في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تواصل منظمة التعاون الرقمي ترسيخ موقعها كمنصة دولية متعددة الأطراف تسعى إلى تنسيق الجهود وبناء اقتصاد رقمي شامل وآمن. وفي هذا الإطار، أبرزت هاجر الحداوي، المديرة العامة لمنظمة التعاون الرقمي، في حوار مع "الصحراء المغربية"، الدينامية المتنامية التي تعرفها المنظمة، سواء من حيث توسع عضويتها أو تنوع المبادرات التي تطلقها لمواكبة التحول الرقمي العالمي.
وسلطت الحداوي الضوء على الدور الفاعل الذي يضطلع به المغرب داخل المنظمة، سيما من خلال مساهمته في تفعيل اللجنة الوزارية المعنية بمكافحة المعلومات المضللة على الإنترنت، والدفع نحو مقاربات عملية وتنفيذية في مواجهة التحديات الرقمية المشتركة. كما توقفت عند مخرجات الجمعية العامة الخامسة لمنظمة التعاون الرقمي، باعتبارها محطة مفصلية لوضع خارطة طريق جديدة للتعاون الرقمي خلال السنوات المقبلة.
وتناول الحوار كذلك أولويات المغرب في المرحلة المقبلة، وعلى رأسها الأمن السيبراني والتعليم الرقمي والابتكار المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب آفاق تطور المنتدى الدولي للتعاون الرقمي، والمبادرات المنتظرة في إطار أجندة 2025–2028 لدعم التجارة الرقمية وتسريع التحول الاقتصادي.
كما كشفت المديرة العامة عن دراسة طلبات انضمام أكثر من عشر دول جديدة إلى منظمة التعاون الرقمي، تم رفعها إلى المجلس التنفيذي للبت فيها، على أن يتم الإعلان عن نتائجها خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس الجاذبية المتزايدة التي باتت تحظى بها المنظمة على الصعيد الدولي، ويؤكد مكانتها كمنصة مرجعية للتعاون الرقمي العالمي.
اليوم يعد المغرب شريكا أساسيا في مكافحة المعلومات المضللة على الإنترنت. كيف تترجم المملكة هذا الدور داخل منظمة التعاون الرقمي؟
بكل فخر، المغرب هو شريك أساسي في اللجنة العليا لمكافحة المعلومات المضللة داخل منظمة التعاون الرقمي. وهو يؤكد، من خلال مشاركته الفاعلة، التزامه القوي بمحاربة المعلومات المضللة في الفضاء الرقمي.
وفي هذا الإطار، تترأس السيدة أمل الفلاح السغروشني اللجنة الوزارية المعنية بمكافحة المعلومات المضللة على الإنترنت، إلى جانب كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية وغانا.
ويحرص المغرب داخل هذه اللجنة على أن تكون أجندة مكافحة التضليل تنفيذية وفعّالة، وليس مجرد توصيات نظرية أو صورية، بما يعزز الثقة في الفضاء الرقمي ويحمي المجتمعات من مخاطر الأخبار الزائفة.
كيف تساهم الجمعية العامة الخامسة في وضع خارطة طريق جديدة لتعزيز التعاون الرقمي بين الدول الأعضاء؟
تشكل الجمعية العامة الخامسة محطة محورية لترجمة الرؤية الاستراتيجية للمنظمة إلى برامج عملية. وقد تم خلال هذه السنة تنفيذ خارطة طريق واضحة ترتكز على أربعة محاور أساسية:
1. حكامة التحول الرقمي وتعزيز الأطر التنظيمية المشتركة؛
2. تيسير تدفق البيانات والمعلومات بين الدول الأعضاء؛
3. تشجيع الابتكار وتطوير القطاع الخاص باعتباره محركًا للنمو الرقمي؛
4. تمكين النساء والشباب ودعم ريادة الأعمال والابتكار في المجال الرقمي.
ما هي المجالات التي يعتبرها المغرب ذات أولوية قصوى في المرحلة المقبلة: التعليم الرقمي، الأمن السيبراني، أم الابتكار الصناعي المرتبط بالذكاء الاصطناعي؟
تضع المملكة المغربية الأمن السيبراني في صدارة أولوياتها، باعتباره ركيزة أساسية لحماية السيادة الرقمية وضمان الثقة في الخدمات الرقمية.
كما يحظى التعليم بأهمية قصوى، إذ لا يمكن للتكنولوجيا أن تؤتي ثمارها دون منظومة تعليمية قادرة على مواكبتها. فالتحدي الحقيقي ليس في امتلاك التكنولوجيا، بل في التحكم فيها وتسخيرها لخدمة الإنسان والتنمية، وليس العكس.
هل يمكن للمنتدى الدولي للتعاون الرقمي أن يتحول مستقبلًا إلى منصة عالمية مرجعية، على غرار منتدى دافوس، ولكن مخصصة للاقتصاد الرقمي؟
هذا هو طموحنا بالفعل. وقد لمسنا خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في مكانة المنتدى، سواء من حيث الحضور أو مستوى النقاش.
فخلال هذه الدورة، شاركت أكثر من 34 دولة في أشغال الجمعية العامة، إلى جانب أزيد من 50 جهة تمثل القطاعين العام والخاص، إضافة إلى شركاء من منظمات دولية كبرى، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي تؤهل المنتدى ليصبح منصة عالمية مرجعية للاقتصاد الرقمي.
ما هي أبرز المبادرات الجديدة التي تعتزم المنظمة إطلاقها لدعم التجارة الرقمية وتسريع التحول الاقتصادي في إطار أجندة 2025–2028؟
تتضمن أجندة المنظمة للفترة 2025–2028 مجموعة من المشاريع ذات الأولوية، من أبرزها:
• Digital Foreign Direct Investment: مبادرة تهدف إلى تحفيز الاستثمارات الرقمية في الدول الأعضاء؛
• Model Digital Trade Agreement: نموذج لاتفاقيات التجارة الرقمية يواكب التحولات العالمية؛
• برامج تطوير الابتكار وبناء قدرات القطاع الخاص، ليس فقط لجذب الاستثمارات، بل أيضًا لاستقطاب الكفاءات والعقول القادرة على تنفيذ الحلول التكنولوجية المتقدمة.
مع انتقال رئاسة المنظمة إلى جمهورية باكستان الإسلامية خلال عام 2026، ما هي أبرز انتظارات المغرب من هذه المرحلة؟
يتطلع المغرب إلى تعزيز الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف خلال رئاسة باكستان، خاصة في مجالات الاستثمار وصناعة البرمجيات، التي تشهد تطورا كبيرا في هذا البلد، إضافة إلى آفاق التعاون في التصدير والاستيراد والخدمات الرقمية.
كما نأمل أن تشكل هذه المرحلة فرصة لتعميق الشراكات جنوب–جنوب، وتعزيز التكامل الرقمي بين الدول الأعضاء.
هل هناك تطورات بخصوص انضمام دول جديدة إلى المنظمة؟
نعم، فقد قررت الجمعية العامة دراسة طلبات انضمام أكثر من 10 دول جديدة، وتم رفع هذه الطلبات إلى المجلس التنفيذي. ومن المرتقب الإعلان عن نتائجها خلال الأشهر المقبلة، ما يعكس الجاذبية المتزايدة لمنظمة التعاون الرقمي على الصعيد الدولي.