هويتنا والعولمة للدكتور عباس الجراري

الدعوة إلى تحديث الأصالة وتأصيل الحداثة

الجمعة 19 ماي 2006 - 14:50

يؤكد الدكتور عباس الجراري أن هويتنا العربية الإسلامية ليست عامل تضييق وانغلاق وانزواء، ولكنها عامل توسيع وانفتاح وتحاور والتقاء، موضحا أن التمسك بها يعني نبذ الشعور بالاغتراب، ويعطي الحق في التميز، ويمكن اتخاذها مجالا للحوار والتواصل.

في كتابه "هويتنا والعولمة" يلاحظ الدكتور عباس الجراري أن العرب والمسلمين يتحركون فرادى وبانفعالات ذاتية، في حين أن العالم يريد أن يتعامل مع دول مجتمعة وموحدة، أي مع تجمعات وليس مع دول متفرقة.

ويضيف المفكر نفسه : "إن هذا البعد الجماعي هو ما نفتقده، أو بالأحرى تفتقده النخبة الباحثة عن سبيل الخروج من مأزق التخلف، أو هي في الحقيقة تستبعده، غافلة عن قوة رصيده ومدى ما له من فاعلية وتأثير" ويدعو كذلك إلى "أن نحدّث الأصالة ونؤصل الحداثة، في غير تزمت يؤدي إلى الانطواء، وفي غير انبهار يفضي إلى الاستلاب".

يشير الجراري في مقدمة كتابه إلى أن إثارة قضية هويتنا والعولمة تنطلق من السعي إلى إيجاد مكان لهذه الهوية، حتى تستمر قادرة على الحياة، وحتى نكون مؤهلين لمواصلة المسير وإمكان العيش.

ويذكر بالحقيقة المؤلمة التالية : إن الواقع الذي يعانيه العالم ـ والعربي والإسلامي منه على الخصوص ـ يبرز مدى التمزق الذي تعمقه وتوسع خروقه القوى الكبرى، العاملة بكل الوسائل ـ مهما تكن غير مشروعة ـ على أن تبقى هي وحدها المتحكمة في المنظومة الدولية، بغرور وطغيان، ومن خلال قطبية لا تنافس ولا تنازع، ولو على حساب حاجات الشعوب المستضعفة ورغبتها في التعايش والتواصل والتعاون بأمن وسلام.

ويتابع قوله إن مواجهة تلك الهيمنة بالنسبة لهذه الشعوب، سوف لا تستند إلى القوة العسكرية أو حتى الاقتصادية ـ على أهميتها ـ، ولكنها ستعتمد بالدرجة الأولى على العنصر الحضاري والثقافي، متمثلا في هوية تلك الشعوب، بكل المكونات التي تشكل هذه الهوية، بدءا من العقيدة واللغة والتراث.

ويشدد على أن الإلحاح على مقوم العقيدة ينطلق من الحالة الراهنة التي يعيشها الإسلام، باعتباره قوة تزعج خصومه، وباعتباره هدفا لهم، على حد ما تكشف الحرب الصليبية الجديدة التي لم يخفف من حدتها زعم الحوار ودعوى التعايش.

وبعدما يعرض منظور الإسلام للهوية من خلال توجيهات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وما يعززهما من حكم التراث وما يملأه من أدبيات إرشادية، ينتقل للحديث عن العولمة من حيث كونها نظاما يسعى إلى فرض خططه المالية والاقتصادية والتسويقية، ومن خلال ذلك فرض أفكاره ومناهجه، ثم قيمه وأنماط سلوكه، ليصل في النهاية إلى فرض هيمنته وسيادته.

ويبرز القطبية الأحادية التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الصدد، بما تمثله من تقدم تكنولوجي، تتجسد قوته في الثورة التي تشهدها المعلوميات، والتي أحدثت تغييرا في المفاهيم والمسارات التابعة لها، بدءا من الاقتصاد العالمي وإمكانات توجيهه والسيطرة عليه وهو وضع ـ يضيف المؤلف ـ تواكبه المجموعة الأوربية أو تسير في ركابه، علما بأن الدول الآسيوية تزاحم فيه وتنافس بمهارة واقتدار.

