بشرى مزيه

التجربة لخدمة الثقافة المغربية

السبت 06 ماي 2006 - 13:37

تواصل بشرى مزيه التحليق في سماء البرامج الثقافية من خلال تجربتها الحالية في "كافي تي في"، الذي ترى أنه محطة جديدة في مسارها الإعلامي، تختزل مجموع التجارب السابقة في أفق معانقة الفعل الثقافي المغربي في مختلف تجلياته.

وترى بشرى مزيه أن المسألة الثقافية كانت ولاتزال من أهم الانشغالات التي تحقق لها المتعة الفكرية والذاتية، مؤكدة في حوار مع "الصحراء المغربية"أن اللجوء الى كفاءات تتميز داخل ميادينها لتقديم البرنامج الثقافي، فيه إغناء للتجربة لكنه لن يصنع من هؤلاء إعلاميين بقدر ما سيظلون ضيوفا يطلون على المشاهد المغربي من خلال وسيط هو التلفزيون.

٭ ما سر وفائك للبرنامج الثقافي؟
ـ المسألة الثقافية كانت دائما من بين انشغالاتي الأولى، وبرغم أن تكويني الأولي كان علميا بالأساس، فقد اخترت خلال تكويني الجامعي مسارا ثقافيا توج مؤخرا بدبلوم الدراسات العليا المتخصصة في الشأن الثقافي عموما وفي البرامج الثقافية في التلفزيون بشكل خاص. وأعتقد أنني عندما اخترت المجال الثقافي كان ذلك من منطلق انسجامه مع ميولاتي واهتماماتي بغض النظر عن كونه الاختيار الصحيح أم لا، ومن تم أصبحت هذه الهواية مهنتي ومنتجعي للبحث عن الجديد المتطور.

٭ يعني أن الممارسة ضرورية لتطوير التجربة؟
ـ بكل تأكيد، وقد كنت محظوظة عندما اخترت في البداية الاشتغال على الذاكرة المغربية، فمن خلال برنامج "حضور"تجولت داخل الذاكرة المغربية عبر مستويات متعددة، السياسية والثقافية والفنية. مستويات استطعت من خلالها أن أكون فكرة عن أصولنا الثقافية والأدبية والفكرية والفنية أيضا، وهو ما أتاح لي فرصة التعامل الصحيح مع ما نعيشه ومع ما نطمح اليه، لذلك أظن ان الانطلاقة هي قنطرة للمستقبل، الذي أرى حاليا انها تتجسد في برنامج "كافي تي في"والتي جسدت أيضا فيما قبل مع برنامج "ثانويات"و"مشاهد"وبرامج أخرى جعلت من الانتقال التدريجي في التعامل مع واقعنا الثقافي ينبني على نظرة موضوعية تمتلك الأدوات الصحيحة لتقييم التجربة المغربية في هذا المجال.

٭ "كافي تي في" هل هو امتداد لفكرة المقاهي الأدبية والفنية؟
ـ هو مزيج بين شكلين معروفين تاريخيا هما الصالون الادبي والمقهى الفني والمسرحي، وبما أنني من مناصري المدرسة التي تقول بأن التلفزيون هو الفن الثامن، ارتأيت أن تكون تجربتي الجديدة من هذا المنطلق، وفي هذا السياق جاءت فكرة مقهى التلفزيون. ما بين صيغة المقهى في مفهومها الادبي والفكري والتلفزيون باعتباره فنا من الفنون التي يمكن أن تصنف في قائمة الفنون المتعارف عليها والمعترف بها عالميا.

٭ لماذا لم ينفتح البرنامج على الجمهور الحاضر؟
- نحن في بداية التجربة، وبالتالي مازال أمامنا الوقت لتحقيق هذه الغاية في ظروف جيدة، إن التلفزيون بمثابة لعبة، وهذه اللعبة يجب أن يضبط جميع المتدخلين فيها وظيفتهم ومهمتهم، وأعتقد أنني أحاول أثناء عملية الاعداد ان أزاوج بين عمل الصحفي المهني، وفكرة الجمهور التي تستغل في نهاية البرنامج من خلال فقرة "كلام المقهي«، هذا الكلام الذي نتعامل معه بصيغة راقية، حيث ننقل كل ما تتداوله الكواليس كتعبير عن رأي الجمهور الواسع، وليس فقط الجمهور الحاضر في الاستوديو.

