بعيدا عن لغة الخشب، ناقش المشاركون في الندوة الثانية من سلسلة ندوات مجموعة "لومتان" موضوع "الصناعة الاقتصادية واقع الصناعة الدوائية وإكراهاتها وآفاقها". وكشفت المداخلات خلفيات عدم تطور هذا القطاع رغم المجهودات التي يبذلها الفاعلون المغاربة، كما دعا هؤلاء إلى أهمية التسريع من وضع ضوابط "حمائية" لـ "صنع بالمغرب" ضمانا للتطور الطبيعي بعيدا عن منافسة الاستيراد وكبح جماح الطموحات المعبر عنها.
ولفت المتدخلون الانتباه إلى العديد من النواقص مع تقديم الحلول الناجعة لها، كما تطرقوا إلى مستقبل المستشفيات العمومية ومهامها التي ستتضاعف مع انخراط 22 مليون شخص في الورش الملكي للحماية الاجتماعية، مع طرح تصورات تصب في اتجاه النهوض بهذه المرافق وتأهيلها وفق معايير تضمن جودة الخدمات وملاءمتها مع أهمية هذا الورش المجتمعي الرائد.
وورد في هذا النقاش الغني أن الصناعة الدوائية المحلية يمكنها ضمان توفير ملياري درهم للمغرب، إذا تم تعويض بعض الأدوية المستوردة بأخرى تنتج محليا.
وعن فتح مزاولة مهنة الطب أمام الكفاءات الأجنبية قصد إنجاح مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتعزيز الطواقم الطبية المغربية، أكد ممثل وزارة الصحة أنه هذه الأخيرة توصلت فقط بـ 47 ملفا للترشيح لأطباء أجانب للعمل في المستشفيات العمومية، ليخلص إلى أن هذا المنحى لم يلق الاقبال المتوقع.
محمد الهيتمي: السيادة اكتست أهميتها مع استفحال غياب التضامن الدولي خلال الأزمات
أكد محمد الهيتمي، الرئيس المدير العام لمجموعة لومتان أن قضايا السيادة المتعلقة بالقطاعات الاستراتيجية أضحت تفرض نفسها أكثر من أي مضى، خاصة مع الأزمة الصحية وما فرضته من صعوبات وإكراهات مرتبط بتأمين مجموعة من الحاجيات من الأسواق الدولية.
وأضاف في كلمته الافتتاحية لأشغال الندوة الثانية من سلسلة ندوات لومتان حول السيادة الاقتصادية المنعقدة حول موضوع "السيادة الصحية: كيف يمكن تطوير صناعة صيدلية وطنية قوية؟"، أن مفهوم "السيادة" أضحى مرادفا للأمن على المستويات الصحية والطاقية والصناعية، معتبرا أن هذا المعطى يشكل أنسب الأساليب وأنجعها لمعالجة التقلبات الناجمة عن التبعية وبالتالي بلوغ مرحلة المناعة المؤهلة لمواجهة الأزمات الخارجية وارتداداتها والأحداث الطارئة مثل الأوبئة والمناخ وليس فقط الاضطرابات الجيوسياسية.
وذكر الهيتمي في سياق كلمته بالأهمية البالغة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لقضايا الصحة، مستحضرا إشراف جلالته على إعطاء انطلاقة أشغال إنجاز المستشفى الجديد "ابن سينا"، وهو مشروع مستقبلي يأتي لتعزيز العرض الصحي بالمملكة، وترأس جلالته حفل إطلاق أشغال إنجاز مصنع لتصنيع اللقاح المضاد لكوفيد-19 ولقاحات أخرى ببنسليمان، وهو المشروع الهيكلي، الذي سيساهم عند الانتهاء من إنجازه في تأمين السيادة اللقاحية للمملكة ولمجموع القارة الإفريقية، ولم يغفل الرئيس المدير العام لمجموعة لومتان الحديث عن المقاربة الاستباقية التي نهجها المغرب في تدبير أزمة كوفيد ـ 19 بتوجيهات ملكية سديدة.
واعتبر أن أهمية هذه السيادة اكتست أهميتها مع استفحال غياب التضامن الدولي خلال الأزمات، وهو ما أبرزته فوارق معدلات التلقيح الضعيفة ضد كورونا في عدد من الدول الإفريقية مقارنة مع دول أخرى، وأشار إلى أن هذا اللقاء يشكل فرصة لتسليط الضوء على ما يمكن القيام به لتعزيز أسس السيادة الصحية وترسيخها.