ويستدرك بالقول إن تأثير هذه الثورة يضعف حين يتعلق الأمر بالثقافة التي يبدو أنها لن تنقاد ـ كما انقاد الاقتصاد ـ سواء بالنسبة لأوربا أو آسيا فتمسك الأوربيين بهويتهم أو هوياتهم الثقافية واضح، ومثله تمسك الآسيويين، إن لم يكن هؤلاء أكثر تشبثا وإيمانا بثقافتهم.

والسبب كامن في ما لهؤلاء وأولئك (الآسيويين والأوروبيين) من إرث ثقافي غني يشكل هوياتهم بثوابت راسخة، تتمثل ـ على الخصوص ـ في اللغة وما يرتبط بها من فكر وأدب وقيم تجعلهم بها يصمدون، غير قابلين للاندماج في السياق الثقافي الذي تحاول فرضه تلك الثورة.

وهم، بهذا الرفض موقنون أن حرصهم على ثقافتهم لا يحول، بل لم يحل دون التنافس في عالم الاقتصاد والتبريز في هذا الميدان.

ويتوقع الكاتب أن يحمل تيار العولمة للشعوب أنماطا من التحرر والانفتاح، إلا أنها ـ كما يقول ـ لن تستفيد منها إلا فئة معينة من هذه الشعوب، طالما أن معظمها ما زال يرزح تحت وطأة الفقر والأمية والحياة التقليدية، بعيدا عن وسائل الحضارة الحديثة.

وهذا لا شك عائق يمنع اندماجها في التيار، بل ربما ستزيدها العولمة تهميشا وتخلفا سيفرضان عليها المزيد من القهر والاضطهاد، ليس من قبل العولمة مباشرة، ولكن من قبل الفئة المحلية المستفيدة منها، أي من قبل النخبة المؤهلة التي قد تواجه ـ على المدى القريب أو المتوسط ـ صراعا داخليا، أو صداما مع الفئات غير المستفيدة ثم يدعو الجراري إلى الانخراط الواعي والفعال في العولمة، إذ يقول: "حتى لا نكون متطفلين أو عالة أو مجرد مستهلكين أو أدوات استهلاك، فإن علينا أن ندخل في سياق العولمة بهويتنا الإسلامية، وقبل ذلك علينا أن نتخلص من عقد الماضي وما رسخه واقع التخلف في النفوس، مما يحتم أن نراجع ذاتنا من خلال مفهوم صحيح لهذه الهوية، من شأنه أن يرد الاعتبار للشعوب الإسلامية، ويمنحها مكانتها الحق، ويجعلها ليس فقط قادرة على التكيف مع العولمة والإسهام فيها أو الاندماج، ولكن يجعلها أيضا مؤهلة لإيجاد التوازن اللازم بين القوى الحالية أو المتوقعة".

ويدعو إلى النظر إلى الخصوصيات التي يتميز بها كل قطر من الأقطار العربية والإسلامية، ليس باعتبارها عناصر تفريق وتفقير لكيان الأمة، ولكن باعتبارها عناصر تقوية لتجميعها وإخصابها، واستثمارها لإغناء تراكمي وإبداعي كذلك لحضارة العرب والمسلمين وثقافتهم، وبالتالي لهويتهم المشتركة، وجعلهم قادرين بها على مواكبة العولمة والمساهمة فيها بفعالية وإيجاب.

ويختم المؤلف كتابه بالقول : إن من شأن هذا الانخراط في العولمة أن يجعلنا قادرين على تعديلها لتكون معتدلة ومتوازنة، ولتكون في النهاية بشرية وإنسانية، بما يقتضي مراعاة الجوانب البشرية والإنسانية للمجتمعات، ولاسيما ما تبرزه الثقافات المختلفة لهذه المجتمعات، والنامية منها على وجه الخصوص، وفي طليعتها العربية والإسلامية، في تمسك بقيمها ونسقها الفكري وسياقها الخلقي، بعيدا عن أي تنميط مفروض ومرفوض في الوقت نفسه.




تابعونا على فيسبوك