شروط المصالحة مع السياسة في المغربلسعيد بنسعيد العلوي :

مبررات التفاؤل في واقع مأزوم

السبت 29 أبريل 2006 - 13:25

ضمن منشورات "الزمن"، صدر حديثا عدد جديد من سلسلة "كتاب الجيب"، وهو مؤلف للدكتور سعيد بنسعيد العلوي، يحمل عنوان "شروط المصالحة مع السياسة في المغرب" ويبحث في ظاهرة العزوف عن الاهتمام بالشأن العام ومن العمل السياسي خاصة، لدى العديد من المواطنين المغاربة ولا


يؤكد بنسعيد العلوي أن ظاهرة العزوف عن الشأن العام (أو قلة الاهتمام به عبر المؤسسات السياسية وأشكال العمل الجماعي التي تشرع لها القوانين السياسية والأعراف الاجتماعية) وتؤدي إلى انعكاسات سلبية، تكاد تكون فورية، على الفكر والوعي الاجتماعي، ومن ثمة على العمل والسلوك الاجتماعيين وهي انعكاسات تكون في أول الأمر أقل جلاء.

ويعتبر المؤلف أن هذه الظاهرة التي تحمل على القلق والانشغال على المستقبل القريب، تهدد المجتمع في اللحمة التي تشد مكوناته إلى بعضها البعض.

ثم يقف عند المؤشرات التي يراها دلالات تؤكد دعواه في الحكم على المجتمع المغربي بحال العزوف عن العمل السياسي وقلة الاهتمام بالشأن العام، محددا إياها في أربعة مؤشرات : ـ النسب المائوية المتدنية للمشاركة في الانتخابات
ـ النسب المائوية الهزيلة للمشاركة في الحياة الفعلية
ـ الجرائد اليومية والأسبوعية ووسائل الاتصال السمعي البصري الوطنية
ـ العزوف الشبابي الواضح.

أما عن أسباب هذه "الخصومة"، فيقول الكاتب : يعزو الكثيرون واقع العزوف عن السياسة بالمغرب إلى السنوات العسيرة التي عاشها المغرب خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ويذهبون إلى أن التضييق الشديد على الحريات العامة الذي شهدته تلك الحقبة، والتنكيل الذي لحق بشباب اليسار عامة وببعض فصائله خاصة، كان من شأنه أن يثني العزائم عن العمل السياسي ويسلم إلى اليأس، نتيجة القمع والتعذيب.

ويضيف إلى ذلك عاملين كبيرين متصلين بالسياق الدولي، يتمثل أولهما في ظهور نظام القيم الجديدة المرتبطة بالسوق وانهيار المعسكر الشيوعي، مشيرا إلى أن هذا العامل حاضر وفاعل في الحياة الاجتماعية المغربية، ولكنه حاضر بتناقضات لا يعرفها ذلك العامل في دول الغرب الأوربي وفي دول أميركا اللاتينية وفي دول جنوب شرق آسيا وفي مناطق أخرى مختلفة من آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تناقضات ترتبط بأسباب أخرى يذكر منها : الارتفاع الكبير في نسبة الأمية، وضعف الدخل القومي الخام، وسيادة روابط اجتماعية نوعية، والحضور القوي للدين في المجتمع وفي الثقافة معا.

ويحدد العامل الثاني في ظهور وانتشار الحركات الإسلامية في العالم العربي، ويلاحظ أن هذا العامل الذي يشبهه بالزلزال، يكتسح الوعي اكتساحا يجد جذوره في بنية الشخصية ذاتها، ويستمد قوته من المكونات الثقافية العميقة.

والنتيجة الأولى، الطبيعية والمباشرة لذلك ـ حسب المؤلف ـ هي أن عدة أنماط من السلوك والتعبير والتموقف (كالرفض الاجتماعي والاحتجاج السياسي والاعتراض الأخلاقي والبحث عن سلم جديد من القيم والمعايير الطامحة إلى التغيير وقلب الأوضاع السائدة) تجد في الخطاب الديني الإسلامي ما يحمل على الاستهواء ويغري بالاتباع في مستوى الوهم والخيال على الأقل.

ويذهب إلى أن الهم السياسي قد أخذ يسلك دروبا جديدة لم تكن مألوفة من قبل، دروب تختلف وتتنوع بين الإغراق في الروحانية والتجارب الصوفية ومجالس الذكر والمجاهدة(مشروعا حين تكتمل عناصره وأسبابه، وبين التعاطف الوجداني المحض واعتناق نوع من الثورية الرومانسية الإسلامية، رومانسية تذكيها أخبار هجمات إرهابية ترفع شعار الإسلام هنا أو هناك وتغذيها صور وأشرطة تلفزية تتناقلها الفضائيات لأسباب تجارية واستهلاكية وإيديولوجية.

ويستدرك بالقول إنه مهما يكن من أثر العاملين سالفي الذكر (انهيار المعسكر الاشتراكي وظهور قيم استهلاكية جديدة، وكذا انتشار الحركات الإسلامية)، فإن الخصومة بين المجتمع المغربي والاهتمام السياسي تجد تفسيراتها الطبيعية والمباشرة في البنية الاجتماعية المغربية وما اتصل منها بالسياسة من جانب وبالثقافة من جانب آخر
ويوضح أن الأسباب تكمن في الأحزاب المغربية وبنياتها، مثلما يكون التماس جذورها العميقة في طبيعة النظام التعليمي، المسؤول الأول عن إعداد المواطن، وفي البنيات الأخرى التي تشكل مادة المجتمع وتنسج العلاقات التي تكون بين مكوناته.

بعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى الحديث عن المصالحة مع السياسة، مصالحة تشترط ـ برأيه ـ امتلاك زاد كبير من الأمل في المستقبل وقدرة على استكناه مبررات الرجاء والتفاؤل في واقع لا يحمل على ذلك، ويسوق ثلاث قرائن يعتبرها مؤشرات لتحقق تلك المصالحة، وذلك على النحو التالي : ـ حركية المجتمع المدني ونشاطه الحيوي في بلادنا، ذلك أن المجتمع المدني، منذ الأعوام الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي يشهد ازدهارا وتطورا قابلين للملاحظة العلمية، فمن الناحية العددية، هناك تنام متصل في إحداث الجمعيات من أصناف متعددة.

ـ القانون المتعلق بالأحزاب الذي يعبّر عن إرادة سياسية فعلية وعن خطوة تشريعية تتوافر لها أسباب الشرعية كاملة، تسعى إلى إكساب العمل الحزبي في المغرب ضمانات فعلية من الشفافية في التدبير وضمانات تتصل بتوفير شروط الديمقراطية في التنظيمات الهيكلية للأحزاب.

ـ الدرس الذي خرج به المغاربة من واقعة 16 ماي 2003، والمتمثل في كون الجسد المغربي قوي وسليم، وأن قدرته على المقاومة مذهلة وثقته في مؤسساته جلية وقابليته لرد الفعل والالتحام مدهشة للملاحظ وهي عند المواطنين تلقائية.

إن الوقوف عند القرائن الثلاث المشار إليها لا يعني ـ عن الدكتور سعيد بنسعيد العلوي ـ انتفاء قرائن أخرى غيرها، فقد يكفي أن نوجه الحديث وجهة ردود الفعل التي أحدثتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حتى نتبين أن القول بالمصالحة مع السياسة ليس، في مغرب اليوم، قولا يصدر عن التفاؤل الساذج ولا حكما مصدره الوقوع في الخلط بين عالم الرغبات والأحلام وحقيقة الواقع الحي المتحرك.




تابعونا على فيسبوك