مالكة العاصمي منبر الشعر ومنبر البرلمان

لمن يميل القلب ؟؟

الإثنين 01 ماي 2006 - 13:53
مالكة العاصمي

يلقبها المشارقة بـ "شاعرة المغرب الكبيرة" المغاربة لا يختلفون بشأنها كثيرا
ربما اختلافهم الوحيد هو في ترتيب عناوين حضورها على امتداد المشهد المغربي، ثقافيا وسياسيا.


في الوقت نفسه الذي كانت نشرت فيه ديوانها "دماء الشمس"، دخلت الشاعرة مالكة العاصمي تجربة انتخابات سياسية جزئية كنتُ سألتُها يومها عن هذا الذي يفرق ويجمع بين التجربتين؟ وأين تجد نفسها أكثر؟ وإن كانت تكتب الشعر تخفيفا من مرارة السياسي؟ أجابت الشاعرة يومها بأنها وإن كانت تمج السياسة في ممارستها المعاصرة وتعافها، إلا أنها "منغمسة فيها كاللاهث وراء السراب في محاولة لصناعة الوهم، حيثحالة العالم مرضية حد التعفن السرطاني والاحتضار، وحيث تتناسل الشعارات والتشكلات والمبادرات والهيئات ويتناسل الأفق المسدود والحواجز واللاشيء، ويقع الارتداد نحو عصور الهمجية".

أما عن "دماء الشمس"، فقالت إنها هي نفسها "دماء الروح"، حيث "الشعر نحيبها الداخلي وصورة عن هزائمنا ومواجهاتنا اليومية ومآسينا، إذ كثيرا ما نؤوله لأنفسنا أو يؤوله الآخرون نيابة عنا"، في ظل "واقع يستنفر الطاقات والإرادات الطيبة لنحت الأمل من اليأس، والوقوف في وجه تيار الإفساد الجارف ومواجهته"، لأجل ذلك أكدت أن "الشعر سيظل واحة تنفث فيها الروح أوجاعها ومآسيها".

بعد ذلك، ستضيف مالكة العاصمي العمل النيابي إلى سلسلة اهتماماتها وانشغالاتها … مما يدعونا، اليوم لطرح مجموعة أسئلة بصدد مدى تأثير الكرسي الذي تشغله شاعرتنا في البناء لثقافة مغربية لها كامل الاهتمام والأثر في حياة الناس والمجتمع المشارقة يلقبون مالكة العاصمي بـ "شاعرة المغرب الكبيرة" المغاربة لايختلفون بشأنها كثيرا
يقول المثقف : "تجربة مالكة العاصمي، لا يمكن على الإطلاق إلغاؤها.

بل هي إحدى الشاعرات المغربيات القلائل اللواتي يمكن القول إن لهن "تجربة" شعرية وليس مجرد دواوين مشكلة مالكة العاصمي الكبرى هي أن الحزب سرقها من الشعر، والمناضلة والسياسية ثم البرلمانية أخيرا، صارت بالنسبة إليها أهم من الشاعرة وإلا فقصيدتها مازالت تبشر بالمزيد".

ينشغل السياسي برسم التحالفات وطرح الأسئلة الشفوية والكتابية ووضع البرامج، في انتظار مايلي من الاستحقاقات الانتخابية بين رأي المثقف وانشغالات السياسيين، تنطلق مالكة العاصمي بخلفيتها المراكشية، لكن، بامتداد مغربي وعربي كتبت مالكة العاصمي عن مراكش مراكش، "حضارة عتيدة وأفق للسؤال" مراكش، حيث التاجر يتعب نفسه في تعلم اللغة التي توصله إلى جيب السائح حيث، سائق الطاكسي يلهث وراء العداد حيث، الشاب تائه مابين ترديد أغاني الشاب بلال والجري وراء "نصرانيات" جامع الفنا وجليز حيث، الشيخ يكتفي بانتظار آذان صلاة العصر حيث، المثقف يقرأ في ماوراء عناوين الصحف حيث، السائح يرفع عينيه نصف أو ربع مفتوحتين إلى فوق حيث الشمس دافئة والزرقة فاتنة.

