في آسفي، لم تكن السماء تمطر فقط، بل كانت تختبر قدرة المدينة على الصمود. عشية الأحد 14 دجنبر 2025، تحوّلت تساقطات رعدية جدّ قوية، لم تتجاوز مدّتها ساعة واحدة، إلى سيول جارفة اجتاحت أحياء واسعة من المدينة، خصوصًا بالمدينة العتيقة، مخلفة حصيلة بشرية ثقيلة وخسائر مادية جسيمة، وحالة هلع غير مسبوقة في صفوف الساكنة.
من عين المكان، حيث كان التنقل صعبًا بين أزقة ضيقة تحوّلت في لحظات إلى مجارٍ مائية، بدت ساحة أبو الذهب غارقة عن آخرها، وسيارات مطمورة بالمياه، ومحلات تقليدية تسرّبت إليها السيول دون سابق إنذار. قنوات الصرف الصحي عجزت عن استيعاب الكميات الهائلة من الأمطار، ففاضت بسرعة، وحاصرت عشرات السكان داخل منازلهم.
وحسب بلاغ للسلطات المحلية بإقليم آسفي، توصلت به الجريدة، فإن التساقطات الرعدية القوية أدت إلى تدفقات فيضانية استثنائية خلال فترة زمنية وجيزة، أسفرت في حصيلة أولية عن تسجيل سبع حالات وفاة، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقًا، وفق معطيات محيّنة، إلى 14 وفاة. كما تم إسعاف 32 شخصًا، نُقلوا إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس، حيث غادر أغلبهم بعد تلقي العلاجات الضرورية، فيما ظلت بعض الحالات تحت المراقبة الطبية.
الخسائر المادية كانت بدورها ثقيلة. فقد سُجّل غمر حوالي 70 منزلًا ومحلاً تجاريًا بالمدينة القديمة، خاصة بشارع بئر إنزران ومحيط ساحة أبو الذهب، كما جرفت السيول نحو عشر سيارات، وتضرر المقطع الطرقي الرابط بين آسفي ومركز جماعة احرارة على مستوى الطريق الإقليمية 2300، ما تسبب في انقطاع حركة المرور بعدة محاور وشلل جزئي في التنقل داخل المدينة.
في الميدان، بدت حالة ارتباك واضحة. مدارات طرقية تحوّلت إلى نقط سوداء، ومحاور رئيسية قُطعت بالكامل، فيما باشرت عناصر الوقاية المدنية، بمعية السلطات المحلية، عمليات البحث والإنقاذ، وإجلاء عدد من السكان المتضررين، مع تشغيل آليات لشفط المياه وفتح الممرات المتضررة.
أحد أعضاء المجلس الجماعي لآسفي وصف ما وقع بأنه أمطار طوفانية بكل المقاييس، مشيرًا إلى أن كثافة التساقطات في وقت وجيز كانت كافية لاجتياح الأزقة والمنازل، وجرف السيارات المركونة، والتسرّب إلى المناطق المنخفضة، ما صعّب حركة السير وعرقل جهود الإنقاذ في الدقائق الأولى.
من جهته، أكد المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بآسفي، عزيز مخلوف، أن مختلف المصالح الصحية ظلّت في حالة استنفار، موضحًا أن المستشفى الإقليمي استقبل عددًا من الأشخاص الذين جرى إنقاذهم من الغرق، وأن وضعهم الصحي مستقر ولا يدعو للقلق.
وفي سياق متصل، قررت المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية تعليق الدراسة يوم الاثنين 15 دجنبر 2025، وذلك بناءً على تحذيرات النشرة الإنذارية، وبعد مشاورات مع السلطات الإقليمية، حفاظًا على سلامة التلاميذ والأطر التربوية والإدارية.
وراء هذه المشاهد، يعيد سكان المدينة العتيقة طرح السؤال ذاته: كيف لمدينة ساحلية، تعيش على منحدر، أن تغرق بهذه السرعة؟ كثيرون أرجعوا الكارثة إلى هشاشة البنية التحتية وتقادم قنوات الصرف، وعدم قدرتها على مواكبة التحولات المناخية العنيفة.
ومع استمرار عمليات الإنقاذ والتعبئة الشاملة لمختلف المتدخلين، تظل آسفي، هذه الليلة، مدينة منكوبة تداوي جراحها، وتعدّ ضحاياها، فيما تفرض هذه الفاجعة نفسها كجرس إنذار جديد حول ضرورة إعادة التفكير في تخطيط المدن وحمايتها من غضب الطبيعة.