من حقول الفراولة إلى ريادة الأعمال.. أوروبا تغير مستقبل العاملات المغربيات

الصحراء المغربية
الخميس 02 يوليوز 2026 - 12:23

كل شتاء، تحمل آلاف النساء المغربيات حقائبهن ويغادرن قراهن في اتجاه جنوب إسبانيا. يتركن أبناءهن وأسرهن لأشهر طويلة، على أمل العودة بما يكفي من المال لتغطية مصاريف سنة كاملة. لكن السؤال الذي ظل يرافق هذه الرحلات منذ سنوات هو: هل ستبقى الهجرة الموسمية قدرهن الوحيد؟

في إقليم هويلفا الإسباني، حيث يعمل سنويا نحو 20 ألف عاملة مغربية في جني الفراولة والتوت الأزرق والتوت الأحمر، بدأت تجربة جديدة تحاول أن تقدم جوابا مختلفا. فبدل أن تعود العاملات إلى المغرب في نهاية الموسم ويفكرن في رحلة جديدة خلال العام الموالي، يراهن مشروع يحمل اسم "وفيرة" على تحويل عدد منهن إلى صاحبات مشاريع صغيرة داخل المغرب.

المشروع، الذي يموله الاتحاد الأوروبي وتشرف على تنفيذه منظمة العمل الدولية، دخل مرحلته الثانية هذه السنة، ويستهدف 225 عاملة مغربية موسمية، يتلقين تكوينا قبل السفر وأثناء فترة العمل في إسبانيا وبعد عودتهن إلى المغرب، حتى يتمكن من إطلاق مشاريع مدرة للدخل في بلدهن.

وتشير معطيات المشروع إلى أن نسخته الأولى أثمرت إنشاء 209 مشاريع صغيرة في المغرب، وهو ما يشجع القائمين عليه على توسيع التجربة لتشمل عددا أكبر من المستفيدات.

وراء هذه الأرقام تقف قصص إنسانية لا تختلف كثيرا عن قصة سميرة، وهي عاملة موسمية تغادر كل عام إحدى القرى القريبة من مراكش إلى هويلفا، تاركة أبناءها الأربعة في رعاية زوجها وأفراد أسرتها. تمضي نحو سبعة أشهر في الحقول قبل أن تعود إلى منزلها مع نهاية يوليوز، حاملة ما ادخرته من أجر سيعيل الأسرة طوال أشهر.

في تقرير نشرته مؤسسة RTVE الإسبانية، قالت سميرة، مثل كثيرات غيرها، إنها لم تعد تخفي رغبتها في إنهاء هذا النمط من الحياة، إذ تتمنى الحصول على إقامة دائمة في إسبانيا حتى تتمكن من العيش مع أسرتها، بينما يرى مشروع "وفيرة" أن البديل قد يكون خلق مصدر دخل مستقر داخل المغرب، يغنيها عن تكرار الهجرة كل سنة.

وخلال لقاء دولي احتضنته منطقة لا رابيدا بإقليم هويلفا، اعتبر مسؤولون من إسبانيا والمغرب والاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية أن نموذج الهجرة الدائرية، القائم على عقود عمل موسمية مع العودة إلى بلد الأصل بعد انتهاء الموسم، أصبح تجربة تستلهمها دول أوروبية أخرى تبحث عن يد عاملة موسمية، خاصة في القطاع الفلاحي.

غير أن هذا النموذج لا يخلو من تحديات. فإلى جانب العاملات اللواتي يصلن بعقود قانونية ويتم توفير السكن لهن، يواصل مئات المهاجرين الآخرين العمل خارج هذا الإطار، في ظروف صعبة، حيث يعيش بعضهم في مساكن عشوائية قرب الضيعات الفلاحية بسبب غياب حلول سكنية مناسبة.

ويرى مسؤولون في منظمة العمل الدولية أن توسيع برامج الهجرة النظامية والمواكبة الاقتصادية للعائدين يمكن أن يحد من الاستغلال المرتبط بالهجرة غير النظامية، ويمنح العمال فرصا أكثر استقرارا واحتراما لكرامتهم.

وتبقى الأرقام الاقتصادية أحد أهم دوافع استمرار هذه الهجرة، إذ يبلغ الأجر اليومي للعامل الموسمي في إسبانيا، وفق الاتفاقية الجماعية المعمول بها، 62.39 أورو، وهو ما يفوق بأربع مرات تقريبا ما يمكن أن تجنيه كثير من العاملات في وظائف مماثلة داخل المغرب.

وبين خيار الاستمرار في الهجرة الموسمية، أو محاولة بناء مشروع خاص داخل المغرب، تجد آلاف النساء أنفسهن أمام مفترق طرق. لذلك يراهن مشروع "وفيرة" على أن يتحول السفر إلى إسبانيا من وسيلة لكسب أجر مؤقت، إلى خطوة تساعد على خلق مصدر رزق دائم في الوطن.
 




تابعونا على فيسبوك