لقيت الدراسة المطولة التي نشرها مايكل شوسودوفسكي في يناير الماضي تحت عنوان " الحرب النووية ضد إيران " على موقعه www.globalresearch.ca صدا كبيرا في الأوساط السياسية والعسكرية واعتمدتها الكثير من مراكز الدراسات والأبحاث في رسم الصورة المحتملة لحرب أميركية إ
ومايكل شوسودوفسكي للذين لا يعرفونه هو خبير في النزاعات الدولية، وصاحب الكتاب الذائع الصيت "عولمة الفقر" الذي ترجم إلى 11 لغة، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة أوتوا ومدير مركز "الأبحاث حول العولمة" .
ويتعاون مع الموسوعة البريطانية "أونسيكلوبيديا بريطانيكا"، وآخر كتاب نشر له هو "الحرب الأميركية على الإرهاب" العام الماضي.
يقول شوسودوفسكي إن التهييء لحرب حقيقية ضد إيران ستستعمل فيها قاذفات حاملة لرؤوس نووية قد دخلت مراحلها الأخيرة. وأصبح الشركاء في التحالف الذي يضم الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا في حالة تأهب متقدمة. وأن العديد من المناورات العسكرية أجريت منذ بداية 2005 .
والقوات المسلحة الإيرانية شرعت منذ دجنبر 2005 في تدريبات مكثفة في الخليج الفارسي تحسبا لضربة قوية ومستمرة من طرف الولايات المتحدة.
ويستشهد شوسودوفسكي بفرضيته بأنه منذ ربيع 2005، والساحة الدولية تشهد تحركات دبلوماسية كثيرة ما بين واشنطن وتل أبيب وأنقرة وقاعدة الناتو في بروكسيل.
ويعتبر أن من بين أهم الأحداث الأخيرة، تجب الإشارة إلى أن مدير وكالة الاستخبارات الأميركية بورتر جوس، طلب خلال مهمة له في أنقرة من الوزير الأول التركي رجب طيب أردوغان دعما سياسيا ولوجيستيكيا في حالة قصف أهداف نووية وعسكرية إيرانية
ويفترض الخبير الأميركي أن يكون جوس قد طلب من مصالح المخابرات التركية أن تتعاون بشكل خاص في الإشراف على العملية.
ويكشف شوسودوفسكي أن لولا الوعكة الصحية التي أصابت أرييل شارون وأقعدته نهائيا عن العمل السياسي لكان أعطى للجيش الإسرائيلي الضوء الأخضر لبدء الضربات في نهاية مارس 2006، ويضيف أن كل المسؤولين الإسرائيليين كانوا يعتبرون أن نهاية مارس ستكون تاريخا ملائما لتوجيه ضربة عسكرية لإيران لأنها تتوافق مع التاريخ الذي ستقدم فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها حول برنامج إيران النووي إلى الأمم المتحدة.
ويؤكد شوسودوفسكي أن المشروع العسكري المدعوم من قبل الولايات المتحدة لقي موافقة من حلف الناتو، لكن تبقى الكيفية التي سيشارك بها الحلف في الضربات الجوية مجهولة.ويفيد تقرير شوسودوفسكي أن كل جوانب العملية العسكرية للعملية تتم تحت إمرة الولايات المتحدة وبتنسيق بين البنتاغون والقيادة العامة لـ "القيادة الإستراتيجية الأميركية" في القاعدة الجوية "أوفوت" في نبراسكا.
ومن المتوقع أن تجري العمليات المعلنة من طرف إسرائيل بتعاون وثيق مع البنتاغون، إذ سيكون مقر القيادة مركزية وواشنطن هي التي ستقرر توقيت انطلاقها .
وقد أكدت مصادر عسكرية أميركية، حسب الخبير في الصراعات الدولية، أن الضربة الموجهة إلى إيران سوف تؤدي إلى إعادة انتشار مهم للقوات شبيه بذلك الذي حدث في عملية "الصدمة والرعب" التي تعرض له العراق في مارس 2003.
وبإمكان الاستراتيجيات العسكرية أن تضع مجموعة من الأهداف بحسب اختيارات الحكومة الأميركية، عبر حصر الضربات على المنشآت الحيوية.
وليس من المستبعد أن تختار الولايات المتحدة توجيه عدد كبير من الضربات ضد تشكيلة متنوعة من الأهداف.
