في ظل عودة قوية للأمطار والعواصف التي شهدها المغرب، وما رافقها من فيضانات واضطرابات جوية غير مسبوقة، يقدم الخبير وأستاذ علم المناخ، محمد سعيد قروق، في حوار مع "الصحراء المغربية"، قراءة علمية دقيقة تفسر ما جرى، وتفكك آليات تشكل العواصف وحدود البنيات التحتية وأخطاء التدبير البشري، مع ربط الظواهر المحلية بالتغيرات المناخية العالمية.
كما نوه الخبير قروق بالجهود المبذولة خلال فيضانات الشمال والغرب، قائلا "ما ميز هذا التدخل هو مستوى التنسيق والمواكبة بين مختلف المتدخلين، وهو أمر لا يتحقق ارتجالا، بل يندرج ضمن منهج متكامل تبنى له الوسائل ويؤطر بالتكوين والتدريب المسبق.
وتابع "لقد أبانت السلطات العمومية عن تفوق واضح في هذا الجانب، سواء من حيث سرعة الاستجابة أو نجاعة التنفيذ، ولا يمكن في هذا السياق إلا التعبير عن الاعتزاز بالموارد البشرية التي أشرفت على هذه العمليات، من حيث التنظيم والانضباط والكفاءة، إذ لم يقتصر ما تحقق على إنقاذ أرواح المواطنين فحسب، بل شمل أيضا حماية الثروة الحيوانية، باعتبارها عنصرا أساسيا في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمناطق المتضررة".
وشدد المحاور ذاته على أن هذه التجربة تكرس منسوب الثقة في قدرة المغاربة على التدبير الجماعي للمحن، كما تؤكد أن التعامل مع العواصف والكوارث الطبيعية لم يعد فعل رد فعل ظرفي، بل أصبح ممارسة مؤطرة بمنهج استباقي يقوم على التخطيط والتنسيق وتدبير المخاطر.
بداية، ما هي عاصفة "ماريتا" من الناحية العلمية؟ وما الخصائص الجوية التي تميزها عن الاضطرابات المعتادة التي يشهدها المغرب؟
لفهم معنى عاصفة "ماريتا" من الناحية العلمية، لا بد أولا من التمييز بين مفهوم الاضطراب الجوي ومفهوم العاصفة. فالاضطرابات الجوية هي حالات عدم استقرار في الغلاف الجوي، تنتج أساسا عن التقاء كتل هوائية متناقضة من حيث خصائصها الطاقية والحرارية، وقد تتطور هذه الاضطرابات وفق شروط معينة إلى عواصف قوية تختلف في شدتها ومجال تأثيرها الجغرافي.
علميا، تنشأ الاضطرابات الجوية عندما يحدث تجابه أو تصادم بين كتلتين هوائيتين متعاكستين طاقيا، كتلة هوائية دافئة ذات طاقة موجبة، وكتلة هوائية باردة ذات طاقة سالبة، فالكتلة الدافئة تكون غالبا محملة ببخار الماء، نتيجة توفر شروط التبخر، التي تقتضي درجات حرارة مرتفعة ومصادر مائية مفتوحة، كما هو الحال بالنسبة للمحيط الأطلسي. في هذه الحالة، ينتقل بخار الماء من سطح البحر إلى الهواء عبر عملية التبخر، وتحتفظ به الكتلة الهوائية الحارة بفضل قدرتها الحرارية على حمل الرطوبة.
في المقابل، تتميز الكتلة الهوائية الباردة بكونها فقيرة من حيث الرطوبة، لأن انخفاض درجة الحرارة يجعل الهواء غير قادر على حمل بخار الماء، وعندما يحدث الالتقاء بين هاتين الكتلتين تدخلان في تفاعل طاقي، حيث تعمل الطاقة السالبة المصاحبة للهواء البارد على خفض حرارة الكتلة الدافئة، هذا الانخفاض الحراري يؤدي إلى فقدان الهواء الدافئ قدرته على الاحتفاظ ببخار الماء، فيتكاثف الفائض ويعود إلى سطح الأرض تحت تأثير الجاذبية، في شكل تساقطات مطرية أو ثلجية بحسب الشروط الحرارية السائدة.
