العيد الوطني في ظل أزمة المسرح المستفحلة

الجمعة 12 ماي 2006 - 09:54

في سياق حرصنا على الأعراف والتقاليد المسرحية، ورغبة من مسرحنا في اغتنام كل الفرص لمخاطبة الرأي العام الفني ومن خلاله كل الرأي العام الوطني مادام المسرح شأنا ثقافيا وفنيا مجتمعيا، يأتي هذا البيان بمناسبة حلول الرابع عشر من ماي والذي أصبح مكتسبا يتكرس خلاله

يأتي إذن اليوم الوطني للمسرح المغربي والحال مازال على ما هو عليه، إن لم نقل أن الحاصل الإجمالي هو التراجع حتى عن مستويات سنوات القرن الماضي، وهذه المفارقة الخطيرة الموجودة في كون هذا المسرح الذي أصبح له يوم وطني كاعتراف رسمي من الدولة وأجهزتها بوجود فن يسمى المسرح وبوجود شريحة اجتماعية من المواطنين المغاربة تشتغل في إطار هذا الفن، هذه المظاهر توحي للبعض بأن المسرح يتقدم وأن مطالب رجاله ونسائه تلبى وأن حقوقهم تصان لتحفظ كرامتهم الإنسانية والفنية، بينما واقع الحال هو غير ذلك تماما.

ونعتقد جازمين أن هناك من بين من يحتفلون اليوم بهذا اليوم الوطني للمسرح من لا يدرك خلفيات ودوافع وجود هذا اليوم الوطني، لأن الاعتراف بهذا اليوم هو في حقيقة الأمر مكسب ثمين لم يتحقق بالسهل وباليسير، بل هو نتيجة عقود وسنوات من المواجهة مع الإدارة ومع رموزها ورموز مسرحنا من النضال المستميت الذي مازلنا نعاني كفرقة الان من بعض تبعاته ومخلفاته، بل أن هناك من يحول هذا اليوم إلى مهرجانات فلكلورية لاتحمل أي جديد، وهذا المنحى المقصود يهدف فعلا إلى إفراغ احتفالات هذا اليوم الوطني من أي حس نقدي أو محاسبة تتوخى الوقوف على المنجزات الحقيقية وليس على الشعارات الفارغة التي لاتخلق عرضا مسرحيا واحدا ولاتحل أزمة واحدة من الأزمات المستفحلة للفاعلين في هذا المجال الذي حولته الأمم المتقدمة إلى عنصر بناء وتوحيد وتقدم وإبداع.

إن مسؤولية بعض رجال المسرح في المستوى المنحط الذي آل إليه المسرح الاحترافي في العقد الأخير واردة بكل تأكيد، إذ إن هذا اليوم الوطني لم يكن وحيدا في سياقه، بل جاء ضمن ظروف ومعطيات يعلمها الجميع، وجاء في سياق المناظرة الوطنية لرجال المسرح وفي سياق الرسالة الملكية التي كانت أول خطأ قام به من يتباكون اليوم على المسرح هو التخلي عنها وعن أوامرها الملكية وعن برنامجها الذي تبنته والذي انبثق عن اللقاء الملكي سنة 1991، وبالتالي كان حريا بكل الصف المسرحي أن يزن الأمور بتعقل وتبصر، وأن توضع مصلحة المسرح فوق مصلحة الأفراد والفرق وأن يتوحدوا لترجمة ذلك وراء من كانوا فعلا غير المدافعين عن الملف المطلبي الذي سطا عليه البعض ليتحكم في صيرورته وتفعيله لصالح المسرح والمسرحيين.

وأن يقفوا وراء من أوصل كل هذه المطالب وهذه الملفات العالقة إلى جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني الذي أمر بتشكيل لجنة ملكية دائمة لمواكبة معركة الملف المطلبي ولبحث السبل الكفيلة بتنظيم وتأطير الميدان المسرحي في مدة زمنية محدودة ولبحث سبل إنعاش هذا المسرح من بنيات تحتية وفرق جهوية وميزانيات تقتطع من ميزانية الجماعات المحلية حتى تكون هناك نهضة محلية تستوجب نهضة وطنية تواكب إقرار كل هذه الحقوق، وتعمل على استفادة الدولة من الكيان المسرحي كأداة للتربية والتوعية وتحصين المواطن المغربي من الأفكار الظلامية التي لم تظهر في ربوعنا إلا بعد أن تأخر المسرح وتخلف عن أداء دوره التربوي الوطني في تأطير وتحصين المواطن المغربي إلا أن موظفي الإدارة ورموز المسرح المعاكس الذين لاتوجد مصالحهم الذاتية إلا في الفوضى والتسيب سرعان ما نسفوا كل هذا الجهد، وكل هذا الأمل الذي بعثه فينا الملك المرحوم وكل هذا المسعى الحميد الذي واكب هذه المرحلة من اجتماعات وندوات ونقاش فكري مهم، إذ سرعان ما وضعت المخططات والمؤامرات لتفجير كل هذا الالتحام وتعويض ذلك بمجموعة من الذين لاعلاقة لهم بالعمل المسرحي الاحترافي ماداموا قد اختاروا الوظيفة العمومية ليتحولوا بين عشية وضحاها إلى مناضلين وزعماء ومطالبين بالحقوق التي يعلمون أنها لن تتحقق أبدا.