توافق لصالح حرب نووية يقول شوسودوفسكي إنه لا توجد داخل الاتحاد الأوروبي شخصية سياسية واحدة عارضت فكرة توجيه ضربات نووية ضد إيران، وأنه تجري حاليا مشاورات بين واشنطن وباريس وبرلين.
وعلى عكس ما وقع خلال اجتياح العراق الذي رفضته فرنسا وألمانيا على المستوى الدبلوماسي، فواشنطن حصلت هذه المرة على موافقة داخل حلف الناتو وأيضا داخل مجلس الأمن.
ويكشف شوسودوفسكي أن الاتفاق الذي حصل بين "الحلفاء الجدد" يتعلق بالحرب النووية التي من الممكن أن تؤثر على جزء كبير من منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
ويقول إن عددا من الدول العربية المجاورة أصبحت اليوم شريكة، ضمنيا، في المشروع العسكري الأميركي الإسرائيلي.
بل إنه في نونبر 2004 التقى ك.بار القادة العسكريين الإسرائيليين في مقر مركز قيادة الناتو في بروكسيل بنظرائهم في الدول الست المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ووقع حينها بروتوكول اتفاق ما بين الناتو وإسرائيل.
الحرب النووية المفترضة ستكون حسب شوسودوفسكي عبارة عن "ضربات جراحية" ستقدم للرأي العام العالمي على أنها وسيلة لمنع إيران من صناعة الأسلحة النووية
وسيقال للعالم إنها ليست حربا بل عملية عسكرية لاستتباب الأمن ترتكز على تفجير المنشآت النووية الإيرانية.
هل الأسلحة النووية الصغيرة دون تأثير على السكان المدنيين؟ تتوقع العملية العسكرية التي يتحدث عنها شوسودوفسكي بصيغة تأكيدية اللجوء إلى ضربات وقائية بأسلحة نووية تكتيكية
ويفيد في هذا الصدد أن المشروع العسكري يعتمد على نظرية الحرب النووية "الوقائية" التي تعتمدها إدارة بوش وتعرضها في التقرير الثاني حول "حالة الترسانة النووية الأميركية لسنة 2002".
ويقول شوسودوفسكي "لقد لجأوا الى تضليل إعلامي واسع بهدف إخفاء النتائج المدمرة لاستعمال رؤوس الطوربيدات النووية ضد إيران، بحيث إن القيام بضربات وقائية ضد إيران بواسطة الأسلحة النووية لا يخضع حاليا لأي نقاش حول نتائجه".
ومنذ صدور قرار مجلس الشيوخ الأميركي، تعتبر الأسلحة النووية التكتيكية أي القنابل النووية ضعيفة القوة من الجيل الجديد غير ذات خطر على السكان المدنيين لأنها تنفجر تحت الأرض.
ويشير شوسودوفسكي إلى أنه بفضل حملة ترويجية مدعومة من قبل المتخصصين في المجال النووي، تقدم الأسلحة النووية الصغيرة على أنها وسائل للسلم وليس للحرب، ويرخص باستعمالها في ساحات المعركة، كما يتوقع أن تستعمل في المرحلة المقبلة من الحرب الأميركية على الإرهاب بالموازاة مع الأسلحة الكلاسيكية.
وتعتقد الإدارة الأميركية أن الأسلحة النووية الصغيرة أكثر فاعلية كوسيلة للردع مقارنة مع الأسلحة النووية التقليدية في حق الدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية.
ويقول شوسودوفسكي إن هذه الأسلحة تقدم على أنها وسيلة للحفاظ على السلام وتفادي الأضرار الجانبية، في حين أن القوة التدميرية لكل رأس نووي صغير توازي ثلث قوة قنبلة هيروشيما، دون احتساب انعكاسات الإشعاعات النووية القوية، إلا أن التعريف الجديد للقنبلة النووية الصغيرة يخفي الفرق بين السلاح الكلاسيكي والسلاح النووي"
ويعتبر الخبير الدولي أن البشرية تعيش منعطفا خطيرا في تاريخها، لأن المجتمع الدولي صادق على مبدأ الحرب النووية باسم تحقيق السلام على الأرض.