وعندما تكون هذه العملية مصحوبة بفوارق حرارية كبيرة، وتدرجات قوية في الضغط الجوي، وسرعات عالية في الرياح، فإن الاضطراب الجوي قد يتطور إلى عاصفة قوية، ويمكن تصنيف العواصف حسب شدتها، ومدى امتدادها الجغرافي، وطبيعة الظواهر المصاحبة لها، مع التأكيد على أن العواصف ليست هي نفسها الأعاصير.
فالإعصار المداري ظاهرة مناخية مختلفة تماما تتشكل فوق المياه الدافئة للمحيطات الاستوائية، وله بنية ديناميكية خاصة، بينما الإعصار وراء المداري (أو خارج المداري) يرتبط بالاضطرابات والجبهات الهوائية في العروض المعتدلة، وهو الإطار الذي تندرج ضمنه العواصف التي تؤثر على المغرب، ومن بينها عاصفة "ماريتا".
وبناء على ذلك، فإن عاصفة "ماريتا" تفهم كمرحلة متقدمة من اضطراب جوي قوي، نتج عن تفاعل طاقي حاد بين كتل هوائية متناقضة، وليس كإعصار بالمعنى المداري، وهو ما يفسر شدتها وتأثيراتها الواسعة.
كيف تساهم الكتل الهوائية الباردة في تشكل المنخفضات الجوية وتحول الاضطرابات العادية إلى عواصف قوية؟
تلعب الكتل الهوائية الباردة دورا محوريا في تشكل المنخفضات الجوية، إذ تؤدي إلى خلق وضعية ضغطية خاصة داخل الغلاف الجوي، فالضغط الجوي يقاس بكمية الهواء الموجودة فوق نقطة معينة، ويعد الضغط طبيعيا في حدود 1015 هيكتوباسكال. وكلما تجاوز الضغط هذا المعدل صنف كضغط مرتفع، في حين يعتبر ضغطا منخفضا عندما ينخفض دونه.
من الناحية الديناميكية، يتميز الضغط المرتفع بتكدس الهواء في طبقاته العليا، بينما يكون الضغط المنخفض مجالا لفراغ نسبي في الهواء. هذا التباين يخلق حركة ميكانيكية طبيعية، حيث ينساب الهواء الفائض من مناطق الضغط المرتفع في اتجاه مناطق الضغط المنخفض، وهو ما ينتج حركة الرياح، وتعد هذه الآلية أحد الأسس الفيزيائية المرتبطة بتكون الاضطرابات الجوية.
في حالة المنخفضات الجوية، يكون الهواء البارد المصحوب بضغط منخفض عنصر جذب قوي للهواء المحيط، ما يؤدي إلى تراكم كتل هوائية داخل مجال المنخفض، غير أن هذا التراكم لا يستقر، بل يجبر الهواء على الارتفاع نحو الطبقات العليا للغلاف الجوي، نتيجة استمرار تدفق الهواء من الأطراف نحو المركز، وخلال هذه العملية يتخذ الهواء حركة لولبية ملتوية، حيث يدور حول مركز المنخفض على شكل دوامة، بعكس اتجاه عقارب الساعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية بفعل تأثير دوران الأرض.
وكلما كان المنخفض الجوي عميقا وقويا، ازدادت قوة الامتصاص والجذب، وتسارعت حركة الهواء نحو مركزه، ما يؤدي إلى ارتفاع سرعة الرياح. في هذه المرحلة، تتحول الطاقة الموجبة المختزنة في الكتل الهوائية الدافئة إلى طاقة حركية، تتمثل في رياح قوية واضطرابات عنيفة، قد تتطور إلى عواصف شديدة مصحوبة بتساقطات غزيرة.
وبهذا المعنى، نكون قد انتقلنا من مجرد اضطراب جوي إلى عاصفة حقيقية، حيث تتضافر الحرارة المرتفعة، والضغط المنخفض العميق، والأمطار القوية، وهو ما يفسر أيضا تشكل أمواج عاتية وقوية بالمحيط الأطلسي قبل وصول تأثير هذه المنظومة الجوية إلى البحر الأبيض المتوسط.