بالنسبة إلى المراكشيين، لايهم أن نقدم هذه الصفة على تلك، حين الحديث عن مالكة العاصمي كاتبة وشاعرة وبرلمانية وفاعلة في المجال الاجتماعي أو برلمانية وفاعلة في المجال الاجتماعي وشاعرة وكاتب لايهم تقديم أو تأخير هذه الصفة أو تلك المهم أن الاسم متداول بين الناس، مع تفضيل الكثيرين اجتماع العلم والسياسة الشعر والسياسة الثقافة والسياسة على المال والسياسة، حين المرور إلى واقع الانخراط السياسي والعمل النيابي منبر الشعر ومنبر البرلمان كلام المثقف عن تجربة مالكة العاصمي ربما يلتقي أو ينتهي إلى نفس التحليل الذي تعترف من خلاله صاحبة "نحن وأسئلة المستقبل" بواقع الأشياء، فيما تدافع عن الاختيارات.

تقول : "للوقت والمسؤوليات التي أحمل نفسي بها أو أجد نفسي فيها، سلطتهما وصولتهما وإكراهاتهما" بعد ذلك ستتلون صراحة المثقف بأسف الشاعرة، حين تقول : "مع الأسف الشديد لست متفرغة بما يكفي للشعر كان ممكنا أن أحلق في الشعر بأجنحة مفرودة وأهاجر وأتجول في كل الاتجاهات، خصوصا وفضاء القول مثير يلفظ في كل لحظة أحداثا جساما ومشاهد من كل الأنواع والأصناف والأشكال لا يكاد الشعر يستنفدها".

أسأل مالكة العاصمي عن النص الذي تنتظر أو تتمنى كتابته، أو لم تجرؤ على كتابته أو نشره، فتقول إن "النصوص كثيرة والأسباب مختلفة هي نصوص كثيرة في الحلم وفي النفس وفي الذاكرة لم تسمح لها ظروف التوزع والنضال والتطلع أن تنبثق وتتفجر وتنطلق وتكتب" يتحول الأسف إلى حزن حين تخفض مالكة العاصمي من صوتها، فيما تسترجع كامل تجربتها فتعترف في مرارة، قائلة : "شيء محزن جدا لي" لاتتهرب مالكة العاصمي من سؤال الاختيار بين الصعود إلى منصة البرلمان لقراءة سؤال شفوي أو الصعود إلى منصة الشعر لقراءة قصيدة، طالما أن الجواب هنا "يتوقف على طبيعة الجمهور ودرجة التوصيل وإبلاغ الخطاب والتحسيس به وإمكانيات نقل الرسالة الشعرية الشعورية في كل من الفضاءين.

والواقع المرير أن قاعة البرلمان على الأقل ينقل فيها السؤال الشفوي عبر الأثير ويصل بقدر ما إلى مدى ممكن من الجماهير، في الوقت الذي يقتلع الشعر من جمهوره ومنابره ويحاصر وييتم ويهمش ويقصى من أجل ذلك يتجه الشاعر إلى المنبر السياسي ويهجر وظيفته الإبداعية الأهم والأرفع" سيبدو جواب مالكة العاصمي صادما، بل جارحا لذلك تستدرك، قائلة : "السياسي والشعري في تجربتي واحد متداخل مشتبك مع بعضه وببعضه" حين يزأر سلطان الغابة في قصيدة "إبداع"، المضمنة ديوانها "شيء له أسماء" تتموج شاعرتنا كالبحر المتلاطم عند المدّ تتلاحق أنواؤها عارمة، ويشعشع نورها تتألّق كالبرق الراكض من خلف الغيمه، وتتوهّج كالمشكاة بنور الله تمعن في غيها، فتقول : "أتربّع سيدة الإبداع على نهدِ النجمة يكتملُ جنوني وفنوني.

يزأر في أرجائي، أقبيتي، سلطان الغابة يزأر أسدي من وَلَهٍ بالنجم الأحمر يخترق الآفــــاق" إلى القصائد، يتضمن الديوان دراسة نقدية للدكتور صبري حافظ، بعنوان : "تحولات التجربة الشعرية" يصف صبري حافظ مالكة العاصمي بـ "الشاعرة المغربية الموهوبة"، متناولا "تجربة تنطوي على مجموعة من الثوابت ومجموعة أخرى من التحولات التي تنتاب البنية والرؤية معا".