وحدة قيادة الضربات الأرضية والجوية
ويقدم شوسودوفسكي أطراف الحرب المزمع تنفيذها، ويقول إنه إذا ما وقعت ضربة وقائية بواسطة الأسلحة النووية التكتيكية فستكون بالتنسيق ما بين مركز القيادة الاستراتيجي الأميركي والقاعدة العسكرية "أوفوت" في نيبراسكا وبالتعاون مع وحدات قيادية من الولايات المتحدة ودول تحالف الخليج الفارسي والقاعدة العسكرية لدييغو غارسيا وإسرائيل وتركيا.
وحسب التحليل نفسه، فإن مهمة مركز القيادة الاستراتيجي الأميركي ترتكز على متابعة "مخطط الهجوم الشامل" الذي يتوقع استعمال الأسلحة الكلاسيكية والأسلحة النووية.
ولتنفيذ هذه المهمة أنشأت وحدة قيادة جديدة تسمى JFCCSGS أو "الوحدة العملية للقيادة الجوية والضربة الشاملة".
ومهمتها مراقبة انطلاق الهجوم النووي طبقا لتقرير الترسانة الأميركية سنة 2002
ويتوقع هذا التقرير إمكانية استعمال الصواريخ الصغيرة الحاملة للرؤوس النووية ليس فقط ضد الدول المارقة، ولكن أيضا ضد روسيا والصين.
وحسب شوسودوفسكي فقد أعلن المكلف بشؤون التواصل داخل مركز القيادة الاستراتيجية الأميركية أن الوحدة الجديدة تتوفر على الشروط الرسمية الضرورية لتكون عملية في أقرب الآجال. وأسبوعا قبل هذا الإعلان كانت الوحدة تنهي تدريبا لمركز القيادة سمي "الصاعقة الشاملة" .
ويضيف المسؤول أن النتائج القياسية للوحدة التي تتكون من 250 شخصا تقريبا خلال التدريب أظهرت أنها على استعداد لتحقيق مهمتها التي تتمثل في إثبات قدراتها على توجيه ضربة عالمية وفي الفضاء لـ "ردع المعتدين"، وإذا ما تلقت الأوامر بذلك فستتفوق على العدو عن طريق وسائل شاملة ومشتركة تهدف إلى دعم مركز القيادة الإستراتيجية الأميركية بشكل حاسم".
ويقول الخبير الأميركي إن مصادر حكومية ومتخصصين في الشأن النووي أوضحوا أن إحدى المهمات الرئيسية للوحدة هي "وضع استراتيجية نووية تهدف إلى مهاجمة الدول المارقة بواسطة أسلحة الدمار الشامل".
المخطط النظري كونبلان 8022
تجدر الإشارة إلى أن عمل الوحدة العملية للقيادة الجوية والضربة الشاملة يوجد في مرحلة تهييء متقدمة في ما يخص إطلاق هجمات تستهدف إيران وكوريا الشمالية ويسمى التطبيق العملي للضربة الشاملة "المخطط النظري كونبلان 8022"، ويوصف بأنه مخطط ملموس تترجمه البحرية وسلاح الجو إلى هجمات منسقة مابين غواصاتها وقاذفات القنابل.
ويقدم أيضا على أنه المخطط العام للسيناريوهات الاستراتيجية المجهزة والتي تشرك استعمال الأسلحة النووية". وتتحدد مهمة"JFCCSGS" في تطبيق المخطط النظري كونبلان 8022-، الموجه ضد إيران، أي إطلاق حرب نووية ضد هذا البلد .وسيكلف القائد العام للقوات المسلحة وهو الرئيس جورج بوش وزير الدفاع الذي سيكلف بدوره قادة أركان الجيش بتنشيط هذا المخطط.
دور إسرائيل
يعتبر شوسودوفسكي أن الدور الإسرائيلي في هذه الحرب دور محوري، ويستشهد على ذلك بأنه منذ نهاية 2004، وإسرائيل تخزن أسلحة كلاسيكية ونووية من صنع أميركي تحسبا لهجوم ضد إيران. وقد انتهى هذا التخزين الذي مولته المساعدة العسكرية الأميركية في يونيو 2005 .
وتلقت إسرائيل من الولايات المتحدة الآلاف من "الأسلحة الذكية" التي يمكن أن تقذف من الطائرات، ومنها 500 قنبلة مخترقة للمخابئ المحصنة تحت الأرض يمكن أن تستعمل أيضا كموجه للقنابل النووية التكتيكية.
وفي هذا الإطار تعتبر قنبلة "ب61-11" النسخة النووية لقنبلة "بلو 113" التقليدية
ويمكن أن تقذف بالطريقة نفسها التي تقذف بها القنابل الكلاسيكية المخترقة للمخابئ المحصنة تحت الأرض.