عبد الحكيم بنحيان: الصناعة الصيدلانية هي مكون من مكونات السيادة الصحية
وفي مستهل مداخلات الندوة التي تطرقت إلى الظرفية الدولية والوطنية وارتفاع أسعار المواد الأولية والمدخلات والتوريد والنقل الدولي وانعكاسها على الصناعة الصيدلانية بالمغرب، أوضح عبد الحكيم يحيان، مدير مديرية الإسكان والحماية الاجتماعية أنه بالرغم من نشوب النزاع الروسي الأوكراني عقب الأزمة الصحية العالمية والضغط الذي أحدثته على مستوى الموارد، فإن المغرب ولحسن الحظ كانت له مخزونات استراتيجية للعديد من الأدوية، مشيرا في ذات الوقت إلى أن ارتفاع سعر المحروقات استطاع التأثير على سلسلة القيم.
وأشار المتحدث بخصوص التفكير حول إشكالية الأسعار المتعلقة بالأدوية، أن هذا الأمر انطلق قبل ثلاثة أشهر، ومن أجله هناك تقييم للمخزونات والقدرة الاستيعابية من الأدوية، وأن الوزارة تعمل على ضمان عقود للتموين باللقاحات مثلا لمدة 18 شهرا إلى جانب مواد صحية أخرى، وقال إن هناك مباحثات حول عقود للتموين المنتظم.
ومن جانب آخر، اعتبر أن الولوج إلى العلاج القائم في جزء منه على الأدوية، عرف تطورا بفضل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بفضل إنتاج مجموعة من الأدوية الجنيسة بالمغرب، والتي بلغت مرحلة التصدير نحو دول أخرى، وقال إن الصناعة الصيدلانية هي مكون من مكونات السيادة الصحية.
وأضاف يحيان أن للشراكة المشار إليها لها مكانة محورية لأن الدولة أو وزارة الصحية لا يمكنها لوحدها القيام بكل شيء، وأن استباق الحاجيات الصحية أمر يتطلب تعزيزه، واعتبر أن مشروع مصنع اللقاحات يندرج في سياق هذه الشراكة ويعتبر مثالا ناجحا من الضروري الاقتداء به.
وفيما يتعلق بموضوع المستشفيات العمومية، أوضح أن عدم السير الجيد لهذه المرافق يستوجب الاهتمام أكثر بالرأسمال البشري وتعزيزه، مفيدا أن هذا المجال يحظى بخلق حوالي ألف منصب مالي سنويا، وأردف مشيرا إلى النموذج التنموي الجديد يدعو إلى إعادة النظر في أجور موظفي القطاع، وأعلن عن قرب صدور قرارات جديدة حول هذا المجال.
وعن فتح مزاولة مهنة الطب أمام الكفاءات الأجنبية قصد إنجاح مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتعزيز الطواقم الطبية المغربية، أكد أن الوزارة توصلت بـ 47 ملفا للترشيح لأطباء أجانب للعمل في المستشفيات العمومية، ليخلص إلى أن هذا المنحى لم يلق الاقبال المتوقع.
لمياء التازي: الصناعة الصيدلانية المغربية يمكنها توفير ملياري درهم بما هو مصنع محليا
لمياء التازي، الرئيسة المديرة العامة لمختبرات "سوطيما" ونائبة رئيسة الفدرالية المغربية للصناعة والابتكار أكدت في مداخلتها أنه بعد الأزمة الصحية التي أثرت على العالم نفسيا واقتصاديا مدة سنتين، جاءت الأزمة الروسية الأوكرانية التي فرضت منطقا آخر للتعامل، حيث شرعت الدول في الاحتفاظ بالمواد الأولية، ما يجعل هذه الأخير صعبة المنال، خاصة وأن الصناعة الصيدلانية المغربية تقوم تعتمد على 90 في المائة من المدخلات الواردة أساسا من الهند والصين، مشيرة إلى أنه حتى في حالة اختيار اللجوء إلى تغيير التركيبات الدوائية فذلك يتطلب ترخيصا من الوزارة الوصية.
وأضافت أنه ورغم هذا الوضع، فإن المختبرات الصيدلانية المغربية استطاعت في ظل الاستباقية إلى اعتماد التخزين الكافي لمدة سنتين، وقالت "لنا ثقة تامة على أنه لن يكون هناك أي خصاص في الأدوية وأن الاستجابة لطلبات العروض متوفرة"، وحول إمكانية رفع الأسعار قالت "لن نطالب بذلك، نحن نقدم خدمات اجتماعية ونؤمن بأننا مقاولة اجتماعية".