كيف تقيمون الموسم المطري الحالي في سياقه المناخي العام بالمغرب؟ وهل كشفت عودة الأمطار بعد سنوات من الجفاف عن اختلالات في طريقة تدبير السدود ووظيفتها الوقائية؟
يمكن القول إن الموسم الحالي انطلق بشكل عادي خلال شهور شتنبر وأكتوبر ونونبر المنصرمة، قبل أن يتخذ لاحقا منحى غير معتاد، ومن المهم التذكير بأن المغرب، من حيث خصائصه البنيوية والمناخية يعد بلدا يغلب عليه الجفاف، وهو ما يشكل القاعدة وليس الاستثناء، غير أن هذا الجفاف، تاريخيا، كان دائما متبوعا بعودة المياه، وهي قاعدة طبيعية ارتبطت بشكل وثيق باستمرارية الحضارة المغربية واستقرار السكان داخل المجال الجغرافي المعروف اليوم، ولولا هذه العودة الدورية للمياه لما كان للاستقرار البشري والعمراني أن يستمر.
التحول الخطير، الذي لا نتمناه، هو أن يصبح الجفاف دائما دون عودة للمياه، كما هو الحال في بعض بلدان الجوار، مثل موريتانيا وليبيا، وهو ملف آخر قائم بذاته.
في الحالة الراهنة، عادت الأمطار بعد خمس سنوات متتالية من الجفاف، وهي مدة أثرت بشكل واضح على الأوضاع السطحية بالمغرب، خصوصا من حيث تراجع منسوب المياه الجوفية في عدد من الأحواض، وعلى رأسها حوض سبو جنوب الغرب.
في المقابل، فإن المناطق الشمالية، الممتدة من الغرب إلى الشمال، لم تتأثر بالقدر نفسه رغم سبع سنوات من الجفاف، إذ ظلت تحتفظ بمخزون مائي مهم، وهو معطى يجب استحضاره عند تقييم تدبير الأوضاع الحالية، سواء في حوض سبو أو حوض اللوكوس.
وبالعودة إلى المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة التجهيز والماء بتاريخ 22 شتنبر الماضي، يتبين أن سد وادي المخازن كان يسجل نسبة ملء في حدود 77 في المائة من سعته الإجمالية، المقدرة بـ670 مليون متر مكعب، أي ما يعادل حوالي 520 مليون متر مكعب من المياه المخزنة، وذلك بعد خمس سنوات من الجفاف وقبل التساقطات المطرية الأخيرة. وهذا يعني أن الهامش المتبقي لوظيفة الحماية من الفيضانات لم يكن يتجاوز 23 في المائة فقط من الطاقة الاستيعابية للسد، وهو ما يضعف بشكل كبير دوره الوقائي في مواجهة الفيضانات.
الأمر نفسه ينسحب على حوض سبو، حيث كان سد الوحدة، وهو أكبر سد في المغرب بسعة تقارب 3.5 ملايير متر مكعب، يسجل في الفترة نفسها نسبة ملء بلغت حوالي 45 في المائة.
ورغم طول فترة الجفاف، ظلت هذه المنطقة تحتفظ بمخزون مائي مهم، ما يدل على استمرار وفرة المياه في الشمال، وعلى أن جزءا كبيرا من المياه المخزنة يضيع لاحقا بفعل التبخر.
هذه المعطيات تفرض، في تقديري، إعادة نظر جذرية في طريقة تدبير السدود بالمغرب، خاصة من حيث التوازن بين وظيفة التخزين ووظيفة الحماية من الفيضانات، فحين يكون السد شبه ممتلئ، تصبح قدرته على امتصاص موجات فيضانية جديدة محدودة، كما حدث في حالة سد وادي المخازن الذي لم يكن يتوفر إلا على هامش أمان ضعيف لا يتجاوز 23 في المائة، كما أن عدم توقع استمرار التساقطات، وعدم الحفاظ على مستوى ملء يسمح بالمرونة التدبيرية، جعلا من السد أداة أقل فعالية في مواجهة المخاطر الهيدرولوجية.
ما الآليات المناخية الكبرى التي تفسر عودة الأمطار هذه السنة؟ وهل كانت هذه الوضعية الرطبة متوقعة بناء على المؤشرات الجوية العالمية منذ بداية الموسم؟
إن عودة الأمطار لا تتم بشكل عشوائي، بل تخضع لميكانزمات دقيقة وشروط مناخية محددة يجب أن تتوفر مجتمعة، هذه الشروط بدأت في التكون منذ شهر شتنبر الماضي، وهو ما سبق أن نبهت إليه في عدة تدخلات وتصريحات للصحافة الوطنية منذ بداية الموسم، وتأكد لاحقا خلال شهري أكتوبر ونونبر الماضيين، إلى أن بلغنا الوضعية الرطبة التي نعيشها اليوم، والتي يرجح أن تستمر ما دامت الظروف الجوية العامة نفسها قائمة.