ويضيف شوسودوفسكي أنه منذ نهاية عام 2003، توجد غواصات من نوع "الدلفين" مجهزة بصواريخ "هاربون" الأميركية ومزودة بالرؤوس النووية موجهة حاليا باتجاه إيران.
توسيع دائرة الحرب
سيناريو الحرب الذي يرسمه شوسودوفسكي يفترض أن إيران إذا ما هوجمت فسترد بإطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل تصريحات مسؤولين إيرانيين لقناة سي إن إن فبراير 2005.
ويمكن أن تستهدف هذه الضربات المنشآت العسكرية الأميركية في العراق وفي الخليج الفارسي، وهو ما سيؤدي فوريا إلى سيناريو للتصعيد العسكري وإلى حرب شاملة
أما المشاركة التركية في العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية، حسب التحليل نفسه، فهي نتيجة اتفاق وقع السنة الماضية بين أنقرة وتل أبيب
وعززت طهران أخيرا، دفاعها الجوي بشراء 29 نظاما مضادا للهجومات الجوية روسي الصنع من نوع "طور إم1".
وفي أكتوبر الماضي وضعت إيران على المدار قمرا صناعيا للتجسس اسمه "سيناء 1" مستعينة بصاروخ روسي. ويضيف شوسودوفسكي أن "سيناء 1" ليس إلا واحدا من مجموعة أقمار صناعية إيرانية من المفترض أن توضع في المدار من قبل الروس في الأشهر المقبلة.
وبالتالي ستمتلك إيران قريبا شبكة من الأقمار الصناعية التي ستكون نظاما للإنذار المسبق في حالة وقع هجوم إسرائيلي، رغم أن ذلك يبقى ضئيلا أمام رادارات التجسس الجوي الإسرائيلية والأميركية القادرة على كشف أدنى التحركات الإيرانية.
بالإضافة إلى ذلك وحسب صحيفة "صنداي تايمز" فقد وقعت روسيا الشهر الماضي عقدا بمليار دولار يتعلق ببيع إيران نظاما حديثا للدفاع قادر على تدمير الصواريخ وقنابل موجهة بالليزر، وسيكون عمليا في الشهور القليلة المقبلة
الحرب الأرضية
ويرى خبير النزاعات الدولية أنه رغم أن مخطط "كونبلان" لا يتضمن مواجهة على الأرض، إلا أن القصف الجوي يمكن أن يؤدي إلى حرب من هذا القبيل، ويمكن بالتالي للجنود الإيرانيين اختراق الحدود ومواجهة قوت التحالف في العراق، كما يمكن للجنود الإسرائيليين أو القوات الخاصة الدخول إلى لبنان أو سوريا.
ويضيف في السياق نفسه أن إسرائيل تتوقع حاليا القيام بتمارين عسكرية ونشر قوات خاصة داخل المناطق الجبلية المتاخمة لإيران وسوريا، وذلك بالتعاون مع الحكومة التركية
وقد نشرت الصحف العربية مقالات متعددة تشير إلى أن أنقرة مستعدة مبدئيا للبدء في مفاوضات لتسخير مجاليها الأرضي والجوي لصالح عمليات موجهة ضد إيران.
النتائج
يقول شوسودوفسكي إن نتائج كل هذه المخططات مخيفة، لأن أوروبا الغربية وأميركا الشمالية توصلتا لاتفاق بخصوص الهجمات الجوية بواسطة الأسلحة النووية التكتيكية دون الأخذ بعين الاعتبار انعكاساتها المدمرة.
وبرأيه فالمجتمع الدولي قبل بكل بساطة احتمال وقوع "محرقة نووية"، وهذه المغامرة النووية التي يحفزها البحث عن الربح هي بالتأكيد تهديد للبشرية.
ويضيف أن ما يجب في الأشهر المقبلة، هو تحرك كبير وطنيا ودوليا لكسر "مؤامرة" الصمت، والاعتراف بالأخطار المحدقة، ووضع مشروع الحرب هذا في قلب النقاشات السياسية وجعله محور اهتمام وسائل الإعلام، على كل المستويات، بما يتطلب ذلك من المسؤولين السياسيين والعسكريين من اتخاذ موقف مضاد للحرب النووية التي تقودها الولايات المتحدة.