لقاء صريح مع الفنان عبدالقادر البدوي

الذكرى الستون أو مسار مسرح متميز

السبت 13 ماي 2006 - 10:34
عبد القادر البدوي

ينهمك مسرح البدوي هذه الأيام، في الاستعداد لانطلاق جولة مسرحية، عبر ربوع الوطن تخليدا لحدث فني مهم يتمثل في الاحتفال بالذكرى الستين( 60) لوقوف مؤسس هذا المسرح الفنان عبدالقادر البدوي.

الذي خولت له هذه العقود من الممارسة، ومن الحضور الفاعل أن يحتل موقعا من مواقع الريادة والرمزية، وقد كان هذا الحدث مناسبة لنفتح حوارا مطولا مع الفنان عبدالقادر البدوي، يتناول إلى جانب هذا الحدث محاور أخرى مرتبطة بالمسرح الاحترافي والأشواط التي قطعها المجال في إنجاز وتحقيق الملف المطلبي للحركة المسرحية الاحترافية بالمغرب.

إذن كيف يرى الفنان عبدالقادر البدوي المسرح المغربي ما قبل اللقاء الملكي سنة 91؟ وماذا تم تداوله في هذا اللقاء؟ وماهي الأسباب التي جعلت الرسالة الملكية حبيسة بعض الأدراج لحد الآن، ورغم مرور كل هذه السنوات على توجيهها للمحترفين؟ ومن المسؤول على إقبار آوامرها؟ عن هذه المحاور وغيرها يتحدث عبدالقادر البدوي في هذا الحوار المليء بالبوح الصادق، وبالكثير من الحقائق الصادمة التي تجعل أب الفنون متعثرا، رغم كل هذه العقود من سنوات الاستقلال.

٭ الفنان عبدالقادر البدوي نقترح عليكم منهجية لهذا الحوار الذي نرى تقسيمه إلى أربعة محاو وهي كالآتي : حال المسرح المغربي قبل اللقاء الملكي الذي شكل محطة انتقال هاته ثم محور اللقاء الملكي، لنصل الى المحور الثالث، وهو مصير الرسالة الملكية التي افتتحت أشغال المناظرة، لنتحدث في المحور الأخير عن استعدادات فرقتكم لتخليد الذكرى 60، لوقوفكم على خشبة المسرح المغربي سنة 1946، إذن ماذا تقولون عن المحور الأول؟

ـ قبل الإجابة أود أن أشكركم على هذه الالتفاتة الإعلامية خصوصا وأن مسرحنا، سار كل هذا المسار، بفضل الإعلام المغربي على اختلاف مشاربه، أما عن حال المسرح.

المغربي، قبل اللقاء الملكي سنة 91، فهو واقع معروف، كان يتميز بانعدام كل القوانين المنظمة، وهو حال اليوم أيضا، وكانت ثلاث أو أربع فرق محترفة هي التي توجد في الساحة، ورغم وجود فرقة مسرح محمد الخامس بإمكاناتها وتمويلها، وخدمة الإدارة لها الا أن ما تقدم من أعمال لم يكن يجذب أي جمهور، بل ان بعض جولات هذه الفرق، قد توقفت بعد عزوف الجمهور، رغم الدعاية التي لاتنقطع في وسائل الإعلام.

والحقيقة هي أن الجمهور المغربي كان يبحث عن الفرجة في المسرح الجاد والاجتماعي عكس المسرح التجاري الصرف الذي تبنته فرقة مسرح محمد الخامس المعتمد على الاضحاك من أجل الإضحاك.