كما تطرقت التازي إلى مسألة الأدوية الجنيسة والتي تتسابق مختبرات أجنبية في الحصول على ترخيص تصنيعها وطرحها بالأسواق المغربية بسرعة فائقة تعيق ولوج المختبرات المغربية إلى تصنيعها رغم كفاءتها في هذا المجال، داعية في الآن ذاته إلى أهمية بلورة استراتيجية شاملة تعطي الأفضلية لـ "صنع في المغرب".
واعتبرت أن إعطاء الأولوية للمنتوج المغربي في هذا السياق وحسب دراسة قامت بها الفدرالية المغربية للصناعة والابتكار، ستمكن من توفير ملياري درهم لفائدة المغرب في إطار تعويض الواردات باما هو مصنع محليا la substitution. وبخصوص أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص استشهدت لمياء التازي بنجاح هذه الشراكة على مستوى علاج تصفية الكلي "دياليز".
وأفادت أن المغرب يصدر إلى إفريقيا وحتى أوروبا لكن السوق القارة السمراء لا تمثل حسب المتدخلة سوى 1 في المائة عالميا، وترى أن الحصول على الدعم ورخص الطرح بالأسواق AMM ستتيح فرصا واعدة للقطاع.
وترى التازي أن جذب المجموعات الدولية المتخصصة في الصناعات الكيميائية إلى المغرب يعتبر مربحا للطرفين، فبعد هدف "صفر كوفيد ـ 19" الذي تطبقه الصين حاليا من خلال إجراءات وقائية بلغت مستوى إغلاق عدد من المدن، قررت المجموعات العالمية في هذا المجال اللجوء إلى الشروع في ترحيل مواقعها من هناك نحو جهات أخرى، وأضافت أن المغرب باستطاعته استضافتها والاستفادة منها على مستوى المواد الأولية للصناعات الدوائية عبر اكتساب التكنولوجيات الجديدة المعتمدة في هذا المجال الحيوي، وهو ما سيمكن المملكة بعدها ـ حسب المتدخلة ـ من التفاوض للحصول على صفقات أكبر.
وتحدثت التازي عن مبادرات مجموعتها "سوطيما" من بينها التكفل بمشروع إدماج إحدى الزيوت الطبيعية كناقل لإحدى الأدوية لباحث مغربي من مدينة فاس، واستعرضت الصعوبات التي واجهها المشروع في بداية، إلا أنها أعلنت أن هذه التجربة تكللت بالنجاح وتمت الموافقة على الترخيص له.
ميا الحلو الفيلالي: نحن نصنع الأدوية وهذه الأخيرة لها أسعار محددة على مستوى البيع رغم ارتفاع أثمنة المواد الأولية
ميا الحلو الفيلالي، الرئيسة المديرة العامة لمختبرات "فارما 5" ونائبة رئيسة الفدرالية المغربية للصناعة والابتكار تطرقت في معرض مداخلتها إلى بعض الإكراهات التي يعيش على إيقاعها حاليا قطاع صناعة الأدوية بالمغرب قائلة "نحن نصنع الأدوية وهذه الأخيرة لها أسعار محددة على مستوى البيع رغم ارتفاع أثمنة المواد الأولية، ورغم ذلك لن تكون هناك زيادة لأننا نتحمل ذلك على صعيد هامش التصنيع. وهناك مواد نسجل فيها عجزا في المردودية، وهي مسؤوليتنا وقد ألفنا التعامل وفق هذا المنهج منذ الجائحة وسنستمر في ذلك"، وأشارت الندوة إلى أن تركيا مثلا التي تعتمد استيراد أدويتها جاهزة تعيش منذ ستة أشهر على إيقاع خصاص حاد.
وقالت من جهة أخرى أن شهر يناير شهد بالمغرب خصاص بالتموين لكن الأمر تم تدارك، ونجم ذلك حسب المتدخلة بسبب الإقبال على أدوية الأنفلونزا الموسمية.
واعتبرت الفيلالي أن المغرب له خبرة مهمة في إنتاج الأدوية بفضل انطلاق هذا القطاع منذ 60 سنة، لكنها أكدت أنه في العشر سنوات الأخيرة دخلت على الخط مختبرات تستورد أدوية جنيسة من آسيا تعرض بأسعار مرتفعة، في حين أن القطاع المغربي للصناعات الصيدلانية يغطي الثلثين من الحاجيات المحلية من هذه المنتوجات وقادرة على توفير المزيد، وقالت إن القطاع في حاجة إلى إرادة قوية لتعزيز مسار "صنع في المغرب"، مشيرة إلى أن الأزمة الصحية أكدت أهميته بالنسبة للمغرب وإفريقيا، حيث أفادت أن المغرب استمر في تصدير الدواء لإفريقيا إبان أزمة كوفيد ـ 19.
