تطوان تنفض غبار الفقر والحرمان

الحمامة الحمراء وأفق الخروج من خريطة الهامش

الأحد 22 يناير 2006 - 16:30

عرفت تطوان بعض الأحداث المهمة، خلال سنة 2005، يمكن الوقوف عند أبرزها، ويتعلق الأمر باحتضان تطوان، لأول مرة في تاريخها، لاحتفالات عيد الشباب، وهو ما يكرس استمرار الاهتمام الملكي بهذه المنطقة، كما يدل على ذلك أيضا إجراء مراسيم البيعة، مرة أخرى، في تطوان.

ولعل أهم حدث يتجلى بدون منازع في انطلاق أعمال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من ولاية تطوان، وبالضبط من مدينة الفنيدق، مما يعني أن المنطقة دخلت نهائيا في خريطة المناطق الفاعلة للدولة المغربية بعد عقود من التواجد على الهامش.

وقد استفادت العديد من أحياء مدينة تطوان وجهات المنطقة من برامج المبادرة كرة السبع: الكهربة والماء الصالح للشرب، حي المنكوبين: إعادة الإسكان في تجزئة تمودة... ووقع إشراك الجمعيات الفاعلة للمجتمع المدني في هذا المجهود الهادف إلى تحسين ظروف حياة المواطن هناك حيث تراكم الفقر والحرمان.

على صعيد العمل الجماعي، ظلت الجماعة الحضرية لتطوان في سبات عميق لمدة طويلة، وهو سبات أخرجتها منه بالكاد الزيارة الملكية في مطلع الصيف الماضي، حيث شهدت بعض الشوارع الرئيسية جملة من الترميمات كتكميل لبرنامج أعمال سبق أن تم تبنيه، لكنه لم يكتب له التطبيق من قبل لأسباب ستتم الإشارة لها.

ثم تحركت الجماعة الحضرية بقوة في الأيام الأخيرة من سنة 2005 لإعداد شارع الجيش الملكي ولتحسين حالة بعض الأحياء، كحي سفير وهو بالمناسبة المعقل الانتخابي للمستشار الجماعي والبرلماني عبد السلام أخوماش، الرجل الثاني في الجماعة الحضرية.

ويبدو أن الوتيرة السريعة لهذه الأعمال تعود لزيارة ملكية أخرى مرتقبة عن قريب
كما أن هذه الأعمال تتم في سياق أشمل ألا وهو سياق التحضير للانتخابات المقبلة كما كان يحدث في السابق حيث تبقى تطوان في حفرها إلى غاية الفترة التي تسبق الانتخابات لتنبعث الأشغال بقدرة قادر في بعض الأحياء وتذوب كل "العراقيل الإدارية" المرتبطة بالصفقات وغيرها من الخرافات التي تسود طوال السنة، هناك تفسير آخر يربط انطلاق الأشغال الحالية بعد تأخر طويل، بمغادرة الوالي السابق لمباركي لتطوان، ذلك أنه كان "متشددا" في تطبيق القانون، هذا القانون الذي يحلو للبعض التعامل معه بطرق "خاصة"، لهذا لم يكن من الغريب أن يتأخر إطلاق المشاريع فيما يشبه نوعا من "الإضراب" الضمني، كما لم يكن من الغريب كذلك أن تقام الدنيا وتقعد بعد ذهاب لمباركي.

هذا هو حال السياسة المزاجية التي لا تفصل ما بين المصالح الشخصية والمصلحة العامة التي تبقى رهينة النزوات وعلى ذكر الولاة، فيبدو أن الدولة لم تهتد بعد إلى الصيغة الملائمة بالنسبة لتطوان فلقد تناوب على تطوان ثلاثة ولاة خلال سنة 2005
الوالي لمباركي الذي عين واليا في أواخر سنة 2002، والذي اصطدم أسلوبه في ضبط الأمور باستياء أقوى لوبيات المدينة (ومن ضمنها لوبي البناء) ومن يدور في فلكها من ساسة ومنتخبين ورجال إدارة..