كما كانت البنية التحتية منعدمة مثلما هو الأمر حاليا أيضا، أي أن الوضع كان غير مريح ولكنه ليس بهذا الاسفاف الحاصل الآن خصوصا وأن الملف المطلبي للحركة المسرحية أخذ يتشكل بوضوح عندما كوننا النقابة الوطنية لرجال المسرح في موسم 79 ـ 80، بعد عقدنا لسلسلة طويلة من الاجتماعات مع المسرحيين والنقاد ورجال الإعلام داخل نادي الفرقة، وكانت هذه الاجتماعات تعقد كل أسبوع، لذلك جاءت ولادتها بعد مخاض شاق، ولكنه مؤثر لأن هذه النقابة أعطت شحنة قوية لمطالب رجال المسرح وتوجت بروزها بتنظيم أكبر مهرجان فني عرفته الدارالبيضاء، اذ استطاعت تنظيم أزيد من 100 عرض مسرحي وفني خلال شهر رمضان وشملت العروض كل نواحي المدينة، وهذا ما فرض على المسؤولين الأوصياء على القطاع الدخول معنا في مفاوضات في الوقت الذي واصلت فيه النقابة تحقيق مكاسب للساحة المسرحية، ومن ذلك تأسيس خمس فرق جهوية وأشرف على تكوينها أعضاء في المكتب الوطني للنقابة.

وكان من نتائج المفاوضات تحقيق مكسب حق الإعلان عن العروض المسرحية على شاشة التلفزة المغربية مجانا ولصالح كل الفرق المنتمية للنقابة، كذلك وفي السياق نفسه حققنا نوعا من الكوطا حول العروض والمسلسلات من خلال اتفاق يعقد بداية كل سنة حتى تتضح الرؤيا أمام الجميع، اضافة الى مكتسبات كثيرة أخرى لايتسع المجال لاستعراضها كاملة، لكن في المقابل كان هناك من يعادي النقابة وأعضاءها ومنجزاتها خصوصا رموز المسرح المعاكس الذين رأوا ان هذا التحرك يهدد مصالحهم المادية الذاتية والذين كانوا منتشرين في المصالح والوزارات، لذلك سارعوا إلى عرقلة هذا التنظيم الواعد من خلال افتعال المشاكل والعراقيل، وإغراء ذوي الضمائر الميتة، ولا أبالغ اذا أخبرتكم أنهم وضعوا مخططا من هدفين اثنين : القضاء على النقابة وعزل وحصار عبدالقادر البدوي .

ونتيجة كل هذه الخيانة الفنية هي أنهم قايضوا مصلحة المسرح بمصلحتهم إذ انسحبوا من الصراع مقابل فضاءات، وقطع أرضية، ومنح للدراسة خارج الوطن، وغيرها مما لانعلم، واعتقد أن ذلك شكل بداية لانهيار كل ما أنجزناه، إذ ماتت معظم الفرق المسرحية مما جعل فرقتنا تشعر بأهمية مواصلة السير رغم كل المعوقات المقصودة، وهو ما كان حيث واصلنا نضالنا وحضورنا، كل هذه العقود بفضل إيماننا برسالتنا، وبفضل دعم جمهورنا لنا.

٭ إذن، في هذه الأجواء جاء اللقاء الملكي، ماذا عن ظروف هذا اللقاء، وكيف تم، وماذا كان موقف الملك المرحوم من قضايا المسرح والمسرحيين؟
ـ اللقاء الملكي موضوع السؤال كان سنة 91، اذ في هذه السنة قررت التلفزة المغربية إحياء اليوم العالمي للمسرح من خلال ندوة تلفزية مسرحية ينشطها إدريس الإدريسي، وحين استدعائي للمشاركة في الحلقة، اشترطت أن أتكلم بكل حرية بدون قيود، أو موانع، وفعلا تم قبول هذا الشرط، وقدم البرنامج مباشرا مما لم يمكن المقص من التدخل فيه، وقد حاول البعض ان تطغى المجاملات على الحلقة، وأن لايصل الكلام إلى عمق الاشكالات الحقيقية، وهو ما تصدينا له من خلال تفجير مجموعة من المسكوت عنه، ومن الطابويات الفارغة، وصادف ان تابع جلالة الملك المرحوم هذا البرنامج، والذي قرر استقبالنا جميعا، حيث اتصلت بنا وزارة الداخلية لتخبرنا بالاستقبال الملكي، وحددت الساعة 9 ليلا في القصر الملكي العامر بالرباط في أجواء رمضانية رائعة، أما عن موقف جلالة الملك فقد لاحظنا اهتمامه الشديد بالفنون، ومنها المسرح، ثم حرصه الشديد على معرفة الصغيرة والكبيرة، في ملفنا المطلبي، وللمتابعة، شكل بأمر منه لجنة ملكية تضم العبد الضعيف، والطيب الصديقي وعبدالواحد عوزري، حيث كلفنا بوضع تصور لإنعاش المسرح المغربي.

