أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلاصاته الأولية بشأن أحداث العبور الجماعي إلى مدينتي سبتة ومليلية، نهاية يوليوز المنصرم، قائلا إن ما وقع لا يمكن اختزاله في موجة هجرة تقليدية مرتبطة حصرا بالفقر أو الهشاشة، بل كشفت المعطيات، التي جمعها المجلس، عن ظاهرة مركبة لعبت فيها الفضاءات الرقمية دورا حاسما في التعبئة والتنسيق والتوجيه، كما ساهمت في نشر معلومات مضللة بشأن قرار للمحكمة العليا الإسبانية.
وسجل المجلس، في خلاصاته التي انتهى إليها بعد عمليات رصد ميداني ورقمي واسعة، أن وتيرة محاولات العبور تصاعدت منذ 14 يوليوز الماضي قبل أن تبلغ ذروتها يومي 30 و31 يوليوز، مع عبور آلاف المواطنين المغاربة والأجانب، بينهم أطفال ويافعون ونساء، نحو سبتة.
كما رصد إجراءات لتقييد تنقل أعداد كبيرة من الشباب المتجهين إلى مدن الشمال، إلى جانب مواجهات عنيفة وأعمال تخريب وإحراق ممتلكات، وسجل في المقابل وقائع وشهادات تثير مخاوف بشأن احترام قواعد استعمال القوة وسلامة العابرين.
كما سجل المجلس، في بلاغ خلاصاته، الذي توصلت «الصحراء المغربية» بنسخة منه، أن آلاف الأشخاص تعرضوا، خلال وجودهم في سبتة، للجوع والعطش، وفق ما توصل به من شهادات، في وقت وثق فيه كذلك تعرض بعض العابرين لاعتداءات ذات طابع عنصري وكراهية للأجانب، فضلا عن شهادات بشأن سوء المعاملة والاعتداء من طرف قوات عمومية إسبانية.
رصد ميداني ورقمي واسع
واصل المجلس الوطني لحقوق الإنسان تتبع الأحداث التي شهدتها منطقتا الفنيدق وسبتة وبني أنصار ومليلية، وفي هذا الإطار، أحدثت رئيسة المجلس، آمنة بوعياش، في 29 يوليوز الماضي، لجنة يقظة وتنسيق وتتبع ضمت رؤساء اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بجهات الشرق وطنجة تطوان الحسيمة والدارالبيضاء سطات، إلى جانب مديرية الرصد ومديرية التواصل والفضاء الرقمي ومكلف بمهمة لدى رئاسة المجلس.
وشملت عمليات الرصد مختلف المدن التي شهدت تجمعات للشباب والأطفال أو محاولات للعبور، كما استمعت فرق المجلس إلى شهادات شباب وقاصرين خلال رحلتهم في اتجاه مناطق العبور، سواء نحو سبتة أو مليلية. وعلى المستوى الرقمي، اطلع المجلس على الفيديوهات والشهادات والمضامين المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي «إكس» و»إنستغرام» و»تيك توك»، إضافة إلى منشورات 23 مجموعة على «فيسبوك» تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو، وتنشر في المتوسط أكثر من 1400 تدوينة يوميا.
قرار قضائي تحول إلى أداة للتعبئة
ربط المجلس تصاعد وتيرة العبور بسلسلة من الأحداث التي سبقت 30 يوليوز، من بينها نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 بتاريخ 8 يوليوز، موضحا أن مضمون القرار تعرض لتأويلات غير دقيقة على شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصا بشأن وضعية الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولة الوصول إلى سبتة أو مليلية.
وسجل المجلس أولى المضامين المضللة بهذا الخصوص في 8 يوليوز، قبل أن تتوسع عملية التداول في مجموعات رقمية كبيرة. وفي 29 يوليوز، انتشرت منشورات تفيد أن «الحدود مفتوحة»، وهو ما تزامن مع توافد أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات على مدينة الفنيدق.