هذه الوضعية لا ترتبط فقط بعوامل محلية، بل هي نتيجة مباشرة لتفاعلات مناخية كبرى على مستوى الكرة الأرضية، وعلى رأسها استقرار ظاهرة لا نينيا في المحيط الهادي. فالمحيطات الكبرى، وخاصة المحيط الهادي والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي، ولا سيما في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، تلعب دورا محوريا في ضبط المناخ العالمي، بحكم امتدادها الواسع وقدرتها الكبيرة على امتصاص الطاقة الشمسية وتخزينها.
من الناحية الفيزيائية، لا يتلقى الغلاف الجوي طاقته مباشرة من الشمس، بل تتولى المحيطات امتصاص هذه الطاقة الإشعاعية وتخزينها، قبل أن تعيد ضخها تدريجيا نحو الغلاف الجوي، وبذلك تشكل المحيطات الوقود الحقيقي لما يمكن تسميته بـ"الآلة الجوية" التي تشتغل بالطاقة القادمة من السطح البحري.
وبالنسبة لمنطقتنا، فإن المحيط الهادي يلعب دورا غير مباشر، لكنه أساسي في التحكم في مناخ أوروبا الجنوبية الغربية وشمال إفريقيا، لا سيما الجزء الغربي منها، عبر تأثيره في ضغط الأزور. فالبنية العامة لتوزيع الطاقة على سطح الأرض تجعل هذه المنطقة مجالا للتنازل الهوائي، في حين يتم التصاعد الهوائي القوي في المناطق الاستوائية، خاصة فوق المحيط الهادي، في ما يعرف بالمدخنة الاستوائية أو مجال التصاعد بين المداري.
وخلال فترات النينيو، تكون المياه السطحية للمحيط الهادي دافئة على طول خط الاستواء، ما يؤدي إلى تغذية قوية لضغط الأزور بالطاقة البحرية، فيصبح هذا الضغط المرتفع أكثر قوة، وتكون الذبذبة الشمالية الأطلسية في وضعية موجبة، وهو ما يمنع وصول الكتل الهوائية الباردة إلى المغرب، فتسود فترات الجفاف.
أما في الوضعية الحالية، فنحن أمام الحالة المعاكسة، أي لا نينيا، حيث تكون المياه السطحية للمحيط الهادي أبرد من المعتاد، ما يؤدي إلى ضعف التغذية الطاقية لضغط الأزور، ونتيجة لذلك يصبح هذا الضغط أقل قوة وينزاح عن مجاله المعتاد في العروض المغربية، لتستقر الذبذبة الشمالية الأطلسية في وضعية سالبة. هذا الانخفاض يسمح بوصول الكتل الهوائية الباردة نحو المغرب، ويهيئ شروط تشكل الاضطرابات الجوية والجبهات، وما يصاحبها من تساقطات.
هذه الشروط كانت متوفرة منذ شتنبر الماضي، ومع تقدم الموسم، اتسع مجال تأثيرها وتأكدت خلال نونبر ودجنبر، وهو ما دفعني، من منطلق المسؤولية العلمية والفكرية، وكذلك المسؤولية الوطنية، إلى التنبيه مبكرا إلى احتمال أن تكون السنة رطبة، فالغاية من هذا الخطاب الاستباقي هي تنبيه المواطنين وصناع القرار إلى السيناريوهات المحتملة، حتى تكون في الحسبان، فإذا تحققت نكون قد استعددنا لها، وإن لم تتحقق نكون على الأقل قد بنينا توقعاتنا على أسس علمية سليمة.
كيف تقيمون طريقة تدخل السلطات العمومية خلال الفيضانات الأخيرة؟ وهل يمكن القول إن اعتماد مقاربة استباقية في تدبير المخاطر، هو ما ساهم في إنقاذ الأرواح وتقليص الخسائر؟
ما لاحظناه خلال التدخلات الأخيرة للسلطات العمومية بمختلف مستوياتها، يؤكد أن الأمر لا يتعلق برد فعل ظرفي أو بتدخل ولد في لحظة الأزمة، بل بمنهج مغاير قائم على التهيؤ القبلي وتدبير المخاطر قبل وقوع الكارثة، فطريقة إنقاذ المواطنين وأرواحهم، كما عايناها ميدانيا، تعد دليلا واضحا على أن هناك استعدادا مسبقا، وأن آليات التدخل كانت مفعلة قبل حدوث الفيضانات.
