شجاعة أدبية تحسب للباحثة التونسية رجاء بن سلامة في التعبير عن اجتهادات تثير الكثير من الجدل والاستفزاز نحن في ضيافة أحدث مؤلفات رجاء بن سلامة: "نقد الثوابت: آراء في العنف والتمييز والمصادرة دار الطليعة بيروت 2005.
"شرح النّصوص وتفكيكها"، (ص 93) هي المهمة التي تتقنها المؤلفة، دون أن تتوقف طويلا عند المرجعية الفكرانية التي تتأسس عليها عملية الشرح والتفكيك هذه، لولا أننا نجد العديد من القراءات والإشارات و"الاجتهادات" التي تعبر بشكل واضح عن مرجعية الباحثة، وهذا ما يُحسب لها، ونقصد التعبير الصريح عن الآراء دون مواربة أو تملق لهذا التيار أو ذاك.
والباحثة بالمناسبة، أستاذة محاضرة بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة بتونس، تدرّس التفكيك وتاريخ التصورات عن المرأة في نطاق وحدة "تاريخ النساء"، والخطاب عن المرأة وعن "الجندر" في العالم العربي بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس.
وأصدرت مجموعة من المؤلفات بالعربية والفرنسية، نذكر منها على الخصوص: "العشق والكتابة: قراءة في الموروث" كولونيا، ألمانيا، دار الجمل، 2003، "صمت البيان" القاهرة، المجلس الأعلى للثّقافة، 1999، "الموت وطقوسه من خلال صحيحي البخاري ومسلم" تونس، دار الجنوب، 1997، و"الشعرية، لتزيفتان تودوروف" ترجمة بالاشتراك مع شكري المبخوت، الدار البيضاء، دار توبقال، 1987، طبعة ثانية سنة 1990.
"ثالوث" السلطة والدين والجنس حاضر بقوة في ثنايا الكتاب، كما يتضح من خلال العناوين التالية: "ضد الهوس الديني: تحجيب النساء، مصادرة الشعراء"، "الأنثى، هذا الآخر الذي ليس بآخر"، "أبنية المواطنة المنقوصة: ثقافة التمييز"، "قوانين الحب وقوانين الشريعة: خواطر بمناسبة عيد الحب لعام 2005 "، "لماذا وقعت البيان المجرّم لفتاوى الإرهاب"، "صكوك الامتياز الروائي يوزعها اتحاد الكتاب العرب"، "فتاوى تزرع الموت" أو "الدعاة الجدد: من التحريض إلى التنويم".
تحرير القرآن من الفقه لا تنقصنا الإقرارات الصريحة اللصيقة بمرجعية رجاء بن سلامة، فهي تطالب المتلقي بأن يترك التّلعثم والتّكتيكات الباردة، وتطالب بما "يضمن المساواة والحرية بين الجميع: بفصل الدين على السياسة وفصله عن التّشريع وإخضاع العلاقات بين الرجال والنساء إلى القوانين المدنية الحديثة (ص 28).
كما تطلب من الأنظمة الحاكمة بأن تصبح "الأحكام المتعلقة بالمعاملات قانونية وضعية" بحيث يتم "تحرير القرآن من الفقه الذي أحيط به والذي يختزله في مجموعة من الأحكام المحللة والمحرمة إنّه نص تعبدي روحاني يمكن أن تُلهِمُنا مبادؤه الأخلاقية في تطوير تشريعاتنا وتطوير منظومة حقوق الإنسان وتهذيب نفوسنا وتعليمنا الرحمة وعدم التمثيل بالنفوس والأجساد، ولكن لم يعد بالإمكان اعتباره مصدرا للتشريع والاجتهاد في مجال المعاملات والحياة العامة" (ص 112).
وغالبا ما تستشهد بأسماء معرفية وازنة، ولكن من الغرب، وليس الشرق المتخلف والرجعي ، حتى أننا نطلع في تعاطيها مع موضوع المرأة على ترجمات لاجتهادات جاك دريدا وسيمون دو بوفوار وفرويد، دون سواهم، ولو كانت الغلبة لدريدا بالطبع، مادامت متخصصة في تفكيك النصوص، بدليل الاستشهاد به، في موضوع المرأة و الحركات الإسلامية أيضا وهناك أيضا مرجعية نيتشه، ولعل أهم استشهاد جاء في هذا الصدد، الإشارة النيتشوية إلى أن "الطريق الذي ينحدر إلى الأصول، يؤدي في كل مكان إلى البربرية" (ص 93).
