فرضت العاصفة الأطلسية القوية "ليوناردو" نفسها خلال الساعات الأخيرة كأحد أبرز الاختبارات المناخية التي واجهتها منطقة غرب المتوسط، بعدما تسببت في تساقطات مطرية غزيرة وسيول وارتفاع منسوب الأنهار، ما دفع المغرب وإسبانيا والبرتغال إلى إعلان حالة استنفار وتعبئة واسعة، عبر تدخلات ميدانية متسارعة لتقليص الخسائر وتأمين سلامة السكان.
ومع استمرار التقلبات الجوية، تحولت "ليوناردو" إلى عنوان رئيسي لمرحلة جديدة تؤكد أن المنطقة دخلت زمن الظواهر المناخية المتطرفة، حيث لم تعد الأمطار الغزيرة مجرد حدث موسمي عابر، بل أصبحت تهديدا مباشرا للبنيات التحتية والأنشطة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
المغرب.. إجلاءات استباقية واستنفار بالقصر الكبير وشمال المملكة
في المغرب، تركزت تداعيات العاصفة بشكل أكبر على المناطق الشمالية، خاصة إقليم العرائش والقصر الكبير، حيث سجلت السلطات المحلية ارتفاعا ملحوظا في منسوب الأودية والأنهار، خصوصا وادي اللوكوس، ما استدعى إجراءات احترازية واسعة لتفادي وقوع كارثة إنسانية.
ووفق معطيات رسمية، قامت السلطات المغربية بإجلاء 108.423 شخصا من المناطق المهددة بالفيضانات خلال الأيام الماضية، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الوقائي التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، رشيد الخلفي، أن أغلب عمليات الإجلاء همت إقليم العرائش، حيث تم إجلاء 81.709 أشخاص، خصوصا بمدينة القصر الكبير التي غادرها أو تم إجلاء حوالي 85 في المائة من سكانها، سواء بتدخل السلطات أو بمبادرات ذاتية من السكان.
وتُعد القصر الكبير من أكثر المدن تضررا، إذ تزامنت السيول مع ارتفاع منسوب سد وادي المخازن، أحد أهم السدود بالمغرب، والذي تجاوز طاقته الاستيعابية، ما فرض تصريف كميات كبيرة من المياه نحو مجرى اللوكوس، الأمر الذي رفع الضغط على المدينة والأحياء المنخفضة.
وبالموازاة مع ذلك، تم نشر وحدات من القوات المسلحة الملكية منذ أيام لدعم جهود الإنقاذ والمساعدة، إلى جانب تعبئة السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية والقوات العمومية.
كما امتدت عمليات الإجلاء إلى مناطق أخرى، شملت سيدي قاسم (9.728 شخصا)، وسيدي سليمان (2.853 شخصا)، والقنيطرة (14.133 شخصا)، في سياق تحرك استباقي لتقليص المخاطر.
إسبانيا.. إجلاء آلاف السكان وقطع طرق وتحذيرات قصوى
وفي إسبانيا، تسببت العاصفة "ليوناردو" في ارتفاع منسوب الأنهار والفيضانات، ما أدى إلى زيادة عمليات الإجلاء، خاصة في منطقة الأندلس جنوب البلاد، حيث تم إجلاء أكثر من 3.500 شخص خلال يوم واحد فقط.
كما تم قطع 52 طريقا بسبب الفيضانات، إلى جانب إغلاق عشرات الطرق الثانوية بفعل الانهيارات الأرضية، فيما تأثرت شبكة النقل بسبب الثلوج التي شلت بعض المحاور، ودفعت السلطات إلى رفع حالة الإنذار في مناطق متعددة.
وسجلت السلطات الإسبانية انقطاع التيار الكهربائي عن حوالي 3.800 شخص، بينما تدخل الحرس المدني لإنقاذ عشرات المواطنين، من بينهم نحو 70 شخصا في غرناطة.
وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية أن المنخفض سيبدأ في الضعف تدريجيا، غير أن التوقعات تشير إلى اقتراب منخفض جديد خلال الأيام المقبلة، ما يعني أن خطر الفيضانات لم ينته بعد.
وأمام هذه التطورات، حذرت السلطات من الوضع الحرج للأنهار، حيث تم تصنيف 14 نهرا في مستوى الإنذار الأحمر بسبب "خطر شديد"، إضافة إلى 10 سدود في نفس الدرجة، بينما وُضعت 31 منطقة تحت الإنذار البرتقالي.
كما دعا رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز المواطنين إلى أقصى درجات الحذر وتجنب التنقل غير الضروري.
البرتغال.. تعبئة قصوى وتعليق قطارات ومراقبة ضفاف الأنهار
أما البرتغال، التي كانت قد خرجت لتوها من تداعيات عاصفة سابقة، فقد وجدت نفسها أمام موجة جديدة من التقلبات الجوية بفعل “ليوناردو”، حيث أعلنت السلطات حالة تأهب، ورفعت مستوى الاستعداد إلى أقصى درجة.
وسجلت البلاد عمليات إجلاء وتعليق حركة قطارات، إضافة إلى فيضانات بعدد من المناطق، خصوصا قرب ضفاف أنهار كبرى مثل: مونديغو، تاجو، سادو، أغيدا، ليس، سورايا.
وأكدت هيئة الطوارئ والحماية المدنية البرتغالية أن طبيعة الأضرار هذه المرة تختلف عن العاصفة السابقة، حيث ارتفعت حدة الفيضانات مقارنة بمشاكل الرياح وسقوط الأشجار التي كانت سائدة في الأيام الماضية.
وأعلنت السلطات أن عشرات الأشخاص اضطروا لمغادرة منازلهم، من بينهم 53 شخصا في سانتاريم، و145 في ليريا، و53 في كاستيلو برانكو، بينما تركزت معظم التدخلات في منطقة لشبونة والغرب والجنوب.
وفي هذا السياق، تم تفعيل المستوى الأقصى من التعبئة، لضمان جاهزية كل عناصر الحماية المدنية للتدخل الفوري في المناطق التي قد تشهد تطورا مفاجئا للوضع.
عاصفة واحدة.. واستجابة بثلاث مقاربات
ورغم أن العاصفة نفسها تضرب ثلاث دول متجاورة، إلا أن طريقة التعامل معها عكست اختلافات في المقاربة والجاهزية، إذ ركز المغرب بشكل واضح على الإجلاء الاستباقي، خاصة في المناطق المهددة مباشرة بالفيضانات، بينما انصبت جهود إسبانيا على تدبير حركة الطرق وشبكات الكهرباء والإنقاذ، في حين جعلت البرتغال من حماية ضفاف الأنهار وتأمين النقل أولوية قصوى.
لكن القاسم المشترك بين الدول الثلاث ظل هو التعبئة الواسعة للسلطات المحلية والأجهزة الأمنية والوقاية المدنية، وإطلاق تحذيرات متكررة للسكان من خطورة الاقتراب من مجاري الأودية والأنهار أو التنقل في المناطق المهددة.