بصدد الثوابت، يتحدث صبري حافظ عن "المراوحة المستمرة بين الصوت الذاتي الحميم النابض بالصدق والرغبة في الانعتاق من أسر القيود، والصوت الجمعي المهموم بالواقع العربي وبقضايا العدل الاجتماعي والحرية".

أما أهم التحولات الشعرية فتبقى هي تلك التي "انتابت البنية الشعرية وبدلت من صيغة القصيدة نفسها، فابتعدت بها بالتدريج عن الغنائية واقتربت من الدرامية والتراكب، واستخدام الإحالات التناصية، والأسطورية، في توسيع أفقها، وإثرائها بمستويات متعددة من المعاني والتأويلات.

وابتعدت بها عن التناول المباشر للموضوع، إلى التعامل الاستعاري والرمزي معه
وتحولت التجربة إلى تذكارات تضيف فيها الشاعرة بعد الزمن إلى بعد الواقع المتعين، فيتحول الوجود الشعري عندها إلى وجود في الزمن لا خارجه".

يتقدم صبري حافظ في قراءته ليتحدث عن لجوء مالكة العاصمي إلى "إدارة جدل بين الرؤى المتجاورة، والمتحاورة، لتوسيع أفق التجربة باستمرار"، و"استخدام استراتيجيات التجاور والاختلاف، واللعب بالحروف، والولع بالتقفيات الداخلية، والاكتفاء بالإيماءات الدالة دون التصريح.

لكن هذا التراكم البنائي والدلالي لم يتحقق في عالم الشاعرة، كما هو الحال لدى عدد آخر من الشعراء، على حساب الوضوح، ولم يصب القصيدة بالالتباس والغموض، بل ظلت، برغم التراكب، تتسم بالسلاسة والحميمية، والنصاعة الدلالية".

حين ترقص الثعابين في ديوانها "دماء الشمس"، ترصد الشاعرة مشهدا يقدم لصور بنفَس وثائقي حارق الكلب يتلصص، وعين الصقر تدور، والحدأة تتربص ـ تختلس
ذنب مقطوع يتلوى من حر الذبحة وذنب آخر منفوش في التربة نمس يلهث خلف الطاووس الممسوخ قرد يخرج من جحره يقفز ويصفق جرذان ترقص ذئب يعوي فئران تمرح فرحا حين غياب القط، فيما تتسلل ثعالب خلف المشهد.

فهل نحتاج إلى ذكاء خارق لنفهم ماوراء صور وتفاصيل المشهد ؟؟ مشهدٌ ـ قصيدةٌ تحترم خلالها شاعرتنا ذكاء القارئ، إذ ترتب لزاوية الرؤية، فيما توزع الأدوار مشهدٌ ـ قصيدةٌ تمهد للبورتريه الأول، حيث قصيدة "الكلب" بنفس الملامح الشعرية والنفَس الإيحائي الهادف : "يُلقم للكلب الجائع حجرا يتبعه الكلب الكلبُ يمارس طقس قبيلته : يلعق كاحل صاحبه حلقته في أطراف الكفْ الكلبُ يمارس خبرته الأزلية : حين يناديه "اتشالبو" ينهشُ لحم المصلوب ويمزق بُرد محمد.

" في البورتريه الثاني ينضاف للبورتريه الأول "كلب آخر" كلب آخر "يطل من الفتحة فتحة الباب يتسلل نحو الداخل ليشم الأوراق و يتصيدُ مكر القوم" في البورتريه الثالث نكون مع الذئب ـ القصيدة الذئب "خطابه منمق ووجهه مسطول حين يفيض منه المكر شدقه يبيض من جانبه وحين ينبح الكلب يغشيه السواد حين القط يستنفر نابه ينقض"
مع القصائد التالية، سيستريح قارئ الديوان لبعض الوقت من بورتريهات شاعرتنا، التي ستغير من صنافة الشعر والقول ومن نَفَس اللغة.