الترابي الإسلامي وابن سلامة العلمانية استحضرنا حسن الترابي الإسلامي ونحن نطلع على اجتهادات رجاء بن سلامة اليسارية الفكرانية في معرض الاطلاع على اجتهاداتها حول زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، وإذا كانت حالة الترابي تندرج، والله أعلم، ضمن مأزق "الإفتاء" الاعتباطي والتمييع الفقهي، فإن الأمور تختلف مع ضيفة هذا العرض، لأن الأرضية الفكرانية التي تنطلق منها، تُخَوِّل لها، وهذا شأنها الخاص بالطبع، التأكيد مثلا على أن الديمقراطية تعني الحرية، وتعني وجود مجال خاص لا تتدخل فيه الدولة، وإذا كان الأمر كذلك، تضيف ابن سلامة، "فكيف ستكون هذه الديمقراطية الإسلامية، إذا كان "من ثوابت" الشّريعة أنها تقيّد حق اختيار القرين على أساس الدين، وإذا كان الشيخ القرضاوي وغيره من المعتدلين يفتي بمنع زواج المسلم بملحدة والعكس، ومنع زواج المسلمة من كتابيّ، ومنع زواج المسلم والمسلمة من بهائية أو بهائي؟ أليست حرية اختيار القرين بقطع النظر عن الدّين والمعتقد من حقوق الإنسان التي تكفلها المواثيق الدولية؟"(ص 74).
والسبب في ذلك كما تشير في موقع آخر من الكتاب (ص 97)، أنه من "أبجديات الفكر السياسي الحديث، أن ما يسميه الفلاسفة الفرنسيون بـ "حرية الضمير"، ـ تأملوا بعض الأسس المرجعية لدى الباحثة ـ حق من حقوق الإنسان الأساسية، وأنه يشمل حرية الرأي والتعبير وحرية المعتقد، وحرية تبديل الإنسان دينه، وحرية تركه الدّين الذي وجد عليه آباءه، حتى وإن كان هذا الدين يقدم نفسه على أنه الدّين الصحيح، والدّين الذي لا دين بعده".
ولعل الخوض القلق في مثل هذه الأسئلة يُبرر اللجوء إلى هكذا عنوان للكتاب: "نقد الثوابت"، وإلا، لنعلنها صراحة، علينا ترك هذه الثوابت، إرضاء لصناع القرار الكوني، وتماشيا مع الموضات الفكرية والفكرانية السائدة خلال السنين الأخيرة.
وتذكروا جيدا أن الأمر لا يتعلق فقط بتونس أو الوطن العربي، وإنما العالم الإسلامي برمته حتى المفكر المغربي محمد عابد الجابري لم يسلم من انتقادات الباحثة، مع أن الرجل، غير محسوب بالمرة على الإسلاميين "المعتدلين" أو المتشددين، ولا يدعو إلى تطبيق الشريعة أو إقامة دولة الخلافة أو شن "الحرب الدينية المفتوحة ضد اليهود والنصارى" على غرار الشعار الشهير الصادر عن تنظيم "القاعدة" في عام 1998.
والسبب في نقد الجابري، مجرد اجتهاد لهذا الأخير صدر في يومية "السياسة" الكويتية، اعتبر من خلاله أن "العلمانية شعار ومشكل مصطنع خلقه المفكرون المسيحيون"، مؤكدة على أن التقييم صدر عن الجابري الفيلسوف وليس الجابري اللاهوتي؟ تطبيل للمرجعية الكونية نتفق مع الباحثة على أن ثقافتنا تقوم على "التهريج وعبادة النجوم والتزلف إلى الأحياء الأقوياء"، ونتفق أيضا على ضرورة تسمية "الأشياء بأسمائها وأن نفضح في الوقت نفسه الخلط المتعمد"، كشروط مؤسسة "في من يتحمل مسؤولية الإعلام والتحليل والتفكير" (ص (109، ونتفق أخيرا على أن "شيوخ الأمس كانوا يقولون: "واللّه أعلم"، أما شيوخ اليوم فهم آلات إفتاء في كل شيء"، )ص 79)، ويتأسس على هذا التقييم تأكيد الباحثة على "لا يوجد بشر له حق إلهي في النطق بالحق، وفي الكلام باسم الله والوصاية على النصوص المقدسة، ولا يوجد أي بشر يمكن أن يتّخذ ذاته الفردية مصدرا للتشريع فقد سقطت أقنعة رجال الكنيسة منذ قرون، وبدت للعيان بشرية ما أوهموا الناس بأنه إلهي وتبدّدت أساطيرهم وصكوك غفرانهم".
ويتأسس لها أيضا خوض رجاء بن سلامة في الأسباب والمقدمات التي خولت عليها التوقيع على ما سُميَّ يوما بـ "البيان المجرّم لفتاوى الإرهاب"، من منطلق أن "المفتين الذين يقدم البيان نماذج من فتاواهم، ينتصبون مصدرا للتشريع وبديلا عن القوانين المدنية في بلدانهم وخارجها، وبديلا عن دولهم، وبديلا عن القوانين الدولية".