وقد عين لمباركي على رأس وكالة تنمية الأقاليم الشرقية المحدثة مؤخرا، ثم الشرقى الضريس، الذي أبان عن مؤهلات مهمة خلال الفترة القصيرة التي قضاها بتطوان قبل أن يعين على رأس ولاية العيون، ثم إدريس الخزانى الذي دشنت الدولة به، ربما، مرحلة عودة رجل السلطة إلى الظل بتطوان، واكتفائه بتدبير الملفات الإدارية في صمت. في المقابل، وهذه سمة أخرى حملتها الشهور الأخيرة لسنة 2005، يبدو أن بعضا من ثقل مسؤولية التنمية بالمدينة سيقع على رئيس الجماعة الحضرية لتطوان رشيد الطالبى لعلمى ، وهو بالمناسبة وزير في الحكومة الحالية (وهذا ربما هو ما يفسر ذاك).

تقطيع ترابي
هادف لكن يبدو أن الدولة واعية بآفات العمل الجماعي بتطوان وبنواقص النخب السياسية التي تعاقبت على تسييره فبعد أن تم فصل محيط الميناء المتوسطي إداريا عن ولاية تطوان، من خلال إحداث عمالة خاصة ألحقت بولاية طنجة، عرفت سنة 2005 تعيين عامل بعمالة المضيق الفنيدق، بعد إحداثها منذ مدة، وهو إجراء يظهر رغبة الدولة في تركيز جهودها في هذه المنطقة قصد النهوض بها وإخراجها من الهامش الذي عاشت فيه لسنوات، وخير وسيلة للتركيز هي تقليص مساحات النفوذ الترابي وتزويدها بما يلزم من وسائل الإقلاع، مع التدقيق في المتابعة، وهذا، على ما يبدو، هو ما سيكون عليه الأمر بالنسبة للعمالة الجديدة على غرار عمالة الفحص أنجرة التي تحتضن الميناء المتوسطي. أما ولاية تطوان وعلى مستوى الحياة السياسية الحزبية، شكلت سنة 2005سنة شبه بيضاء، بحيث غابت المبادرات الكبرى، بل حتى التظاهرات الجماهيرية البسيطة
فالأحزاب في حالة سبات عميق إلى أن يحين وقت الانتخابات.

وعلى مستوى التحالفات السياسية داخل الجماعة الحضرية لتطوان، سجلت الأسابيع الأخيرة بداية تصدع التفاهم ما بين حزب الأحرار (9 أصوات) والاتحاد الاشتراكي (10 أصوات) وهو تفاهم "قديم"، لأنه يتجسد في أشخاص بذاتهم، ويمتد إلى ما فوق الانتماء الحزبي.

وقد تجلى التصدع الحالي في الدورة الاستثنائية الأخيرة لمجلس الجماعة (نوفمبر 2005)، حيث عارض الفريق الاتحادي بشدة بعض القرارات التي "همش"لدى اتخاذها ولم "يستشر" فيها فهل سيصمد هذا التفاهم سنة 2006 وفي أفق 2007، بعد أن أصبح بإمكان الأحرار التحالف مع حزب العدالة والتنمية (11 صوتا)؟ وهل ستنتصر "الصداقات"وعلاقات المنفعة المتبادلة على منطق الصراع والصدام؟ سنة 2005 سجلت، كذلك، استمرار نشاط وفعالية جمعيات المجتمع المدني الرئيسية بالمدينة، وهي جمعيات تتكفل بسد العديد من الثغرات التي تركتها سنوات الهامش وسوء التدبير الجماعي والإداري.

من الناحية الثقافية عرفت سنة 2005 عودة مهرجان تطوان السينمائي بعد توقف اضطراري وقد تم الإعلان عن تكوين مؤسسة متعددة الأطراف (ومن ضمنها جمعية أصدقاء السينما) ستتكفل بالإشراف على تنظيم هذا المهرجان بشكل منتظم واحترافي
كما تم إطلاق مهرجان لفن الأشرطة المرسومة بالمعهد الوطني للفنون الجميلة، إلى غير ذلك من التظاهرات الفنية الهادفة التي لا يتسع المجال لذكرها كلها.

على الصعيد الرياضي عاد فريق المغرب التطواني بشكل مفاجئ إلى حظيرة المجموعة الوطنية الأولى لكرة القدم بعد غياب دام ثمان سنوات، وعاد معه الجمهور الغفير إلى ملعب سانية الرمل.

وهذه العودة بقدر ما أفرحت المهتمين، فلقد جاءت لتطرح من جديد مسألة التسيير الإداري ومسألة الإمكانيات المالية والبنية التحتية الرياضية بتطوان (وهي بنية جد ضعيفة).

