أكد الأستاذ الجامعي بنسالم حميش أنه "لولا تجربة ابن خلدون السياسية على المسرح المغاربي والأندلسي وفي المشرق الإسلامي، لما اهتدى إلى ما اهتدى إليه في مجال التنظير السياسي والعصبية كمحرك للتاريخ".
وأوضح حميش، في محاضرة ألقاها بالمكتبة الوطنية بالرباط، أن احتكاك ابن خلدون في سن مبكرة بفطاحلة الفكر والمعرفة فتق عبقريته وانشغاله العلمي، وهو ما يؤكد انتماءه الفكري والوجداني والسياسي والاجتماعي للمنطقة المغاربية، إذ أبدع في المغرب الأوسط (الجزائر) بقلعة ابن سلامة مثلا مقدمته الشهيرة.
وفي هذا الإطار أشار بنسالم حميش خلال هذه المحاضرة التي نظمتها وزارة الثقافة ضمن الشطر الأول من فعاليات تخليد الذكرى الستمائة لوفاة العلامة ابن خلدون، إلى أن هذا الأخير كان يرفض تلك الوطنية الضيقة فهو "مغربي جواني ومغاربي" من المغرب الذي هو موطنه ومنشأه، ومصري حيث أهله وجيله.
وحول نفسية ابن خلدون، قال الأستاذ حميش إنه كان ذا شعور مأساوي، فرضه عليه فرضا عصره العصيب والصعب، ومن ذلك واقع العالم الإسلامي في هذه الفترة، والذي انعكس على الذهنيات والسلوكات، ثم الوقائع الدرامية التي تعرض لها ومنها موت والديه وبعض مشايخه بتونس بسبب الطاعون، واغتيال لسان الدين ابن الخطيب، الذي كان من أعز أصدقائه، ثم شقيقه الأصغر يحيى ابن خلدون، وبعده فقدانه أسرته غرقا في البحر.
وقد تلقى ابن خلدون، الذي قال "إن الإنسان ابن زمانه"، هذه الصدمات واستبطنها، وكل ما كتبه عنها: "فكثر الشغب علي من كل جانب وأظلم الجو علي من أهل الدولة ووافق ذلك مصابي في الأهل والولد وصلوا إلى المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت فذهب الموجود والسكن والمولود وعظم الجزع ورجح الزهد".
وبدل أن ينصاع ابن خلدون، يضيف الأستاذ حميش، "لهذه المصائب العظام، سيحاول استيعاب قواعد علم الاجتماع، والتكيف مع وسطه، ومن تم كانت طبيعته التي قيل عنها إنها كانت متقلبة ومحتالة"، مشيرا إلى أنه قدم خدماته للكثير من الملوك كما أنه كلف بسفارات عدة أشهرها تلك التي أوفده بها محمد الخامس الغرناطي إلى بيدرو الطاغية ملك قشتالة واعتبر حميش أن الحديث عن ابن خلدون، باعتباره من فطاحلة الفكر العربي، ليس من باب التقديس ولا التحنيط، وإنما هو محاولة لرسم صورة تقريبية لشخصية هذا المؤرخ والمفكر والفيلسوف الذي ولد في تونس سنة 733 ه موافق 1332م
وأضاف أنه ولد للعلم عندما احتك بالعلماء والفقهاء الذين صاحبوا أبا الحسن المريني عندما غزا مدينة تونس واحتلها، وحيث سيتعرف ابن خلدون وهو ابن السادسة عشرة على العلامة التلمساني إبراهيم ابن إبراهيم النافلي أستاذه في الشرعيات والعقليات
وقد استعرض المحاضر كذلك المهام التي شغلها ابن خلدون، الذي كان في خضم هذه الأحداث يعرف كيف يستفيد من النزاعات والتناقضات بين الفرقاء والعصبيات، مشيرا إلى أنه عندما كان يشتد عليه الأمر ويحس بخطر عظيم يجد لنفسه مخرجا للفرار.
وأكد المحاضر أن ابن خلدون كان يمارس السياسة إلى حد ما، ويتجلى ذلك "من الكلمات التي كان يستعملها ومنها "ظلمة الجو" و"اكتساح الخرق" و"التخلص من الشواغل" و"أحوال الملوك".
وفي المحور الخاص برحيل ابن خلدون إلى مصر التي وصلها سنة 1384 م وعلاقته بالسلطان برقوق ومن بعده خلفه السلطان فرج، ومشاركته في مفاوضة تيمور الأعرج حول مصير دمشق، أبرز تخلي ابن خلدون "عن عقلية التحايل والمراوغة والإخلاف بالوعد التي كان يشتغل بها وهو في بلدان المغرب، وتحليه بالاستقامة والورع وتشبثه بالزي والخط المغربيين".
وخلص المحاضر في ختام عرضه إلى التأكيد على ضرورة الاحتفاء بذكرى هذا العلم الذي يعد واحدا من رموز الثقافة العربية، مشددا على أن ذلك يعد من آليات "التصدي للثقافات الساعية إلى محو ذاكرة الشعوب، ولكي لا نظهر عرايا من هذا التراث الذي هو تراثنا قبل أن يصبح تراثا عالميا بكل المقاييس".