في علم تدبير المخاطر، يعتبر أن ما لا يقل عن 50 في المائة من مجهود إدارة الكارثة يتم قبل وقوعها، من خلال وضع سيناريوهات متعددة لاحتمالات الخطر، وتعبئة الوسائل البشرية واللوجستية، والتخطيط المحكم لكيفية التدخل. وعندما تنجز هذه المرحلة بشكل سليم، يصبح التنفيذ أثناء الأزمة أكثر فعالية، ويجنب الوقوع في الارتجال أو التداخل في الصلاحيات، وهي عناصر غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية.
ما ميز هذا التدخل هو مستوى التنسيق والمواكبة بين مختلف المتدخلين، وهو أمر ليس سهلا، بل يندرج ضمن منهج متكامل تبنى له الوسائل، ويؤطر بالتكوين والتدريب المسبق، وقد أبانت السلطات العمومية عن تفوق واضح في هذا الجانب، سواء من حيث سرعة الاستجابة أو نجاعة التنفيذ.
ولا يمكن في هذا السياق إلا أن نعبر عن الاعتزاز بالموارد البشرية التي أشرفت على هذه العمليات، من حيث التنظيم والتكوين والانضباط، إذ إن ما تحقق على أرض الواقع لم يكن فقط إنقاذا لأرواح المواطنين، بل شمل أيضا حماية الثروة الحيوانية، وهو عنصر أساسي في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمناطق المتضررة.
هذه التجربة تعزز الثقة في قدرة المغاربة على التدبير الجماعي للمحن، وتؤكد أن التعامل مع العواصف والكوارث الطبيعية، وكذا تخطيط المدن وتنظيم المجال، يجب أن يقوم على دراسة مسبقة ورؤية استباقية قبل التنفيذ، حتى تكون التدخلات فعالة ومستدامة، وقادرة على حماية الأرواح والممتلكات في المستقبل.
إلى أي حد أصبحت العواصف التي يشهدها المغرب ناتجة عن تداخل شروط مناخية عامة مألوفة مع عوامل استثنائية وغير مسبوقة؟ وهل ما وقع في طاطا وورزازات سنة 2023 قابل للتكرار؟
عند الحديث عن العواصف وعودة الأمطار في مجال جاف كالمغرب، لا بد من التمييز بين الشروط العامة المعروفة التي تتحكم تقليديا في عودة التساقطات، وبين عوامل استثنائية جديدة بدأت تفرض نفسها في السنوات الأخيرة. فإلى جانب الآليات المناخية الكلاسيكية المرتبطة بتوزيع الضغوط الجوية والكتل الهوائية، برزت متغيرات غير مألوفة لم يكن المغرب يعرفها سابقا، أو على الأقل لم تكن تصل إلى مجاله الجغرافي بهذه القوة والوتيرة.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال ما وقع خلال شتنبر 2023، حين شهد جنوب الأطلس المغربي عاصفة قوية وغير مسبوقة خلفت أضرارا جسيمة بمدينة طاطا ووصل تأثيرها إلى ورزازات، قبل أن تمتد لاحقا إلى الجزائر وتونس. وقد وصفت هذه الظاهرة في حينها بـ"الموسميات الغرب إفريقية"، وهي نظم مطرية تنتمي جغرافيا إلى مجالها الطبيعي في غرب إفريقيا، لكنها خرجت لأول مرة عن نطاقها المعتاد ووصلت إلى المغرب.
وهذا التطور يستوجب الانتباه والاستعداد، خاصة خلال فترات النشاط الموسمي، لأنه يشكل إنذارا حقيقيا للمواطنين وصناع القرار على حد سواء.
إن أخطر المخاطر هي تلك التي تكون مجهولة أو غير مسبوقة، كما حدث في فيضانات 2009 و2010 المرتبطة بالموسميات الغربية، وكذا في فيضانات كلميم سنة 2014 التي وقعت خلال فصل الخريف، في مثل هذه الحالات، لا يمكن تحميل المسؤولية لأشخاص أو مؤسسات عن ظواهر لم تكن معروفة أو متوقعة علميا آنذاك. غير أن هذه الظواهر، بعد وقوعها، لم تعد مجهولة، وأصبحت جزءا من السيناريوهات المحتملة، تماما كما هو الحال اليوم في أحواض اللوكوس وسبو.