كما سجلت سنة 2005 أول زيارة من نوعها قام بها رئيس النادي الإسباني ريال مدريد، فلورينتنو بيريز، لتطوان قصد التعرف على المنطقة، وقصد دعم تأسيس جمعية لمحبي وأنصار ريال مدريد التي رأت النور بها خلال السنة نفسها.

وقد شكلت الزيارة حدثا تعبأت له كل فعاليات المدينة من مسؤولين إداريين وجماعيين ومن مختلف الفئات والأعمار هذه باختصار بعض أهم الأحداث التي سجلتها السنة المنصرمة، وكل عام وتطوان بخير!

وشكل اللقاء الذي خص به صاحب الجلالة، خلال الصيف الماضي، كلا من رئيس الجماعة الحضرية لتطوان ووالي تطوان وعامل عمالة المضيق ـ الفنيدق بحضور وزير الداخلية، مؤشرا على هذا. وتمخض عن هذا الاجتماع ما سمي بمخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2006-2009، وهو مخطط ستموله عدة أطراف (وكالة تنمية الشمال، الجماعة الحضرية لتطوان؛ FEC...) كما سيستفيد من منحة خاصة توفرها وزارة الداخلية وسينكب هذا المخطط على محاربة السكن العشوائي، وتدعيم البنية التحتية، وتنظيم حركة المرور، وإحداث مساحات خضراء.

غير أن هذا الاعتماد على الجماعة الحضرية لتطوان في عمل كهذا يطرح عدة تساؤلات ستجيب عنها السنوات المقبلة، وتتعلق بقدرة هيئة كهذه على إنجاز مثل هذا المخطط، والتساؤلات تنبع من الطابع العشوائي، الذي ميز عمل الهيئات المنتخبة على امتداد الثلاثين سنة الأخيرة بالولاية.

وإذا كان هناك من رهان على وجود وزير على رأس الجماعة، فإن الوزير المعني يتواجد باستمرار في الرباط، ولا يسير الأمور سوى بشكل غير مباشر من خلال نوابه وهنا مربط الفرس!

تاريخ طبيعي وحضاري رفيع لمدينة تطوان

تمتد جهة طنجة- تطوان، التي تعتبر مدينة طنجة مركزا لها، على مساحة تقدر بـ 11.570 كلم2، أي 1.6 % من المساحة العامة للمملكة يحدها البحر الأبيض المتوسط من الشمال، والمحيط الأطلسي من الغرب، وجهة تازة ( الحسيمة) تاونات من الشرق، وجهة الغرب الشراردة-بني حسن من الجنوب.

وتضم أقاليم تطوان والعرائش وشفشاون (ولاية تطوان( وعمالتي فحص بني مكادة، وطنجة - أصيلا (ولاية طنجة) والتي تتكون في المجموع من 100 جماعة، منها 13 بلدية و87 جماعة قروية.

كهف تحت الغار
يقع هذا الموقع جنوب شرق مدينة تطوان، وجرى اكتشافه منذ سنة 1955
الاستبارات التي جرى القيام بها سنة 1984 وكذا الحفريات الأثرية الممتدة بين 1989 و1994 أثبتت أن الموقع عرف الاستقرار خلال فترات ما قبل التاريخ وقبيل التاريخ، حيث عرف تعاقب مجموعة من الحضارات وهي كالتالي: مختلف حضارات العصر الحجري الحديث وخاصة ما يعرف بحضارة "الكارديال"، والحضارة الجرسية » Campaniforme « وحضارة عصر البرونز.

موقع تمودة
تقع تمودة وسط سهل خصب على الضفة اليمنى لوادي مارتيل، وعلى بعد 5 كلم جنوب غرب تطوان بجانب الطريق المؤدية إلى شفشاون، يعتبر "التاريخ الطبيعي" لبلنيوس الشيخ الذي توفي سنة 79م أقدم نص ذكر المدينة وتمكن علماء الآثار من توطينها بالموقع بعد أن عثروا بين أنقاضها على نقيشة لاتينية تحمل اسم تمودة.

وتبرز البقايا الأثرية التي عثر عليها في هذا الموقع المستوى الحضاري الرفيع الذي بلغته هذه المدينة خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد ويبدو ذلك جليا من خلال تصميم المدينة ما قبل الرومانية ذات الطابع الهلينستي المنتظم وكذا من خلال الجودة التي طبعت بناياتها المتناسقة.