وخلال الاستماع إلى عدد من المعنيين، أفاد شباب أنهم تلقوا رسائل عبر «واتساب» تدعوهم إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل من أجل المرور الجماعي إلى سبتة. وفي 30 يوليوز، شهدت المنطقة عبور آلاف المواطنين المغاربة والأجانب إلى سبتة، من بينهم أطفال صغار ويافعون ونساء، في وقت تدخلت فيه السلطات العمومية لمنع مجموعات أخرى من العبور.
وحسب المجلس، تحولت عمليات المنع إلى مواجهات عنيفة، سجل خلالها رشق بالحجارة وإضرام النار في مركبات خاصة وأخرى تابعة للقوات العمومية، إلى جانب إلحاق أضرار بممتلكات عمومية. وبموازاة ذلك، تدخلت القوات العمومية لمنع محاولات العبور نحو مليلية في محيط بني أنصار وفرخانة والمسالك القريبة من السياج والساحل، حيث تم تسجيل حالات عنف وإضرار بالممتلكات.
كما رصد خلال الفترة الممتدة من 29 إلى 31 يوليوز إجراءات لتقييد تنقل الأشخاص المتوجهين نحو مدن الشمال، شملت عدداً من المحطات الطرقية ومحطات القطار في مدن مختلفة.
14 وفاة مقابل 80 ودعوة لبنية مشتركة للتدقيق
وفقا للمعطيات المغربية المتوفرة لدى المجلس إلى غاية 6 غشت، ارتفع عدد الوفيات إلى 14 شخصا، بينما أعلنت سلطات إسبانيا عن وفاة 80 شخصا.
وسجل المجلس أن تضارب المعطيات الإسبانية لا يقتصر على عدد الوفيات، بل يشمل أيضا أعداد الأشخاص الذين غادروا المدينة طواعية، وعدد من قرروا البقاء، فضلا عن عدد الأطفال غير المرافقين الموجودين في سبتة. ودعا المجلس إلى إحداث بنية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في عدد الوفيات، والتعرف على الضحايا، وضمان إعادة جثامينهم إلى أسرهم ودفنهم في شروط تصون الكرامة الإنسانية.
كما تم تسجيل 136 حالة إصابة طفيفة في صفوف المدنيين، فيما أحيل 13 مصابا إلى مؤسسات استشفائية، خصوصا في حالات الكسور أو الحاجة إلى فحوصات بالأشعة المقطعية.
وتلقى 87 عنصرا من القوات العمومية المغربية استشارات وعلاجات طبية، وفق المعطيات التي توصل بها المجلس.
إيقافات ومتابعات قضائية وأضرار مادية
وبخصوص التوقيفات المرتبطة بأحداث سبتة، بلغ عدد الموقوفين حوالي 100 شخص، من بينهم 11 حدثا. ويتابع 69 شخصا في حالة اعتقال و14 في حالة سراح، فيما أودع ستة أحداث بمراكز للرعاية الاجتماعية وسلم خمسة إلى أولياء أمورهم، بينما تم حفظ ملفات ستة أشخاص لانعدام الفعل الجرمي.
أما في بني أنصار، فجرى إحالة 23 شخصا على استئنافية الناظور، من بينهم أجنبيان، إضافة إلى إحالة 11 قاصرا على التحقيق بالمحكمة نفسها. وعلى مستوى الأضرار المادية، رصد المجلس، إلى حدود 3 غشت، إلحاق أضرار بـ 61 سيارة خاصة و15 دراجة نارية و18 سيارة تابعة للقوات العمومية في الفنيدق وباب سبتة.
الفضاء الرقمي.. من التعبئة إلى تسهيل العبور
ومن أبرز ما سجله المجلس أن الفضاء الرقمي لم يكن مجرد مجال لتداول الأخبار، بل تحول إلى أداة رئيسية للتحضير للعبور وتنظيمه. فقد رصدت فرق المجلس منشورات تتعلق ببيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة والزعانف وملابس الرياضات البحرية، إلى جانب تبادل الإرشادات حول طرق الاستعداد للعبور والمسالك ومواقع المراقبة والتوقيت الأنسب للتحرك.
