شريط جربافيتشا صرخة ضد اغتصاب البوسنيات

الرباط : أمينة بركات

الأحد 14 ماي 2006 - 10:48

شريط جربافيتشا هو الصرخة التي أطلقتها المخرجة البوسنية اسماعيلا يبانتش ـ 32 سنة ـ لكسر المسكوت عنه وتعرية الفضائح التي نتجت عن الهجمة الشرسة للصرب على البوسنة وخلفت مشاكل لا حصر لها من بينها الاغتصابات التي تعرضت لها النساء المسلمات في المنطقة.

وتعتبر جرائم بشعة مازالت تعاني منها الضحايا اللائي يعانين في سكون رهيب تحت قانون الطابو بالرغم من انها عملية تسببت في شرخ عميق في قلب وعقل الضحايا لأنه أساء الى شرف و كرامة النساء أولا و ثانيا لأنه جرم يعاقب عليه القانون خصوصا وانه جرم القصد منه الإساءة الأبدية للضحايا.

لقد كانت عمليات الاغتصاب الجماعية تزرع الرعب في قلوب النساء البوسنيات لأنه سلوك ممنهج ومنظم لمليشيات مجندة لهذا الغرض، فجاءت اسماعيلا يبانيتش لتفجر هذة الفضيحة والحديث عنها بدون تحفظ ولكن أيضا بدون ميوعة، تكفي الايحاءات لما يجري لتقول الحقيقة حتى تبتعد عن الابتدال، معالجة الموضوع بهذف الرفع من معنويات الضحايا والتخفيف من العذاب النفسي الذي تعشن فيه من جراء طعنة رسمت إلى الأبد في حياتهن.

واتخذت المخرجة البوسنية من السينما وسيلة للتعبير الواضح بالصوت والصورة عما يرهقها نفسيا ومعنويا كبقية زميلاتها فعالجت الموضوع باعتباره عملية من المفروض ان تكون حميمية بين طرفين و برضاهما لكنها اتت في قالب »الجميلة والوحش الذي نهش عرضها بهمجية وتولد عنها حمل غير شرعي وغير مرغوب فيه بالأساس«، وهو أقسى ما يمكن أن تتعرض له المرأة في حياتها الشخصية.

فازت اسماعيلا عن عملها هذا بجائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين الدولي في نسخته الأخيرة بعد ان أثار الرأي العام العالمي "جربافيتشا" يجسد قصة امرأة تمثل النساء الضحايا في بوسنة ما بعد الحرب، تعرضت للاغتصاب على يد جنود صربيين وأسفر التعدي عن ميلاد طفلة بريئة، فكيف ستتطور العلاقة بين الأم الضحية الرئيسية والطفلة التي تعتبر في نظر المجتمع لقيطة.

تمزق الأم تجاه حب ابنتها كجزء منها وشعورها بالألم لأنها نتيجة وضع معين فرضته الظروف عليها وظلم فادح لحق بكيانها، وكيف يمكن قبولها والتعايش مع سر مدفون ينهش داخلها ، و هل المجتمع واع بهذا الوضع، ثم موقف الحكومة من المعنيات بالأمر والتعامل معهن كضحايا حرب لابد من ادماجهن في الحياة العادية وتحسيسهن بأنه لا ذنب لهن في المشكل، و ماذا يقول الشرع والقانون.

في هذا العديد من الأسئلة التي راجت في ذهن المخرجة حاولت أن تقتسمها مع جمهورها و المعنيين بالموضوع، وبالتالي الفيلم جاء لتحريك هذا الملف والحديث عنه كمخلفات لحرب اندلعت و تسببت في مشاكل ما زالت نتائجها تكبس الأنفاس لأنها وصمة عار على جبين الإنسانية ، الأحداث تدور في حي جربافيتشا حيث تعيش أسما وتقوم بالدور الممثلة الصربية مرجانة كارانوفيتش وابنتها الوحيدة سارة ـ الطفلة لونا ميوفيتش 12 سنة.

اختيار اسماعيلا للحي لتصوير أحداث الشريط جاء لكونه كان معسكرا للجنود الصرب بين عامي 1992 و1995 وبالتالي تسرد حياة اسما التي تعمل كنادلة في إحدى الملاهي الليلية لتتفرغ لتربية ابنتها سارة في النهار فتنسج علاقة حب وثيقة بين الطرفين لا تعكرها إلا نوبات عصبية أكيد أنها ناتجة عن تذكر الأم للحظات عصيبة في مواجهة المغتصبين ولا ترى تفسيرا لهذه التصرفات الا الضغوطات اليومية، علما أنها تعتقد أن أباها بطل استشهد في الحرب وذلك حسب رواية الأم حتى لا تتسبب الحقيقة في عقدة نفسية لها.

جعلت المخرجة من بطلتها الصغيرة محورا رئيسيا حاولت أن تسرد من خلاله تحريات سارة و بحثها عن قطعة البازل الضائعة لتكتمل الصورة بعدما بدأت تشك في وجود أب بالمواصفات التي حكتها اسما مما يثير أعصابها و تضطر وهي في حالة انفعال أن تبوح بالسر الثقيل لسارة التي تنهار أمام هول الحقيقة التي طالما حاولت الأم اخفاءها والتحايل عليها في حين هذا الأب ما هو الا جندي صربي حقير لا قيمة له في سلم الإنسانية.

وفي خضم هذه المواقف الدرامية حرصت اسماعيلا يبانيتش على أن تحتفظ على بعض الخيوط الرفيعة كرباط بين الأم والابنة التي يبدو أنها تقدر عذابها ولا تحملها المسؤولية في ما حصل بالرغم من الخدوش التي أصابت هذه العلاقة وهي إشارة من المخرجة لعدم إدانة الضحايا ومساعدتهن لتخطي المشاكل التي يعشنها في ظل جو من الضغوطات الاجتماعية والدينية والشريط في الأساس هو رؤية مستقبلية تدعو للتفاؤل والاستمرار في الحياة من خلال الطفلة و الرحلة الجميلة كلها عناصر ترمز الى غد أفضل لبلد عانى الكثير من جراء حرب أبدع فيها مجموعة من المرضى النفسانيين اتخذوا من البسنيين المسلمين هدفا لهلوساتهم.

وبجربافيتشا تنضم اسماعيلا إلى صف المخرجات اللائي تحملن المسؤولية لرفع الستار عن المسكوت عنه والحديث عن كل ما هو طابو في عيون المجتمع لأنه يضرب كيان النساء في الصميم، أصوات جميلة خرجت من وسط ركام دول تعاني من الحروب الأهلية والعاهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نساء حملن عدتهن وخرجن للتعبير عن همومهن بالصورة المتحركة ليقلن للعالم أن المرأة تمثل نصف المجتمع وعنصرا كامل المواطنة.




تابعونا على فيسبوك