ما يميز الوضعية الحالية هو أن عودة الأمطار لم تكن فقط قوية، بل استثنائية وعنيفة، نتيجة تداخل عوامل إضافية غير مألوفة. أول هذه العوامل ما يعرف بالأودية الجوية، وهي كتل هوائية مدارية رطبة قادمة من خط الاستواء، تنشأ وتتطور فوق المحيط الأطلسي، والمسار الطبيعي لهذه الكتل، عندما تتحرك داخل الأطلسي الشمالي، يكون عادة من غرب إفريقيا، أي من شرق الأطلسي، في اتجاه الشمال الشرقي نحو حوض الكرايب.
غير أن ما حصل هذه المرة هو تداخل هذه الكتل المدارية مع عامل ثان أكثر تعقيدا يتمثل في الدوامة القطبية. فالدوامة القطبية هي حركة هوائية دورانية مرتبطة بدوران الأرض، تتمركز عادة فوق القطب وتدور بعكس اتجاه عقارب الساعة في النصف الشمالي للكرة الأرضية.
تاريخيا، كانت هذه الدوامة محصورة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، أي في طبقة الستراتوسفير، بينما نعيش نحن في طبقة التروبوسفير السفلى.
إلا أن السنوات الأخيرة، خصوصا منذ 2008 و2009 و2010، شهدت تغيرا في سلوك هذه الدوامة، حيث بدأت تؤثر بشكل مباشر في الطبقات السفلى للغلاف الجوي. ويعزى ذلك إلى ارتفاع حرارة طبقة الستراتوسفير نتيجة الاحترار العالمي، ما أدى إلى إضعاف دوران الدوامة القطبية وحدوث ما يعرف بانخفاضها، وعندما تضعف هذه الدوامة، يتبعها الهواء القطبي السطحي شديد البرودة، ويخرج من قلب القطب نحو العروض الوسطى.
في الحالة التي نعيشها، خرجت الدوامة القطبية من مجالها فوق القطب الأمريكي، واتجهت نحو كندا، حيث التقت بالكتل المدارية الرطبة التي كان من المفترض أن تتجه نحو حوض الكرايب، هذا الالتقاء دفع بالكتل الهوائية المدارية الدافئة والرطبة بسرعة كبيرة عبر كامل المحيط الأطلسي، من شماله الغربي إلى حدود شمال إفريقيا، لتصل إلى المغرب في زمن قياسي.
وخلال هذا المسار الطويل، ظلت هذه الكتل مشبعة بالرطوبة بفعل حرارتها المرتفعة، بينما رافقتها كتل هوائية باردة ذات أصل قطبي، وإن كانت قد فقدت جزءا من برودتها القصوى أثناء انتقالها. وعند وصول هذه المنظومة إلى المغرب، انخفضت حرارة الهواء المداري بشكل سريع، في ظل رطوبة عالية جدا، ما أدى إلى تساقطات قوية وعنيفة، تسببت في فيضانات كبيرة، خصوصًا في شمال البلاد.
هذه الظواهر، رغم طابعها الاستثنائي، تصبح مفهومة علميا كلما توفرت الشروط نفسها، وهو ما يفرض إدماجها ضمن سيناريوهات تدبير المخاطر المستقبلية، وعدم التعامل معها كأحداث معزولة أو غير قابلة للتكرار.
إلى أي حد تساهم البنية التحتية والتخطيط العمراني ومسؤولية الإنسان في تفاقم آثار الفيضانات؟ وهل يمكن اعتبار ما وقع أنه نتيجة خلل بنيوي في تدبير المجال والمخاطر؟
أود التأكيد أولا أنه حتى على افتراض أن البنيات التحتية سليمة تقنيا، فإن الفيضانات ستقع، لأن المنظومة التي نشتغل بها اليوم، سواء على مستوى البنية التحتية أو البنية الاجتماعية والثقافية والسلوكية، لم تصمّم أصلا لتدبير هذا النوع من الظواهر الجوية العنيفة والاستثنائية.
هذه المنظومة أصبحت متجاوزة، تماما كما حدث خلال فيضانات 30 نونبر 2010 بمدينة الدارالبيضاء، حين فاقت شدة التساقطات قدرات البنيات المتوفرة آنذاك.