فقد عرفت تمودة المورية تمدنا وازدهارا سريعين بحيث اتسعت شوارعها المتعامدة وتعددت المنازل المطلة عليها، ولقد ساهم موقعها الاستراتيجي في هذا النمو إذ مكن السكان من العمل على بناء وتطوير مدينتهم في مأمن من المخاطر الخارجية.

في النصف الأول من القرن الأول الميلادي، ونظرا للمزايا المتعددة لموقع تمودة، عمل الرومان على تشييد مدينة ثانية فوق أنقاض المدينة المهدمة وكان أول ما قاموا ببنائه هو معسكر دائم للمراقبة، استمر في لعب دوره إلى غاية الربع الأول من القرن الخامس الميلادي.

لقد أثبتت الحفريات الأثرية لموقع تمودة وجود آثار مدينتين متعاقبتين، تتشكل الأولى من المدينة البونية المورية التي أسست حوالي 200 ق م وهدمت خلال النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، ليعاد بناؤها قبل أن تخرب مرة ثانية سنة 40 م على إثر أحداث ثورة أيدمون.

أما تمودة الثانية فهي عبارة عن حصن روماني شيد وسط المدينة المهدمة، وهو معلمة مربعة الشكل، يصل ضلعها إلى 80 مترا، وتحيط بها أسوار ضخمة مبنية بالحجارة ومدعمة بعشرين برجا ومفتوحة بأربعة أبواب تحميها أبراج متينة كما تم الكشف عن مذبح خاص بآلهة النصر الأغسطسية وعدد كبير من اللقى المتمثلة في تماثيل برونزية ونقود وأواني خزفية فاخرة.

موقع القصر الصغير
يقع القصر الصغير بساحل البحر الأبيض المتوسط، على بعد 35 كلم من الطريق الرابطة بين طنجة وتطوان وعرفت المناطق المجاورة للموقع استقرارا قديما يعود إلى الفترة الرومانية، إلا أن أهميته لم تظهر إلا خلال العهود الإسلامية، إذ يزخر الموقع ببقايا أثرية تتمثل في مسجد، وحمام، ومركز تجاري تعود إلى فترات تاريخية تمتد من القرن 12 الميلادي إلى غاية القرن 14 الميلادي، وهي تشهد على عظمة الدولة المرينية، وعلى دور القصر الصغير كقاعدة لجواز الجيوش المغربية في اتجاه الضفة الشمالية للمضيق ومركزا مهما للتبادل التجاري بين المغرب ومملكة غرناطة.

وفي يوم 23 أكتوبر 1558م استولى الجيش البرتغالي بقيادة ألفونس الخامس على القصر الصغير وسمح للمسلمين بمغادرة المدينة بممتلكاتهم، بينما استقرت حامية عسكرية بالمدينة تحت قيادة القائم دون إدوارد ذوننسيس.

وهي تعتبر بذلك المدينة المغربية الثانية التي وقعت تحت الاحتلال البرتغالي بعد سبتة سنة 1415م وبعد المحاولة الفاشلة لاحتلال طنجة سنة 1437م ولقد ظل البرتغال بالقصر الصغير زهاء 90 سنة ولم يجر إخلاؤها إلا سنة 1550م .

ويرجع الفضل في الكشف عن خبايا هذا الموقع الأثرى إلى البعثة الأمريكية التي شرعت سنة 1972م في إجراء حفريات وأسفرت هذه الأخيرة عن العثور على كنيسة مبنية على أنقاض مسجد ومنازل خاصة بنيت فوق أساسات إسلامية، بالإضافة إلى مباني تجارية بأبواب متينة ونوافذ مزخرفة على الطراز المانويلي، وبينت هذه الحفريات كذلك عن اهتمام البرتغال بالساحات العمومية والشوارع المعبدة بالحجارة، بالإضافة إلى مطاحن ومخازن وأفران ومعاصر.

كما قاموا بسلسلة من التغييرات على شكل المدينة الإسلامية تمثلت في تدعيم الأسوار الدفاعية وفي إقامة الخنادق حول الحصن الذي بني في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة مدعما بأبراج للدفاع والمراقبة، بالإضافة إلى إنجاز ممر مغطى يعرف بالكوراسا يمتد من الموقع إلى الشاطئ وتحويل الحمام الإسلامي إلى خزان للأسلحة ثم بعد ذلك إلى سجن




تابعونا على فيسبوك