الأزمة التعليمية في المغرب

أزمة مهام ومسؤوليات

الإثنين 22 ماي 2006 - 10:22

الأزمة التعليمية الحادة ببلادنا هي قبل كل شيء أزمة الالتزام بحدود وضوابط المسؤوليات في إطار المهام المنوطة برجال التعليم وباقي المتدخلين في هذا الميدان، فبغض النظر عن الجانب السياسي وما أنتجه من أزمات لن نتطرق لها هنا، فإن وراء ما يعانيه نظامنا التعليمي م

إنها الحقيقة المرة التي يجب علينا أن نصارح بها أنفسنا، إن كنا حقا جادين في البحث عن علاج ناجع لأوجاعنا، لأن التشخيص السليم جزء من هذا العلاج فالاعتراف بالخطأ فضيلة يفضي إلى فضيلة أكبر تتمثل في العمل على تصويبه.

إن الدلائل والحقائق المعاشة تنطق بلسان حال التسيب الذي تفشى في أحشاء منظومتنا التعليمية، وهو الأمر الذي أدى إلى الاختلال الكلي للموازين داخلها، وبغض النظر، كذلك، عن صنفين من رجال التعليم ما قبل الجامعي )صنف حول مهمته من القسم إلى أمكنة أخرى، وآخر تفرقت به السبل وغرق في مستنقع التضخم المعرفي(، فإن هذا التسيب أفرزته مواقف فريقين يوجدان على طرفي نقيض من بعضهما البعض، فريق امتهن السلبية والتنائي بالنفس بعيدا عن "صداع الرأس" حاذيا حذو المتفرج وغافلا غفلة المغيب والمعزول عن محيطه، و فريق آخر قفز أعلى بكثير مما تسمح به مؤهلاته.

قفز فوق الحد المطلوب الذي تمليه مقتضيات الإيجابية وذلك عبر ركوبه للصعاب وخوضه للمغامرات واقتحامه للميادين التي لا يؤهله مستواه المعرفي للترامي عليها في حركية الذي يريد إثبات الذات والقول بلسان الحال ها أنا ذا والعجيب في الأمر هو أنه مع مرور الزمن، فإن مواقف وتصرفات كل فريق تزيد في جنوح الفريق الآخر أكثر فأكثر إلى ما هو عليه بحيث تتجدر سلبية الفريق الأول في تركه لمجالات اختصاصاته شاغرة فيتطاول عليها الفريق الثاني الذي تساوت في نظره ومفهومه المؤهلات في كل المجالات والتخصصات.

وفي حقيقة الأمر، فإنه في كلتا الحالتين يتبين جليا أن كلا من الفريقين لم يلتزم حدود المسؤولية التي يمليها التأهيل المعرفي والخلقي للمهام المنوطة به، فمنهم من تقاعس دونها ومنهم من تعداها.

نعم، هناك فريق تقاعس أو أرغم على التقاعس عن القيام بمهامه وله مبرراته في ذلك وآخر تطاول و تعدى حدود مؤهلاته وما هو مطلوب منه، فضاع التعليم وتكوين رجل الغد بين التفريط والإفراط.

ضَاع على الخصوص بين هذين الفريقين من رجال التعليم الذين تعاقدوا من غير عقدة و تآمروا من غير مؤامرة على الإضرار بالمنظومة والنظام التعليميين ورهن مستقبل البلاد من حيث لا يدرون ومن حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا.

فالفريق الثاني، حتى وإن كان يظن أنه يقوم بما يجب القيام به فإنه أساء كثيرا لمنظومة التعليم والتكوين من حيث أنها أصبحت مرهونة برؤيته وتخطيطه وكتاباته، لقد أساء أكثر من الصنف الذي حول مهمته من القسم إلى أماكن أخرى، لأنه لو التزم الأول حدود مهمته لما اختلت موازين المنظومة التعليمية كلية ولما فتحت لهذا الصنف أبواب غير أبواب القسم.

فلماذا إذن تناط المهام وتحدد المسؤوليات بكل وضوح إذا أصبح من السهل على أي أحد الإخلال بها حسب هواه؟، فالتعليم والتكوين قطاع وطني حيوي وجد حساس يحظى فيه تحديد المهام والمسؤوليات مبدئيا بعناية فائقة واهتمام بالغ عند كل من يراهن على تأمين مستقبل مشرق ومشرف للبلاد.

فالمعلم مثلا، "رجل" الميدان بامتياز، رجل المهمات الصعبة المتعهد بوضع ورعاية الجذور التي تهيئ لنمو العملية التعليمية عبر أطوارها المتلاحقة، يتعامل مع التلميذ بحيث تنحصر مهمته الأساسية في إرساء الأساس اللغوي السليم والمتين الذي يتحمل ثقل قاعدة هرم العملية التعليمية المتجه إلى الأعلى ويمدها بما يقوي أواصرها.

والمفتش تتمثل مهمته الأساسية في التعامل مع المدرس بحيث يعمل أساسا على تقصي مكامن الخلل الافتراضية الكامنة في تكوينه والتي تتجلى في نوعية التدريس والتكوين الاذين يقوم بهما وهذه النوعية في التكوين تتجلى من خلال المستوى اللغوي والمعرفي للتلاميذ والذي يعد بحق لسان حال أية منظومة تعليمية.

إذن، فالدور الأساسي للمفتش هو أن يحسن الإصغاء لهذا الناطق الرسمي بلسان الحالة الصحية للعملية التعليمية ويعمل تبعا لذلك على تقديم الإسعافات الأولية عبر التنبيه والإرشاد، كما عليه كمراقب ميداني أن يرفع التقارير العلمية الميدانية إلى الجهات المختصة (تحديد المهام) التي على ضوئها تعمل على التأسيس لأنماط معينة ومحددة من التكوين وإعادة التكوين والتكوين المستمر بمؤسسات التعليم العالي ذات الاختصاص الكفيلة بتقويم نوع الخلل عند المدرس، وهذا هو ما ينادي به السواد الأعظم من رجال التعليم ما قبل الجامعي في ظل ما يعيشونه من اختلالات معرفية عميقة في كل الميادين وعلى كل المستويات.




تابعونا على فيسبوك