، وفعلا فقد تم تكوين عدة لجان لوضع هذا التصور وبذل مجهود مشكور أشرف عليه الفنان عبدالرزاق البدوي، وحميد الزوغي، والفنانون يذكرون الحماس الذي ساد الساحة، والتفاؤل الذي عم نفوس المسرحيين، وبعد طول عمل وبحث واتصالات انجزنا التصور وسلمنا نسختين لوزارة الثقافة، ولوزارة الداخلية، لترفع الى جلالة الملك، وهو ما تم فعلا حيث جاءت المناظرة والرسالة الملكية التي افتتحت جلستها الافتتاحية، والتي كانت ردا على التصور، إذ اتخذ جلالة الملك مجموعة من الإجراءات التي شكلت ميثاقا للمسرح المغربي، والقادرة على إنعاشه فعلا من خلال تخصيص 1 في المائة من القيمة المضافة للمسرح، وأمر بإنشاء 12 مسرحا جهويا مع توصية شفوية من جلالته للمسرحيين بأن يعتمدوا في حل كل المشاكل عليه، وأن يكون هو مرجعهم الأول والاخير، إلى أن يخرج مشروع التقنيين والتنظيم إلى الوجود.

إذن عوض أن يضع المسرحيون، أو بعضهم على الأصح مصلحة المسرح، فوق كل اعتبار ذاتي، وعوض التوحد والاصطفاف وراء مسرح البدوي، الذي كان دوره فاعلا في تحريك كل السكون الذي كان يهيمن على الملف المطلبي، وعوض تفعيل الرسالة الملكية، وأوامرها الواضحة، وعوض تقوية اللجنة الملكية، عوض كل ذلك انجروا إلى تمزيق الصف المسرحي، من خلال تأسيس فرق وغرف ونقابات مزيفة ومفبركة، ورأينا هذا الهجوم الكاسح من الهواة الذين أرادوا هم الآخرون مزاحمة المحترفين : والنتيجة هي عزلي وحيدا، بعد ذهاب شخص للاشتغال خارج المسرح، وذهب الثاني لقضاء أغراضه الخاصة، وأصبحا هما الآخران رغم عضويتهما في اللجنة يلعبان على كل الحبال، علما أن وزارة الثقافة، ووزارة الداخلية تمتلكان من السلطة ومن القانون، ما كان يمكنهما، من وقف كل هذا العبث رغم محاولاتهما الممثلة في عقد اجتماع بمدينة تطوان خصص لتفعيل الرسالة الملكية، حيث تكلم الجميع إلا رجال المسرح المعنيين، وان الجميع قادر على إنجاز كل الملفات إلا الاستعداد لتفعيل أوامر الرسالة الملكية.