إلى جانب هذا العامل البنيوي، لا بد من الإشارة بوضوح إلى وجود أخطاء بشرية، وأحيانا أخطاء جسيمة، ساهمت في تهيئة شروط الكارثة. فالأخطاء لا تكون في مستوى واحد، بل تتدرج، وكل خطأ غير مصحح يراكم مخاطر جديدة. ومن أبرز هذه الأخطاء التعمير في مجالات غير صالحة للبناء وغير مسموح بها قانونيا، وهي ظاهرة لا تقتصر على مدينة واحدة، بل تشمل نماذج متعددة في طنجة وسلا والعرائش، بل في مختلف جهات المغرب،وهنا يطرح سؤال جوهري من سمح بالبناء في هذه المجالات؟
ففي مدينة طنجة، على سبيل المثال، توجد منطقة تعرف باسم "العوامة"، وهي تسمية ذات دلالة واضحة، إذ كانت تاريخيا مجالا مغمورا بالمياه، لا يقربه لا الإنسان ولا الحيوان، ولا تنبت فيه النباتات، عند سقوط الأمطار كانت تغمر بالمياه وحتى في فصل الصيف كان الماء حاضرا بها، خلال فترة الجفاف الطويل في ثمانينيات القرن الماضي، تم الترخيص بالبناء في هذه المنطقة، ولا أدري كيف تم ذلك ولا من يتحمل المسؤولية، التي هي بطبيعتها تراتبية، تبدأ بمن فكر، ومن رخص، ومن بنى، فالمهندسون بمختلف مستوياتهم، يعرفون جيدا المجالات الصالحة للبناء وتلك التي لا تصلح له. الهدف هنا ليس محاسبة أشخاص، بل توصيف أخطاء واضحة.
الإشكال نفسه يتكرر في مدينة سلا، وتحديدا بمنطقة سيدي موسى، حيث تتعرض البنايات لاجتياح مياه البحر. علما أن هناك قوانين واضحة تمنع البناء بمحاذاة الساحل، ومع ذلك، جرى تهيئة المجال وبنيت تجزئات سكنية، وتم الترخيص لها، وبيع الشقق للمواطنين بوثائق رسمية ومحفظة، قبل أن يفاجأ السكان بدخول مياه البحر إلى منازلهم، هذه أخطاء فادحة لا يمكن تبريرها.
أما في العرائش، فالوضع أكثر تعقيدا، ويمكن وصف الخطأ فيه بالمركب والنسبي. فالمدينة تاريخيا مجال فيضي، وهو أمر موثق حتى في كتابات ابن خلدون، حيث كانت الفيضانات جزءا من دينامية المجال، غير أن غير العادي هو ما حدث لاحقا، حين جرى بناء السدود بهدف حماية المنطقة من الفيضانات، ثم تم الترخيص بالبناء داخل المجال الفيضي، على أساس أن خطر الفيضانات زال بوجود السدود.
لكن الإشكال الحقيقي يكمن في طريقة تدبير هذه السدود، فلكي تؤدي السدود وظيفتها الوقائية، يجب أن تتوفر على هامش أمان كاف، وأن تدار وفق معايير دقيقة تأخذ بعين الاعتبار وظيفة الحماية وليس فقط التخزين. وللتذكير، فإن سد وادي المخازن، بتاريخ 22 شتنبر، كان يسجل نسبة ملء بلغت 77 في المائة، ما يعني أنه كان يتوفر نظريا على هامش مهم لاستيعاب الفيضانات، غير أن الإشكال يبدأ حين يفقد السد قدرته على أداء دوره الوقائي، ليس بسبب السد في حد ذاته، بل بسبب طريقة تدبيره.
وهنا تصبح المسؤولية نسبية ومشتركة، إذ إن مدبري السدود يشتغلون وفق معطيات تقنية وبيئية تعود إلى مرحلة لم تعد قائمة اليوم، فالمناخ تغير، والبيئة تغيرت والضغط العمراني تضاعف، ما يفرض إعادة النظر بشكل جذري في طرق تدبير السدود، وفي كيفية التوفيق بين وظيفتي التخزين والحماية، حتى لا تتكرر المآسي، وحتى نحافظ على الأرواح والممتلكات في سياق مناخي جديد أكثر تطرفا.