نظمت شعبة علم الاجتماع ومختبر "لادسيس" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق في الدارالبيضاء، يوما دراسيا وتكريميا احتفاء بالمسار العلمي والفكري للباحثة المغربية حياة زيراري، أحد أبرز الوجوه الأكاديمية في حقل الأنثروبولوجيا في المغرب، إذ أطلق اسمها على فوج الطلبة الحاصلين على شهادة الإجازة في علم الاجتماع، للموسم الجامعي الحالي.
وجمع الحدث الأكاديمي بين لحظات العرفان واستكشاف عالم غني ومتشعب من المقاربات السوسيوأنثروبولوجية حول الغذاء، النوع الاجتماعي، السلطة، والهوية.
وشكل اللقاء، الذي نظمه طلبة شعبة علم الاجتماع، فرصة لربط جسور الذاكرة بين الأجيال، واستحضار المسارات الفكرية المؤسسة للأنثروبولوجيا المغربية، خاصة في ظل حضور رموز أكاديمية ساهمت في ترسيخ البحث الميداني.
وفي هذا الصدد، أكدت الدكتورة حياة زيراري، في مداخلتها، على أهمية مساءلة المعنى، وتحليل الرمزي والمعقد في تفاصيل الحياة اليومية للانسان، ضمنها قضايا النساء، الغذاء، والأمومة وغيرها. كما أبرزت أن علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لا ينفصلان عن سياق النضال الديمقراطي، وأن مسارها العلمي لم يكن يوما سعيا وراء وظيفة، بل شغفا ومشروعا مجتمعيا يستمد جذوره من مغرب ما بعد الاستقلال.
وتناولت العروض المقدمة من طرف الطلبة قضايا لافتة تتقاطع فيها مقاربات بورديو وزيمل وكليفورد غيرتز، من خلال تحليل أنثروبولوجي دقيق لموضوع الغذاء كمدخل لفهم البنيات الاجتماعية والرمزية. فالطبق اليومي، حسب بعض المداخلات، لا يختزل في فعله البيولوجي، بل هو سلوك سياسي، وتمظهر طبقي، ومجال للصراع والهيمنة والتفاوض، خاصة حين يتعلق الأمر بالأمهات وطقوس إعداد الطعام، حيث تتحول الرفيسة أو التريد إلى مرآة للعلاقات الجندرية والتراتبية داخل البيت والمجتمع.
ووفقا لذلك، ناقشت أعمال الأكاديمية العلاقة المعقدة بين المطبخ كفضاء نسوي وبين تحولات الذوق والاستهلاك وسط الطبقة الوسطى، في ظل صعود معايير جديدة على وسائل التواصل الاجتماعي تربط بين الأصالة، الجمال، والصحة الغذائية. وهي تحولات تضع الغذاء في صلب قضايا الأمن الغذائي، العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة الحياة.
ووقف العمل النقدي لأعمال الباحثة الأنثروبولوجية عند مرجعيات متنوعة من الأنثروبولوجيا النسوية والإثنوغرافيا من الداخل، مسلطين الضوء على الكيفيات التي اشتغلت عليها الباحثة للكشف عن أشكال التراتبية داخل المطبخ، وفهم الأكل كوسيط للتنشئة، ونقل القيم، وإنتاج المعنى داخل الجماعة البشرية.
في ختام اللقاء، أكد المنظمون أن الاحتفاء بحياة زيراري هو احتفاء بمسار طويل من الالتزام العلمي والنقابي والحقوقي، وأن مشروعها المعرفي يفتح آفاقا جديدة أمام الأجيال الصاعدة في التفكير في قضايا مغربية بمنهجيات دقيقة، حساسة، ونقدية.
من جهتهم، أبدع فوج الدكتورة حياة زيراري في تقديم إبداعات موسيقية عريقة، وقرارات أدبية وزجلية ومسرحية لإبراز فكر وأفكار هذه الشخصية المغربية وتسليط الضوء على مواضيع وقضايا شكلت أبحاثها حول المجتمع المغربي، بما يعكس مسارها الدراسي والأكاديمي ورصيدها النضالي والترافعي للنهوض بقضاي مجتمعية.
تجدر الإشارة إلى أن المناسبة سمحت إلى الطلبة والطالبات بخلق أرضية للتفاعل مع مجموعة من الشخصيات من عالم الجامعة والسوسيولوجيا للتقرب أكثر من البحث العلمي المهتم بالدراسات الاجتماعية.