كما شملت المضامين المتداولة تحديد نقاط الالتقاء وتنسيق التنقل بين المدن وتبادل المعلومات الميدانية، إضافة إلى الانتقال إلى مجموعات على «واتساب» و»تلغرام». وسجل المجلس، في الوقت نفسه، منشورات تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، من خلال عرض «خدمات» لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور.
كما رصد وجود حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية، ومضامين قال إنها تشجع أو تسهل العبور وتنشر أخبارا زائفة. الجوع والعطش والاعتداءات في سبتة وفي الجانب المتعلق بظروف وجود العابرين في سبتة، سجل المجلس أن آلاف الأشخاص عانوا من الجوع والعطش لمدة يومين، على خلفية إغلاق عدد من المتاجر والمقاهي والمطاعم.
وحسب شهادات قال المجلس إنها متواترة، فقد طال ذلك أطفالا ونساء وأشخاصا في وضعية هشاشة، كما تحدث عن تدخل عناصر أمنية لإخراج شباب من مطاعم قررت تقديم المساعدة لبعض الوافدين.
كما وثق المجلس، وفق ما توصل إليه، اعتداءات ومطاردات واستفزازات استهدفت بعض العابرين من طرف مجموعات متطرفة، مشيراً إلى أن فريق الرصد عاين آثار ضرب وندوب على أجساد بعض الشباب العائدين، وشهادات بشأن سوء معاملة واعتداءات نسبت إلى قوات عمومية إسبانية، وهي معطيات يواصل التحقق منها.
وفي تقييمه للأحداث، سجل المجلس وقائع تثير مخاوف بشأن مدى احترام القواعد والمعايير المنظمة لاستخدام القوة أثناء منع العبور، وفي المقابل، وثق حالات مس بالسلامة الجسدية للعابرين من طرف السلطات الإسبانية، وفق شهادات ومعطيات استمع إليها وجمعها خلال عملية الرصد.
كما سجل حالات عنف واعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة وإحراق السيارات، فضلا عن مواجهات بين الشباب والقاصرين والقوات العمومية أدت إلى إصابات في صفوف الطرفين.
ولم يسلم المشهد الإعلامي والرقمي بدوره من الانتقادات، إذ سجل المجلس حالات نشر لمضامين حول «عبور» أشخاص دون تحقق، قبل سحبها لاحقا، إلى جانب تداول صور ومضامين مضللة، بعضها جرى تعديله باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وشدد المجلس على ضرورة احترام أخلاقيات النشر، خصوصاً في القضايا التي تمس كرامة الأشخاص وحقوق الأطفال ومصلحتهم الفضلى.
ظاهرة تتجاوز مقاربة الفقر والهشاشة
وفي خلاصته العامة، يرى المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن أحداث العبور الجماعي لا يمكن اختزالها في مقاربة تقليدية تربط الهجرة بالفقر أو الهشاشة فقط. واستنادا إلى الشهادات التي جرى الاستماع إليها، يعتبر المجلس أن الظاهرة ترتبط أيضا بتحول في «التطلعات» وقرار شخصي لدى المعنيين بالهجرة، في سياق مجتمعات رقمية تتراجع فيها، بحسب تعبيره، قابلية تقبل منطق الحدود والحواجز.
ويحذر المجلس من تداعيات الاستغلال السياسي لهذه الأحداث ومن تنامي الخطابات المعادية للهجرة والمهاجرين والأجانب، وما يرافقها من تحريض على الكراهية والعنصرية.
كما يؤكد أن الفضاءات الرقمية لعبت دورا حاسماً في جميع مراحل التحضير للعبور والتعبئة والتنسيق، لكنها في الوقت نفسه شكلت مجالا لترويج الأخبار المضللة وتسهيل بعض أشكال العبور غير النظامي، وكذا ظهور مؤشرات على نشاط محتمل لشبكات الاتجار بالبشر، مشددا على مواصلة التحقق من الوقائع، خاصة حصيلة الوفيات، وظروف الإعادة، وحماية الأطفال، واحترام الضمانات القانونية وحقوق الأشخاص خلال عمليات العبور.