تراها أشفقت على القارئ ؟ بعد ذلك، وفي البورتريه الرابع قصيدة "ثعابين" الثعابين
"ملمسهم أملس ألوانهم مزركشة أشكالهم تغوي بخفة في الرقص حين يزغردون يغررون وحين يرقصون تضرب صعقة الموت" بعد البورتريه الرابع وقبل البورتريه الخامس ـ مكلف بمهمة والبورتريه السادس ـ نهاية، تسطع شمس الشاعرة بين دماء الشمس ـ القصيدة، حيث، نكون مع "أيد سافلة تجترح خطاياها دون حياء وتعج كما الأفعى برحيق السم وتنقض على الكون" ونوار الشمس ـ القصيدة، حيث، "لهبي لهفي يلتهب اللهب النصب السغب ينضح وهج الشمس على روحي أتلهلب يشتعل الحطب وتثور الكرب ويفور العصب ويشع الأدب" بين دماء الشمس ـ القصيدة ونوار الشمس ـ القصيدة يلتئم شمل الديوان معلنا عن شعرية لامست عين القارئ وقلبه.

هي ذي مالكة العاصمي الشاعرة الكبيرة والموهوبة شاعرةٌ، مابين البدايات على درب الشعر والإبداع، حيث القصيدة الأولى والديوان الأول وآخر القصائد والدواوين، طورت قصيدتها تقول : "التطور تلقائي تاريخي عندما يكون الشاعر جزءا من حركة الحياة ملتحما بتقلبات الإنسان والعالم والعصر ومكتسبات هذه الأقانيم وكبواتها، بما فيها تقلبات الذات والكينونة الخارجية والداخلية العميقة، باعتبارها أقانيم في حد ذاتها متعددة ومصطخبة في كل لحظة بأحاسيس ومشاعر وانشغالات وهموم مختلفة ومتفاوتة"
المتشاعرون والمتساهلون مكنت التحولات التي شهدها المغرب والعالم مالكة العاصمي من تناول يتميز بمزيد من الجرأة في الإبداع والبناء لتجربة مرهونة بلحظتها، فيما تحقق تراكماتها.

تقول : انخرطت منذ لثغتي الأولى الشعرية السياسية الثقافية الاجتماعية، في هذه التجربة التاريخية الجدلية التي تنحت الكتابة من بؤرة التحدي والمواجهة والتصريح حد التهجم والتعرية والكشف عما هو مخبوء ومدسوس ومكتوم وموارى خلف أحجبة أو جدران سميكة، وكل ماهو مرفوض ومحاصر وممنوع وبالنسبة إلى الشعر النسائي ربما كنت فاتحة للحاسة النسائية كي تتحرر وتتفتح وتعلن عن أحاسيسها ومشكلاتها .

ويسرني أنني توصلت إلى إحداث هذا التأثير وهذه الطفرة النوعية في الإبداع الشعري وحتى الإبداع السياسي والثقافي والاجتماعي" في هذا السياق، لاتنسى مالكة العاصمي أن ترهن الدور الذي يتوجب على المثقفة القيام به بصدد القضايا المحلية والجهوية والعالمية، وذلك عبر تحديد معالم الثقافة.

الثقافة كـ "منظومة قيم ومقومات ذهنية معرفية إدراكية اجتماعية أخلاقية"
فأن تتحلى المثقفة بالعلم والإدراك، يعني "أن تتحلى بالإخلاص للحقيقة أولا، ولنفسها ولمجتمعها وللإنسان والحضارة والتاريخ وأن تتحلى بالنزاهة ونكران الذات وروح المسؤولية آنذاك ستعرف ما الذي يتوجب عليها فعله لأنها ستنطلق من ضميرها وأخلاقها وتكوينها وتربيتها وإخلاصها للحقيقة ولقيم العدالة والمحبة والسلم وبناء الحضارة" ولأنها فاعلة في المشهد الثقافي المغربي ورائدة فيه بتجربتها وتاريخها لاتتخلف عن تشريح هذا الواقع هناك أولا سؤال استسهال الكتابة هناك ثانيا تساهل النقد "بين تشجيع النقد للإبداع أو تزويره له، وبين جرأة الشاعر وإقدامه على الإعلان عن نفسه، أو تسيبه وانفلاته وادعائه، بون شاسع ومسؤوليتان للناقد والمتشاعر كليهما : مسؤولية النقد أن يعمل على تنمية هذا الإبداع الرفيع وتدعيمه بالأصوات والطاقات الواعدة، وهو فعل سام يساهم في تطور الفن وتحفيزه طالما ظل مضبوطا ومنضبطا
في غير هذا الشرط ينعكس بآثار سلبية ثقيلة تعمل على إفساد الذوق والحط من قيمة الشعر ومكانته ومعانيه".