٭ والآن ماذا عن الذكرى الستين التي تهيئون لها برنامجا كبيرا ومتنوعا؟
ـ فعلا اعتاد مسرحنا في إطار ترسيخه للتقاليد الفنية والأعراف المسرحية تخليد بعض الذكريات المرتبطة بمسار مسرحنا، وفي هذه السنة التي تعزز فيها مسرحنا بدماء شابة ومسلحة بالعلم والمعرفة، والتكوين في أعلى المعاهد، حيث عاد أبنائي إلى أرض الوطن، لإكمال هذه المسيرة الطويلة، رغم انهم مطلوبون خارج الوطن، في هذه السنة قرر مسرحنا الاحتفال بالذكرى الستين لوقوفنا على خشبة المسرح المغربي، منذ سنة 1946، ولهذه الغاية فقد قررنا القيام بجولة عبر كل ربوع الوطن تتضمن أزيد من ستين حفلا مسرحيا تتضمن مسرحيات ترمز إلى مرحلة من المراحل القوية في مسار فرقتنا مثل (في انتظار القطار)، و (الحلقة فيها وفيها)، و (البخيل)، إضافة الى مسرحيات تربوية خاصة بمسرح الطفل ومسرح الطلبة، وهما الفنان اللذان كان مسرحنا سباقا في ابتكارهما، إضافة الى مسرح العامل، وقد عززنا هذه العروض المسرحية ببرنامج ثقافي يتضمن محاضرات، وندوات، وموائد مستديرة، حول مسار المسرح المغربي من خلال مسار المسرح البدوي، إضافة الى معرض للمصلقات والصور والقصاصات الصحافية التي تعكس مسار فرقتنا، وهذه الجولة التي ستنطلق بحفل رسمي أما من الدارالبيضاء أو الرباط، سيكون الدخول إليها بالمجان حتى تتيح لأكبر عدد من جماهيرنا الاحتفال معنا
وفي السياق نفسه قدمنا مجموعة من المشاريع لانجاز مسلسلات ومسرحيات تلفزية، وهي الآن في طور الإعداد النهائي، بمعنى آخر نريد أن تكون سنة الاحتفال بالذكرى الستين حافلة بالأعمال المسرحية والإذاعية والتلفزية، وسيتوج كل ذلك بافتتاح مدرسة للتكوين المسرحي تعتمد المنهاج الأكاديمي، وستشرف على هذه المدرسة ابنتي حسناء البدوي، بحكم تكوينها الجامعي، اضافة الى افتتاح مدرسة للتكوين التلفزي والسينمائي سيشرف عليها ابني محسن، الحاصل على شهادات عليها في هذا الاختصاص ستفتح المدرستان في وجه العموم ابتداء من الموسم المقبل علما أن هذا النوع من مدراس التكوين المختصة غير موجود بالمغرب.

وحتى ننجز هذا البرنامج بشكل لائق، فقد كاتب مسرحنا مجموعة من الوزراء، ومن مؤسسات الدولة، مثل الوزير الأول، ووزير الثقافة، ووزير الداخلية، ووزير التربية الوطنية، ووزير الاتصال، حيث خصصنا ملفا متكاملا لكل وزارة حتى توفر لنا نوعا من الدعم المادي والمعنوي خصوصا وأن برنامجنا لهذه السنة يتقاطع مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك قصد الاعتناء بالمواطن، باعتباره أهم رأس مال، ونحن ايضا نريد أن تكون احتفالاتنا جماهيرية لأن فرقتنا هي فعلا فرقة أجيال عديدة تعاقبت داخلها.

كما أن طموحنا تمثل في حصول هذه الاحتفالات بالذكرى الستين على الرعاية الملكية لصاحب الجلالة راعي الفن والشباب، والذي لايبخل بعطفه على كل المبادرات التي تفيد الشباب المغربي ومسرحنا قام بما هو مطلوب منه، وأكثر في مجال تأطير العنصر الشباب وحمايته من الانحراف أو من السقوط في فخ الظلامية والبغض والعنف، إضافة الى ما تحفل به هاته الاحتفالات من قيم الوفاء للمبادىء والقيم العليا وتكريم الرواد والرموز الذين أخلصوا تضحياتهم لخدمة الوطن وقضاياه، والدفاع عن مقدساته، وبالتالي فإن المرجو هو ان تتكاثف معنا كل الجهود الطيبة والنيات الحسنة حتى تبرز هذه الاحتفالات بالشكل الوطني المطلوب خصوصا واننا نستحضر في مثل هاته المبادرات العمل على إنعاش المسرح وعروضه أمام هذا الجمود الذي يسكن كل الساحة المسرحية في غياب أعمال وعروض جديدةو ناهيكم عن تجديد العلاقة واحيائها بين الجمهور المغربي التواق الى فنون وثقافة وطنية والمسرح كحركة فكرية وتنموية مؤثرة.

٭ هل من كلمة، أخيرة نختم بها هذا الحوار معكم؟
ـ أجدد لكم الشكر على هذه الالتفافة، آملا أن نجد الدعم المساندة في هذا النشاط المهم الذي يشتغل عليه مسرحنا حاليا وفي الوقت نفسه أرجو أن تتحسن، أجور وأحوال المسرح والمسرحيين بما يجعلنا نغير هذا الخطاب الذي يعكس بصدق أزمة المسرح الاحترافي المغربي، ملحين على أن هذا التحسن لن يتحقق إلا بعودة القيمة والاعتبار للرموز وللرسالة الملكية، أي العودة للمصداقية والمشروعية.




تابعونا على فيسبوك