رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية

عثمان مودن: مشروع قانون المالية التعديلي زاد في اعتمادات نفقات الاستثمار للميزانية العامة بنسبة 9.6% لتصل لأزيد من 85 مليار درهم

الصحراء المغربية
الأربعاء 15 يوليوز 2020 - 11:27

في ظل ما خلفته جائحة كورونا من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني بسبب الحجر الصحي وتوقف الكثير من الأنشطة، وكذا نتيجة تأخر التساقطات المطرية وتراجع منتوج الحبوب بالمغرب، كل هذا فرض على الحكومة ضرورة التفكير في تعديل قانون المالية السنوي، خصوصا بعد أن أصبحت الكثير من الفرضيات التي استند عليها ذلك القانون متجاوزة، ونفس الأمر بالنسبة لتقديرات المداخيل والنفقات والمناصب المالية المحدثة.

وفي هذا السياق غير المسبوق، أجرت "الصحراء المغربية" حوارا مع عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، عضو المركز المغربي للدراسات والأبحاث المالية والضريبية، باحث في المالية العمومية، تناول مجموعة من المحاور، من بينها المرتكزات التي استند عليها قانون المالية التعديلي، والتحفيزات على إعطاء الأفضلية للمقاولة الوطنية، وحيثيات تراجع الموارد العمومية، وأيضا، مواضيع أخرى من قبيل الزيادة في اعتمادات نفقات الاستثمار  للميزانية العامة بنسبة 9.6 في المائة لتصل لأزيد من 85 مليار درهم، وما مرد ذلك، وهل ستؤثر الإجراءات المتخذة ربما على مناصب الشغل المحدثة بموجب قانون المالية السنوي 2020، المحددة في 23312 منصبا. كما تم التطرق خلال الحوار ذاته، إلى المساهمة الإبرائية برسم الغرامات المالية المتعلقة بعوارض الأداء على الشيكات في قانون المالية التعديلي.

 

 

ما هي المرتكزات التي استند عليها مشروع قانون المالية التعديلي؟

قبل الحديث عن المرتكزات الرئيسية التي استنذ اليها اعداد قانون المالية التعديلي، لا بد ان نسجل ملاحظة مفادها أن فكرة القوانين المالية التعديلية ظلت لسنوات عديدة ممارسة مستبعدة من لدن المدبر المالي العمومي، وأن آخر قانون مالية تعديلي أعدته الحكومات السالفة يرجع الى ازيد من 30 سنة خلت (1990) وأن قانون المالية التعديلي رقم 20.35 هو أول قانون مالية تعديلي في ظل الدستور الجديد والقانون التنظيمي للمالية رقم 13-130، وأن تقديمه جاء تفعيلا لمقتضيات هذين النصين خصوصا في الشق المتعلق بالشفافية والصدقية.

بخصوص مرتكزات هذا القانون فقد جاء مستندا إلى ثلات أولويات رئيسية، الأولى تتعلق بمواكبة الاستئناف التدريجي للأنشطة الاقتصادية عبر توفير الدعم والتحفيز والمواكبة للمقاولة المغربية، والثانية مرتبطة بضرورة الحفاظ على مناصب الشغل في القطاع الخاص، والأخيرة تهم تسريع تنزيل الإصلاحات الإدارية خصوصا في شقها المتعلق بالتحول الرقمي للإدارة العمومية، خصوصا وأن جائحة كورونا أكدت على أهمية دعم التحول الرقمي للإدارة العمومية.

 

التحفيز على إعطاء الأفضلية للمقاولة الوطنية برز بقوة خلال الأشهر القليلة الماضية، ما هي تدابير مشروع قانون المالية التعديلي لتحقيق ذلك؟

من بين الإجراءات المتخذة على هذا الصعيد، هناك الرفع من الرسوم الجمركية المطبقة على الاستيراد إلى 40%، الذي فرضته عدة عوامل أهمها حماية المنتوج الوطني وتشجيع المنتوج المحلي وخفض عجز الميزان التجاري، وكذلك توفير موارد إضافية للميزانية التي عرفت مداخيلها الضريبية تراجعا ملحوظا.

إضافة إلى ذلك سيتم دعم تفعيل اليات الافضلية للمقاولة الوطنية المنصوص عليها في المادة 155 من المرسوم رقم 349-12-2 بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية، بحيث يتعين على أصحاب المشاريع منح الافضلية بالنسبة للعروض المقدمة من طرف المقاولات الوطنية، وتحديد الحاجيات المراد تلبيتها والمواصفات التقنية ومحتوى الأعمال بالإحالة على المواد والمنتجات المطابقة للمواصفات التقنية والمعايير المغربية.

 

ماذا عن تراجع الموارد العمومية وأسبابها؟

علاقة بالموارد العمومية، وبخصوص تراجع المداخيل الضريبية بين قانون المالية السنوي 2020 الذي توقع 233.373.290.00 مليار درهم، وبين قانون المالية التعديلي الذي خفض هذا التوقع بنسبة 18.59% إلى 189.994.603.00 مليار درهم،

فذلك راجع بالأساس إلى تأثيرات  جائحة كورونا وما فرضته ضرورات الحجر الصحي من توقيف مجموعة من الأنشطة الاقتصادية، بالشكل الذي جعل الكثير من المقاولات توقف أو تخفض إنتاجها، الأمر الذي اثر على رقم معاملاتها وعلى الأرباح المحققة من لدنها، وبالتالي تراجعت مساهمتها الضريبية، ونحن نعلم أن لجنة اليقظة سبق واتخذت مجموع قرارات خلال الحجر، تهم توقيف المراقبات الضريبية والإقرارات الضريبية، وكذا توقيف مسطرة الإشعار للغير الحائز باعتبارها آلية مهمة كانت تمكن الإدارة الضريبية من تحصيل ديونها العمومية التي في ذمة الملزمين.

