جديد عز الدين الخطابي وإدريس كثير

حاجة المجتمع إلى الإبداع الفكري

الخميس 20 أبريل 2006 - 12:18

"في الحاجة إلى إبداع فلسفي"هو آخر الإصدارات المُشتركة بين الباحثين عز الدين الخطابي وإدريس كثير، وصادر هذه المرة عن منشورات "الزمن"العدد 48 2006 153 صفحة من الحجم الصغير .


يحاول هذا الكتاب، كما نقرأ في التقديم، مقاربة موضوع الإبداع الفلسفي من زوايا متعددة ـ زاوية موضوعاتية تطرح فيها الفلسفة في إطارها كمجال للإبداع الفكري وكدعوة للتفكير وللمساءلة وللإنصات إلى نداء الوجود الذي ينادينا، حسب التعبير الشهير لهايدغر.

ـ زاوية مفهومية تخص مفهوم الإبداع في الفلسفة ومسألة إبداع اللغة وإبداع العالم كقضية أنطولوجية.

ـ زاوية مجتمعية تتحدد عبرها حاجة المجتمع إلى الإبداع الفلسفي خاصة والفكري عامة
وعليه، تحاول المواضيع المُقترحة الإبانة عن الأوجه المتعددة التي يتخذها الإبداع في الفلسفة، من منطلق أن خاصية الفكر الفلسفي كفكر تساؤلي نقدي، هي خلخلة الأفكار الجاهزة وإعادة النظر في الحقائق القائمة، بما فيها حقائقه هو، مما يُخول للمؤلفين التوصل إلى أن الإبداع كان حاجة مجتمعية وانعكاسا للحركية الفكرية والثقافية داخل المجتمع، ولعل ما يجمع نصوص هذا الكتاب ويوحدها، هو الإقرار بكون الفلسفة مجالا للإبداع الفكري بامتياز وهنا تبرز الحاجة إلى الفلسفة وإلى إبداعاتها .

تم توزيع النصوص على أربعة فصول، وقد جاء الفصل الأول تحت عنوان : "سبل ومسارات"، محاولا من خلال قراءة قصيدة بارمنيدس في الوجود وتتبع مسارات أوكتافيو باث على درب "غالطا"، ومسارات مارتن هايدغر على درب الفلسفة، أن ينير الطريق نحو الإبداع، لاكتشاف ما هو مخفي ومنسي، وقد اختُتِم هذا الفصل بمقولة رائعة لهايدغر اقترحها كاستهلال للطبعة الكاملة لأعماله : "إنها دروب ومسارات وليست أعمالا".

ويا له من تواضع يُميز بالتحديد المفكرين والباحثين الذين يحترمون أنفسهم أولا، ونستحضر هنا ما صدر عن الروائي الجزائري (الفرانكفوني) رشيد بوجدرة، عندما أطلق النار على جميع الروائيين الجزائريين القدامى والجدد، ـ آسيا جبار وكاتب ياسين والطاهر وطار ورشيد ميموني وياسمينة خضرا.

ـ مُعتبِرا نفسه، دون سواه، بمثابة "الكاتب الكبير والمبدع الوحيد" الجزائر راجع مقال بشير مفتي في يومية "الحياة"اللندنية.

عدد 642006بالنسبة للفصل الثاني من الكتاب، فيتضمن نصين : يعالج الأول مسألة الترجمة كتعبير عن الروح الإبداعية للأمة، وذلك من خلال التأكيد على أن يقظة أية أمة، يجب أن تقوم على ثلاث ركائز وهي : الشعب، الروح واللغة.

ويقظتنا كقضية فكرية، مرتبطة أيضا بالإرادة السياسية والدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في هذا الإطار أما النص الثاني، فيعالج إشكالية اللغة كشرط للإبداع الفلسفي وتأصيل المفاهيم، وذلك من خلال مؤلفات لودفيك فيدجنشتين وخاصة مؤلفه "Tractatus" وكذا مؤلف فريتس فالنر "مدخل إلى الواقعية البنائية".

يشتغل الفصل الثالث على نموذجين للإبداع الفلسفي في العصر الوسيط وهما : الكندي والفارابي والغاية من اختيار هذين النموذجين، والتقييم دائما بباحثين، هي التأكيد على أن تعامل الفكر العربي الإسلامي مع الآخر المختلف (الفكر الفلسفي اليوناني) لم يكن وليد الصدفة، بل كان استجابة لحاجة ولضرورة اجتماعيتين : حاجة المجتمع العربي الإسلامي إلى إبداع ذاته وضرورة الاستفادة مما أبدعه غيره وهو ما يُفسر توقف الكندي عند مسألة إبداع العالم من خلال مقولته : "تأسيس الأيسات عن ليس"والتي يمكن قراءتها قراءة اختلافية مغايرة، تنظر إلى "الأيس"من منظور الإضمار والثني وليس كإقرار بسيط لحالة الوجود من عدم.

وأخيرا، يشتغل الفصل الرابع على مبحثين لمؤلفين مغاربة، وهما "الحداثة وما بعد الحداثة"لمحمد سبيلا و"أسس الفكر الفلسفي المعاصر مجاوزة الميتافزيقا"لعبد السلام بنعبد العالي.

فيما يتعلق بالكتاب الأول، فإن دواعي اختياره ترجع إلى استجابته لمطلب مجتمعي راهن يتمثل في الحاجة إلى الحداثة وإلى الوعي بها، لذلك حاولت القراءة مرافقة المؤلف في مسار عرضه للتحولات الفكرية الكبرى للحداثة والوعي الفلسفي بها ونقدها، متسائلة معه عن موقعنا نحن الذين "لا حداثة حقيقية لنا"من هذه الدينامية التاريخية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها الآخر (الغربي) وكيف يمكننا استدماج القيم الحداثية انطلاقا من خصوصيتنا الثقافية وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الفلسفة والمشتغلين بها في هذا الإطار.

أما الكتاب الثاني، فإن الإشكاليات المثارة بين طياته تصب كلها في مجرى مجاوزة ومجاورة الميتافزيقا فالأمر يتعلق باجتهادات وإبداعات فلسفية لكل من نيتشه وهايدغر وفوكو ودريدا ودولوز تروم الانفلات من القبضة الصارمة لأفلاطون وأرسطو وهيغل وذلك عبر ممارسة "انقلاب فلسفي"سيكون من نتائجه إعادة النظر في المفاهيم والقضايا التي ارتبطت بأنساق هؤلاء الفلاسفة وصياغة مفاهيم مضادة، وهي إشارة إلى أن مجاوزة الميتافزيقا استراتيجية لا نهاية لها وذلك تأكيد آخر على أن معنى الحقيقة وحقيقة المعنى متحدان باستمرار وأن حياة الفلسفة تكمن في إبداعيتها وخلخلتها للسائد وللمألوف.

وسواء تعلق الأمر بكتاب "الحداثة وما بعد الحداثة"أو "أسس الفكر الفلسفي المعاصر / مجاوزة الميتافزيقا"أو أغلب ما يُحرر حول هذه "المفاهيم"والمواضيع في الساحة المغربية والعربية على حد سواء، نرى أن الأمر ـ حتى نكون صرحاء أكثر ـ لا يخرج عن اجتهادات وكتابات حول الفلسفة وليس اجتهادات وكتابات في الفلسفة، وإذا كان هايدغر اختزل مُجمل أعماله في عبارة "دروب ومسارات"، فماذا نقول عن باحثين عرب لم يخرج أغلبهم من دائرة "الحداثة المُقلِّدة".




تابعونا على فيسبوك