٭ هل هناك مقاييس محددة في اختيار ضيوف المقهى؟
ـ أساسا اختيار الضيف مسألة صعبة لانه هو عنوان نجاح البرنامج، نختار الضيف الذي له نوع من الشعبية، وله انتاج فكري ورأي مسجل في مواضيع ومواقف مختلفة، ضيوف من الذين يريد الناس أن يعرفوا اراءهم ومواقفهم في مجموعة مجالات، مثلا أن يكون رياضيا ويعطي رأيه في السينما، او مفكرا ويقدم رأيه في الاشياء الاجتماعية، كل ذلك من أجل خلق التواصل الذي أعتقد أنه نادر في مواقع اخرى، لذلك أقول بأن اختيار الضيف هو مسألة مهمة جدا ويرتكز عليه نجاح البرنامج بشكل كبير.

٭ البرنامج مبني على مجموعة فقرات، كيف تم اعتماد هذا التقسيم ولماذا؟
- لخلق نوع من الدينامية والحركية أولا وأخيرا، ثم هي فقرات مرتبطة في جوهرها بالضيف وبالمحيط العام الذي ستدور حول الحلقة، اذن هناك الفقرة الموسيقية التي هي قارة وتكون احيانا من اختيار الضيف واحيانا تكون من اختيارنا، لكنها برغم ذلك تدخل في الاطار العام لاهتمامات ضيف الحلقة، ثانيا هناك فقرة "أسرة عمل"وهي فقرة مفتوحة، وسميت كذلك لانها تجمع بين مجموعة اناس إما ينتمون لنفس العمل او ينتمون لنفس المهنة أو جمعية أو لهم فقط اهتمام مشترك. فقرة "أصدقاء المقهى"كما تعلمون، هي محاولة لإبراز الوجه والوجه الآخر للضيف، إضافة الى اننا نتكلم فيها عن آخر الأخبار والانتاجات سواء على مستوى الكتاب والموسيقى أو العمل المنفرد.

٭ هل تعتقدين أن "كافي تي في"أعطى وجها آخر للبرنامج الثقافي؟
- أتمنى ان يكون كذلك لان الفكرة جاءت من هذا المنطلق، فأنا من خلال البرامج التي سبق ان اعددت ونشطت، كانت تحضر عندي بشكل كبير فكرة الاعداد والتقديم اكثر من فكرة الاعداد والتنشيط، فالتنشيط، كما هو حاضر الآن في البرنامج، يسمح بتجاذب اطراف الحديث مع فئات مختلفة، بحضور جمهور واسع وفي فضاء مفتوح. اتمنى ان يكون البرنامج قد اخرج البرامج الثقافية من طابعها الكلاسيكي المتعارف عليه والحمد لله المشاهد المغربي يحتفظ لي في ذاكرته بمكان. وهذا يشرفني, فعشر سنوات او أكثر قليلا من الاداء الاعلامي، ليست مدة طويلة في حياة الإعلامي لكن إذا استمرت في ذاكرة المشاهد فهذا يعني ان التواصل قد تحقق.

٭ هذا يعني ان الاعلامي عليه أن يجدد تجربته؟
- هناك مستويان من خوض التجارب إما تغيير المنبر الإعلامي لأن هذا يغير طبيعة التجربة، ثم هناك التجربة الأخرى التي هي تراكم العمل داخل سياق محدد بالنسبة لي منذ البداية وأنا لي فكرة التخصص في المجال الثقافي لانه مجال يغنيني فكريا وذاتيا ويحقق لي متعة ومصالحة بيني وبين ذاتي. فتحت أمامي فرص كثيرة لكن اقتناعي بأن الاهتمام بالثقافة هو رسالة وخدمة عامة، وأعتقد أنني لحد الساعة مازال أمامي دين تجاه عائلتي الصغيرة والكبيرة، وأتمنى ان تمتد التجربة وتتراكم لتأسيس أفق شاسع لخدمة الثقافة المغربية، وكذا تطوير الأداء الإعلامي والتميز والاختلاف.