ينفتح مشهد التناول وتشريح الواقع على مداه، فتضيف : "لكن ليس النقاد والمتشاعرون وحدهم الفاعلون في الساحة اليوم هناك المال، وهناك الجهل الذي ينصب المنابر غير عارف لمن ينصبها، والمتسلق الذي يسعى إلى شيء عبر أي شيء المشكل أن هذا السلوك المتسيب للنقاد والمتشاعرين وبعض الفاعلين، انعكس على الشعر ونال من مكانته، وأثر على علاقته بالجمهور، وقوة تأثيره في الحياة العامة والفنية".

لاتتوقف مالكة العاصمي عند هذا المستوى من التحليل مادامت ستمنح كلامها فرصة نقد واقع يحتفي فيه رجل الشارع بلاعب الكرة والمغني الشعبي من دون المثقف، مما يطرح سؤال نجومية الشاعر والمثقف في بلادنا بحيث تنهال عليه عروض الإشهار ويطارده المعجبون حيث حل وارتحل.

ستتحدث مالكة العاصمي، هنا، عن "وجود خلل حقيقي في التعامل مع الثقافة والمثقف ومع الإبداع والمبدعين"، حيث نكون مع حالة من انعدام التوازن المهدد للتقدم والنهضة الاجتماعية.

فعندما يتم التركيز والتمركز على أنواع من الإبداع التي يمكن اعتبارها من باب الإبداع السهل، فإن الأمر، برأي شاعرتنا، يتحول إلى توجه يستهدف إلهاء وتخدير المجتمع وصرفه عن العمل والجد، وتعليق آماله على كل ما هو سهل وحتى تافه وبسيط، وقيادته نحو الجهل والأمية، وشغله عن قضاياه العميقة وعن بناء مستقبل النهضة والتقدم والتطور".

تطور المجتمعات الذي يقتضي بالضرورة، والكلام لمالكة العاصمي، "تأهيل المجتمع وتكوينه وتعليمه وتثقيفه وتوجيه تطلعاته إلى النماذج العميقة والبانية للفكر والمؤهلة للإبتكار والخلق، وتوسيع أفق الخيال والمعرفة والتأمل".

ترى مالكة العاصمي أن الكرة والرياضة والغناء لاتبني الأمة والحضارة ولاتؤهل المجتمعات للمنافسة، خصوصا وأننا "لاننفذ إلى الكرة والفن عن طريق الدراسة ولا نتوفر على مؤسسات تأهيلية تخرج أطرا تجمع بين العلم والخبرة والممارسة، ولكن نتسرب إلى هذه الاختصاصات عن طريق الفشل المدرسي والضياع والبطالة، مما يكرس الوعي المغلوط لدى المجتمع ويحرضه على الإهمال والتواكل، خصوصا أن الكرة والرياضة تحولت إلى نشاط بالنيابة، يجري في التلفزيون والفضائيات، وليس في الملاعب".

تعترف مالكة العاصمي بسطوة التجارة والمال ومافيات التضليل، التي "لم تترك شيئا قابلا للاتجار وتحقيق الدخل إلا ركزت عليه" بل إن التلفزة كجهاز إعلامي لاتسلم بدورها من المساءلة.

التلفزة التي تنقل في كل نشرة ويوميا أخبار الرياضة والمقابلات الرياضية وكل أنواع البطولات الرياضية التي تنظم وطنيا وعبر العالم، وتعقد لقاءات مع الرياضيين وبرامج للتعليق وتحليل كل مقابلة على حدة هذه التلفزة ماذا يبقى من الوقت لها كي تخصصه للشعر والثقافة والفن الراقي والإبداع الفكري العميق الذي يفتح آفاق التفكير والتخيل والتأمل ويحفزه للإبداع والتطور ويغني مداركه بالمعرفة ؟ والأكثر من كل هذا، ماذا يبقى للمواطن ليفكر في نفسه وقضاياه وقضايا الأمة وحاجياتها ؟ تتساءل مالكة العاصمي
لاتتوقف مالكة العاصمي عند طرح الأسئلة ووصف الواقع، بل تعري على الجرح، قائلة : "ربما يكون هذا أحد أهم أسباب تخلف البلاد ومحدودية أفق وفضاء تفكيرها ورؤيتها وإدراكها للأشياء ونفاذها إلى عمق المعرفة والإدراك وأبعادهما".