ومعلوم أن كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة تَسَلَّم بيانا أعده وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم والمفكر التونسي العفيف الأخضر والمفكر الأردني شاكر النابلسي، ووقعت عليه أكثر من أربعة آلاف شخصية فكرية وثقافية وفنية، ويدعو البيان مجلس الأمن والأمم المتحدة إلى إقامة محكمة دولية لمن أطلق عليهم "فقهاء سفك الدماء" من علماء وفقهاء يصدرون "فتاوى الإرهاب والقتل بحق المدنيين من النساء والأطفال الأبرياء".
وسبق أن أكدنا في معرض التعليق على هكذا خطوة إلى أن "تنديد النخب العربية والإسلامية بالتدخل الخارجي في تعديل المناهج الدينية والتعليمية، لا يستقيم إذا كانت نخبة فكرية عربية تصر على الاستنجاد بالتدخل الخارجي في معرض تصفية حسابات فكرانية ومذهبية وسياسية مع اتجاهات شتى في الفقه الإسلامي الحركي" القدس العربي 2005/3/31.
تشير رجاء بن سلامة إلى أن ذات البيان "يتوجه إلى سلطة قانونية دولية عليا قلما يتوجه إليها المثقفون العرب نتيجة ضيق أفقهم وإيديولوجياتهم الانتمائية القائمة على منطق الهوية كذا هذه السلطة هي المنتظم الأممي، التي لا يتوجّه إليها البيان لأن الإرهاب الإسلامي ظاهرة معولمة عابرة للبلدان فحسب، بل لأن مرجعية صائغي البيان هي القانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان، والمثقف العربي يمكن أن يوقّعه لا فقط بصفته مثقفا عربيا بل بصفته إنسانا ومواطنا عالميا، أو بصفته مناضلا من أجل حقوق الإنسان، أي من أجل كرامة الإنسان بقطع النظر عن دينه ومعتقده ولغته ونسبه وجنسه" كلام فضفاض، لعدة اعتبارات، أهمها الإحالة إلى المرجعية الدولية التي نطلع على استحقاقاتها العملية بالفعل والقوة في العديد من الحالات الكارثية، وخاصة الحالات اللصيقة بأوضاع عربية وإسلامية دون سواها.
ونتذكر جيدا ما حرره طارق علي، الكاتب الباكستاني، واليساري هو الآخر ـ تقارب جلي مع فكرانية رجاء بن سلامة ـ ولكن الرجل كان أكثر صراحة وانسجاما مع الواقع في معرض تقييم "المرجعية الكونية" التي تروج لها الباحثة، فقد أشار مثلا إلى أن الشعوب الغربية "تمتلك ذاكرة قصيرة جدا"، وأن "التاريخ الحديث يتم تجاهله عمليا من قبل المؤسسات الإعلامية الأميركية، بحيث يقل الاطلاع على ما يجري في باقي دول العالم: نحن حيال ثقافة ريفية جدا تنتج الجهل، ومثل هذا الجهل مفيد جدا في أوقات الحرب لأننا نستطيع إذاك أن نشعل غضبا سريعا في شعب فقير بالمعلومات وأن نشن حربا ضد أي بلد".
وأشار أخيرا إلى أن "الولايات المتحدة ليست سوى الإمبراطورية الوحيدة المهيمنة على العالم، فحرب الكوسوفو ـ مادامت رجاء بن سلامة تحيلنا على المُنتظم الأممي ـ تمت خارج إمرة قيادة حلف "الناتو"، الذي هُمِّشَ تماما أما "التحالف ضد الإرهاب" فإنه يعني أساسا الولايات المتحدة التي لا تريد أن يتدخل في استراتيجيتها أحد.
انظر العرض الذي أنجزناه في كتابه القيم الموسوم بـ "الإمبراطورية والمقاومة"
الصحراء المغربية 30- 4-2006تزامن تحرير هذا العرض مع صدور استجواب صحفي أجراه محمد علي حنشي مع هدى بيبان، برلمانية كندية من أصل مغربي، وجاء عنوان الاستجواب على الصحفة الأولى من يومية "العلم" كالتالي: "حرصت كنائبة مسلمة على القسم على القرآن في برلمان الكيبيك وكانت سابقة" العلم 3-5-2006.
كنا نطمح لو أن رجاء بن سلامة تحرر تعقيبا على هذا العنوان، وعلى دلالاته، خاصة وأن الحدث تم في الكيبيك هذه المرة، وليس في تونس أو المغرب أو إندونيسيا
وأخيرا، نقرأ للباحثة أن "التاريخ أفضل ناقد، فعادة ما يكون النص الجيد منغمسا في أسئلة العصر ومتجاوزا إياها في نفس الوقت، بحيث تتجدد الأسئلة التي يطرحها ويُقرأ بعد صاحبه، ويبقى حتى بعد أن تزول المقتضيات التاريخية التي أنتجته، وبعد أن يلعب النقد المؤطر تاريخيا دوره ويمضي في سبيله" ص 141، وبالتأكيد المطلق، سيظل التاريخ أفضل ناقد لما جاء في كتاب "نقد الثوابت : آراء في العنف والتمميز والمصادرة"
والله أعلم.