٭ ما رأيك في استقطاب وجوه غير إعلامية لإعداد وتقديم البرنامج الثقافي؟
ـ اللجوء لكفاءات تتميز داخل ميادينها سواء على المستوى الفكري أو أساتذة جامعيين أو مثقفين فيها اغناء للتجربة، لكن هذا لن يصنع من هؤلاء إعلاميين، هم ضيوف يطلون على المشاهد المغربي من خلال وسيط هو القناة التلفزية، كيفما كانت هذه القناة، ضيوف نتشرف بمشاركتهم في صنع الفكر وتطوير الوعي بالثقافة المغربية.

نحن مع الكفاءات الكبرى والأسماء البارزة ان تطل من خلال الشاشة وتساهم في النهضة الفكرية الوطنية ولو بتنشيط برامج، لكن طبعا مع تكريس فكرة احترام مهنة التلفزيون وتشجيع المختصين على ان يؤدوا مهامهم في ظروف جيدة الى الاعتراف بالقيمة المعنوية والمادية أيضا، لأن الإعلامي هو الذي يضحي وهو الذي من مصلحته ان يتطور منتوجه الإعلامي وبيته الاعلامي، أما الضيف فمهما طال به المقام، حتما سيعود الى بيته.

٭ رغم الاكراهات فأنت تصرين على الاستمرار والمواجهة؟
- الحمد لله لم أنهزم في أي معركة دخلتها، لانني اولا لا أدخل معركة من اجل القتال وانما من اجل تحقيق السلم، الاصلاح و التطور والسير الى الأمام لن يتم الا من داخل المهنة ومن طرف العاملين بالمهنة، والان المسؤولية على كاهل الممارسين واظن ان هؤلاء الإعلاميين المغاربة اثبتوا على انهم كفاءات وعلى انهم قادرون على اعطاء منتوج بمقاييس الاحترافية الدولية، هي مسألة مرتبطة فقط بتوفير الظروف الضرورية واظن اننا في الطريق لتوفير هذه الشروط. بطبعي متفائلة واقول بأن الأمور لايمكن إلا ان تسير نحو الأمام ولايمكن أن يكون العكس، فقط هذا المشي إلى الأمام اخذ وقتا طويلا كي يتحقق، أظن انه يجب ان نكون صبورين قليلا حتى نقف على النتائج، والاصوات التي تقول اننا نعيش وضعا صعبا، لها كل الحق لكن رغم ذلك يجب أن نتحلى بنوع من الاتزان وان ننظر الى المستقبل، والبقاء حتما للأصلح، وأنا متأكدة بأن التاريخ ينصف ولو بعد حين.

٭ هل تستفيدين من الانتقادات؟
- بكل تأكيد، لأن القراءات المتعددة تمكن الإنسان من التفكير والتروي في مباشرة عمل جديد، والممارسة ايضا تغني من جانبها التجربة كما تجعل الفرد يركز ويقرأ نفسه أكثر من قراءة، الإنسان دائما في حاجة إلى القراءات الأخرى، أحس بنشوة كبيرة وأنا أتلقى رسائل المشاهدين كما احس بافتخار عندما عندما يهتم المختصون والمثقفون إذن أمامنا ثلاث قراءات، المثقف والمختص والجمهور العريض وبالتالي عندما يقدم لك أحد انتقادا فلأنه يريد ان يراك في صورة افضل، وحتى ان كان انتقادا عن سوء نية فإنه يجعلك ترى الأمور من زاوية أخرى.




تابعونا على فيسبوك