بمثل هذا التحليل، تتدرج مالكة العاصمي من موقع الشاعرة إلى موقع المثقفة الحاملة لهم المجتمع وفق تصور سياسي يأخذ من إيجابيات التداخل بين مستويات التفكير والوعي ذهاب وإياب وتداخل بين مواقع الفعل والعمل، لذلك تقول : "مبدئيا لي رؤيتي الفكرية الشعرية التي أنفثها من عمق تجربتي الخاصة وتجربة الأمة والإنسان المعاصر".

رغم ما يتخبط فيه الشعر من خلط والتباس، فالشعر المغربي، برأي مالكة العاصمي، "ناهض طموح ومتطور يراكم تجاربه التابعة والمبدعة" لكن الشعر "يعاني التهميش"، تقول مالكة العاصمي "الشعر مضطهد مقصي محاصر لا يكاد يجد له مكانا في منابر القول والفعل" و"هي مشكلة كبيرة" أن يكون الشعر على مثل هذه الحال
بالمقابل، "من حق الشاعر ومن واجب الأمة أن تخصص للشاعر وتمنحه وتضعه في المكانة التي يستحقها والتي تضع فيها اليوم من هب ودب وحطب وكذب ولعب وضرب جميع القيم العقلانية الترشيدية للتسيير والتدبير والتقرير والفن ووظائفه السامية".

و"من حق الشعر أن يخصص له الفضاء والمناخ والمؤسسات التي تليق به وتحفزه وتهيئ له ظروف التلقي الأكثر تجاوبا وتأثيرا" لاتنطلق مالكة العاصمي في كلامها من فراغ، بل من واقع يمنح فرصة وضع المقارنات ورصد المفارقات، إذ "بينما تقام المنشآت الرياضية وتحشد للرياضة شروط الإعلام والإشادة والجوائز والتعويضات والتحفيزات والاحتفاليات اللامتناهية، يعاني الشاعر من اليتم والإهمال والتجاهل والتهميش والتبخيس
ويصادر منه المجال والمنبر أو يهمش ويهمل".

إنها "كارثة تعكس تخلف الحاضر، وتنذر بتخلف المستقبل"، تعلن مالكة العاصمي محذرة
إلى التهميش والاضطهاد والإقصاء الذي يعاني منه الشعر والشاعر، تقتنع مالكة العاصمي، في رصدها لوضعية القراءة، بأننا سنظل نطرح نفس السؤال.

سؤال القراءة "إلى أن يفتح الله على بلادنا وسياستها وعلى أجهزتها الثقافية والتعليمية والإعلامية والقائمين عليها ويمدهم بوعي جديد" وضعية قراءة تعبر عن واقع ينقل لكارثة كبرى تجعل مجهود التنمية البشرية، برأي مالكة العاصمي، "كلمة لا أبعاد لها ولا أفق" لأجل ذلك تختم مالكة العاصمي، بما يشبه الاقتناع، قائلة إن مجهود التنمية البشرية سيظل "بدون آثار ولا نتائج طالما علاقته بالثقافة مقطوعة".

حراس وصلاة وكتب طبخ في مراكش قصدتُ المكتبات شارع علال الفاسي جليز
جامع الفنا قصدتُ المكتبات راغبا في دواوين ومؤلفات مالكة العاصمي والنتيجة ؟؟ وحدها كتب الطبخ وماإليها من العناوين كانت تلمع وتتبختر في توابلها فيما تملأ الرحب وترتب للمكان تقول مالكة العاصمي في قصيدتها "شيء .

له أسماء" : "صليتُ ولم ينكشف الغم ولم تنزل رحمته الواسعة الأرجاء على هذا الكون المنكود ومازلت أصارع من يختطفون المحراب إذا رمت أصلي ويقيمون الحراس بباب المسجد لم يتطهر هذا الكون بصلواتي مازلت أصلي".




تابعونا على فيسبوك