إن مسؤولية الصف المسرحي أو بعضه على الأصح تكمن في عدم التقاط اللحظة التاريخية، وعدم مسايرتها نتيجة تخلف المفهوم النقابي ونتيجة الاستخفاف الذي وجهت به المرحلة من طرف من تغلب اليأس عليهم على قناعاتهم ونتيجة فقد الثقة بين الفاعلين ومن يفترض فيهم أن يتولوا المعركة النضالية للملف المطلبي الذي لم يتحقق منه لحد الآن شيء يذكر بل على العكس من ذلك نتيجة كل هذا السلوك الأرعن الإجهاز على الرسالة الملكية والتفريط في تطبيق كل أوامرها الملكية السامية ثم التخلي عن ميزانية إنعاش المسرح وعن تأسيس الفرق الجهوية من المحترفين وعن توفير البنيات التحتية كما تم التخلي بنوع من التحايل وأساليب الإغراءات التي لاتصمد أمام بريقها بعض النفوس المريضة من اللجنة الملكية من خلال إعطاء مصالح مادية للبعض وحصار البعض الآخر حصارا يفوق كل حصار معروف لشغله عن الاهتمام بالملف المطلبي الذي يقض مضاجع بعض الوصوليين والانتهازيين لتكون الحصيلة مخجلة وليست في مستوى كل هذا الضجيج الذي يرتفع بين الحين والآخر وبشكل مقرف ومستفز.

لقد تم وعن قصد تأزيم كل الملف المطلبي في بطاقة لن تقي ولن تغني جوع مسرحي واحد، وفي تفصيل قانون على المقاس للفنان مايزال وسيظل متعثرا في أروقة الوزارات إلى ان يفقد هذا القانون المنتظر كل جدوى وفعالية، وتحول كل الهم المسرحي الى الحصول على دعم لاشروط ولامقاييس ولاقوانين ضابطة له، وفي المقابل نشهد هذا الموت البطيء لكل الحركة المسرحية الاحترافية وهذا الغياب الكلي للعروض وللجولات وللمسرحيات الجديدة، ناهيكم عن الظهور الباهت المحتشم لما يقدم من ترهات وخزعبلات على القنوات التلفزية والنتيجة هي عجز الوزارة التي توزع أموال الدعم على المقربين ذات اليمين وذات الشمال عن تنظيم مهرجان واحد ناجح بمقاييس النجاح المعروفة في المجال المسرحي، بل عجزت حتى في تنظيم ما ألفته كتنظيم في مثل هذا اليوم لتعلن عن الإفلاس التام لسياسة وزارة الثقافة التي تتحمل سياستها التدبيرية في المجال المسرحي المسؤولية الكبرى في وصول المسرح المغربي اليوم الى هذا الدرك الأسفل والى هذا الغياب القاتل حيث أبعدت الرموز الشرفاء وأصحاب النضال المعروف ونزعت منهم اختصاصات قانونية لتوكل للهواة وللمنتسبين تسيير مجال بعيدا عنهم كل البعد.

إن مسرح البدوي انطلاقا من تاريخه النضالي، ومن حضوره الفاعل في كل المحطات النضالية على مدى خمسة عقود، وانطلاقا من إسهامه في تحريك وتفجير المسكوت عنه في المسرح المغربي يعلن بمناسبة اليوم الوطني للمسرح المغربي 2006 عن الآتي:
ـ إدانة كل هذا المسار الذي لم يؤد إلا إلى تعميق الأزمة وتشتيت الصف المسرحي.

ـ رفض كل ما يخطط للمسرح وللمسرحيين في غيبتهم وهذا التحكم المطلق لغير المحترفين في قضايا و أمور الاحتراف المسرحي مادام القانون يفصل بين المجالات.

ـ التشبث الكامل بالرسالة الملكية التي تشكل الميثاق الفعلي لإنعاش المسرح المغربي والمطالبة بتفعيل كل أوامرها حرفيا والعمل بأثر رجعي على تخصيص الغلاف المادي المخصص لذلك.

ـ إعادة النظر في مفهوم الدعم ووضع مقاييس احترافية للاستفادة منه وربط ذلك بمدى عرض الأعمال المسرحية وانتشارها على أكبر قدر ممكن من الجمهور.

ـ العمل على رد الاعتبار القانوني والفني للجنة الملكية وتوسيع اختصاصاتها بما يتلاءم والدور الذي تكونت من أجله، وتمكين اعضائها من كل أدوات العمل و الاشتغال والمراقبة.

إن هذا الملف المطلبي هو الذي بإمكانه إعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة الروح الى المسرح المغربي الذي يحتضر من فعل سياسات قاتلة وبفعل تهميش المحترفين الذي تابعوا كل فصول هذا الصراع المزمن حول أزمات المسرح المغربي، وكل عام والمسرح المغربي بألف صمود.




تابعونا على فيسبوك