظروف التعامل، يمكن أن يكون محلا للمتابعة الجنائية.

ويسوغ إبطال الشروط والاتفاقات المعقودة بمخالفة حكم هذا الفصل بناء على طلب الخصم، بل حتى من تلقاء نفس المحكمة، ويجوز إنقاص السعر المشترط، ويحق للمدين استرداد ما دفعه زيادة على السعر الذي تحدده المحكمة على أساس أنه دفع ما ليس مستحقا عليه وإذا تعدد.




تابعونا على فيسبوك