وقالت إن مرضى القصور الكبدي من فئة "س" أصبحوا يستفيدون من دواء جنيس مغربي من جودة عالية بأسعار في المتناول، وذكرت بأن المنخرطين في نظام "راميد" لم يكن بمستطاعهم الولوج إليه مدة خمس سنوات، لكن الصناعة الصيدلانية المحلية استطاعت ضمان تجاوز هذا الوضع.
ولم تغفل التأكيد بأن الصناعة المحلية توظف الآلاف من اليد العاملة في حين يقتصر المستوردون على بعض العشرات، مشيرة إلى أن هناك عدة معطيات وحقائق تفرض التوجه بقوة نحو تعزيز القطاع الصناعي الصيدلاني المغربي الذي يصدر 10 في المائة من إنتاجه.
وحول الابتكار في هذا المجال، أكدت أن المغرب عليه جلب المجموعات المتعددة الجنسيات للقيام بأبحاثها الكلينيكية بالمغرب بالنظر إلى أهمية هذا الموضوع في تقريب عوالم الابتكار الصيدلاني من الفاعلين المغاربة، ولأن الأبحاث الصيدلانية جد مكلفة، علما أن جزيئة واحدة حسب بعض المتدخلين تتطلب ميزانيات البحث المتعلق بها حوالي ملياري دولار.
وأوردت أنه حتى عند بدل مجهودات مبتكرة على صعيد معين تمنح حصة 50 في المائة للاستيراد وقالت إن هذا "غير مشجع". وقالت مثلا إن مادة الأنسولين تصنع بالمغرب، لكن ورغم ذلك يجري استيرادها من الخارج.
واعتبر ميا الحلو أن الصناعة الدوائية المغربية تعتبر مهمة بالنسبة لورش الحماية الاجتماعية نتيجة الأسعار المطبقة التي يمكنها توفير مصاريف كثيرة، خاصة مع التحاق 22 مليون مواطن بالتأمين الصحي الإجباري. ولم تغفل كذلك الحديث عن دور القطاع بالنسبة للشريحة العمرية التي تتموقع في فئة الشيخوخة التي بدأت نسبتها ترتفع بالمغرب.
كما تطرقت إلى طموح المشروع الرامي إلى استغلال "الفرص التي تتيحها السوق العالمية للقنب الهندي المشروع"، وتطوير هذه المادة لاستعمالات طبية.
حكيمة حميش: الصناعة الدوائية في حاجة ماسة إلى مستوى مهم من "الحمائية"
ومن جانبها دعت حكيمة حميش، أستاذة في الطب وعضو اللجنة الخاصة للنموذج التنموي الجديد إلى تخطي مرحلة التبعية في مجال استيراد الأدوية، حيث أبرزت أن الصناعة الدوائية في حاجة ماسة إلى مستوى مهم من "الحمائية" مثل ما هو معتمد في مصر وتونس وبلدان أخرى، وقالت إن نسبة الأدوية الجنيسة في الصيدليات المغربية تناهز 35 في المائة، في حين تبلغ معدل 89 في المائة بالولايات المتحدة الأمريكية.
وترى حميش أن تحديد نفس هامش الربح بين الأدوية الجنيسة وغير الجنيسة سيشجع ربما الصيادلة على تقديمها أكثر لزبنائهم.
كما لفتت الانتباه إلى شروط التصنيع التي أقرتها منظمة التجارة العالمية، التي تفرض حماية مدتها 20 سنة للأدوية المبتكرة، إلا أنها قالت إن أصحابها يعمدون إلى بعض التغييرات في آخر لحظة لضمان مدة إضافية تجعل من انتظار السماح بنسخ الدواء أمرا طويلا لسنوات أخرى. وقالت إن هذه المنظمة العالمية تدرس حاليا إمكانية تبسيط هذا الأمر بعد مخلفات كوفيد ـ 19.
وأثارت بهذه المناسبة الترخيص الذي منحته مجموعة "فايزر" لعدد من الدول باستثناء المغرب، وقالت إنها دول لن تؤثر على حجم مبيعات هذه المجموعة.
وناقش المتدخلون والحضور مستقبل هذا القطاع في ظل التحديات القائمة، إلى جانب تطرقهم إلى أهمية "وكالة الأدوية" التي سترى النور باعتبارها ضامنا لالتقائية جميع مكونات القطاع، كما دعا المشاركون إلى التماس دعم الديبلوماسية لمساعيهم بالخارج، وجرى الحديث، أيضا، عن جوانب أخرى ذات انعكاسات سلبية من قبيل "الثقة" غير المحدودة في المنتوج الأجنبي، والطب البديل وغير ذلك من النقط.
تصوير: حسن سرادني