 

مشروع قانون المالية التعديلي زاد في اعتمادات نفقات الاستثمار للميزانية العامة بنسبة 9.6 % لتصل لأزيد من 85 مليار درهم، ما مرد ذلك؟

  إن مشروع قانون المالية التعديلي زاد في اعتمادات نفقات الاستثمار  للميزانية العامة بنسبة 9.6% لتصل لأزيد من 85 مليار درهم، وذلك راجع لارتفاع الاعتمادات المبرمجة برسم فصل الاستثمار للتكاليف المشتركة والمخصصة لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، غير انه مع ذلك فالتعامل مع رفع اعتمادات الاستثمار من لدن الحكومة (94 مليار إذا أضفنا لها استثمارات الحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة) ينبغي ألا  يتسم بالتفاؤل المفرط، لعدة عوامل، أولها مسألة ترحيل الاعتمادات، فالقانون التنظيمي للمالية في مادته 63 حدد سقف الترحيل في 30% من الاعتمادات المفتوحة خلال السنة الجارية، وبالنظر لان نهاية السنة التشريعية لم يتبقى لها إلا 5 أشهر، ومسطرة تنفيذ المشاريع عبر الصفقات العمومية تتطلب وقت ليس بالقصير، فإن أغلب الأمرين بالصرف لن يتمكنوا من الالتزام وصرف 70% من الاعتمادات المفتوحة لهم مما سيؤول بها في نهاية المطاف إلى الإلغاء بحكم قانون المالية 2021.

ثانيا، هناك آليات تتمتع بها الحكومة خصوصا مع القانون التنظيمي للمالية في مادته 62 التي تمكنها من إيقاف تنفيذ نفقات الاستثمار بعد إخبار لجنتي المالية بالبرلمان، وكذا المادة 46 من قانون المالية لسنة 2020 التي لا تزال سارية المفعول ولم تلغى، المتعلقة بالتدبير الفعال لنفقات الاستثمار، والتي تمنح الحكومة إمكانية تطبيق احتياطات اعتراضية Des réserves de précaution لاعتمادات الأداء المفتوحة برسم نفقات الاستثمار من الميزانية العامة في حدود نسبة 15.%

ولا بد أن نسجل أخيرا على هذا المستوى أن نفقات الاستثمار المؤسسات والمقاولات العمومية تراجعت بنسبة 28%، ونفقات الاستثمار للجماعات الترابية تراجعت بنسبة  23 %.

 

حظيت المقاولات العقارية بتحفيزات ستساعد هذا القطاع على تجاوز عنق الزجاجة، كيف ذلك؟

بخصوص الإجراءات التحفيزية للمقاولات العقارية ولقطاع العقار، اقر مشروع قانون المالية التعديلي عبر مادته الثالثة  إجراءين مهمين، الأول موضوع المادة 247 من المدونة العامة للضرائب واستهدف تمديد آجال الاتفاقيات المتعلقة بانجاز برامج بناء مساكن اجتماعية، وذلك بمنح المقولات العقارية اجل إضافي مدته ستة أشهر (أصبح الأجل هو سنة كاملة بعد تعديل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب) للوفاء بالتزامها ببناء هذه المساكن، أخدا بعين الاعتبار توقف أنشطة مقاولات البناء خلال فترة الطوارئ الصحية والانعكاسات الناتجة عنها.

الاجراء الثاني يهم تخفيض نسبة 50% من واجبات تسجيل العقود المتعلقة باقتناء محلات السكنى شريطة أن لا يتجاوز مبلغ الاقتناء 1 مليون درهم  ( أصبح المبلغ هو 2.5 مليون درهم وشمل كذلك الاراضي المخصصة للسكنى، بعد التعديلات التي أدخلتها لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب بمجلس النواب) وان تتم العملية في حدود 31 دجنبر 2020 وذلك رغبة من الدولة في تحريك سوق العقارات بالمغرب التي عرفت ركودا، غير أن نجاح هذا الأمر رهين بالدور الذي يمكن ان تلعبه المؤسسات البنكية من خلال تخفيض نسبة الفائدة المطبقة على قروض السكن تشجيعا للمواطنين على عملية الاقتناء، خصوصا وان بنك المغرب سبق وان خفض سعر الفائدة الرئيسي  في حدود 1.5% وهو ما يفرض ان تتجاوب معه الأبناك.

 

هل الإجراءات المتخذة ربما ستؤثر على مناصب الشغل المحدثة بموجب قانون المالية السنوي 2020، المحددة في 23312 منصبا؟

بخصوص مناصب الشغل  بالقطاع العام  فإن قانون المالية التعديلي جاء خلوا من أي مقتضى يغير أو يحذف ما كان منصوصا عليه في المادة 26 من قانون المالية السنوي 2020 مما يوحي بأن الحكومة حافظت على هذه المناصب (23.312 منصبا كان قد أحدثه قانون المالية لسنة 2020)  وهو الأمر الذي أشار إليه وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب أثناء مناقشة قانون المالية التعديلي، حينما أكد على أن مناصب الشغل بالقطاع العام برسم سنة 2020 لن يتم المساس بها وأن القطاعات الحكومية تملك صلاحية استعمالها إلى غاية 30 يونيو المقبل، وهذا الأمر يجد أساسه القانوني في المادة 32 من قانون المالية لسنة 2012 المتعلقة بحذف المناصب الشاغرة غير المستعملة، والتي أعطت صلاحية للقطاعات الحكومية بالاحتفاظ بالمناصب المالية غير المستعملة بالنسبة للسنة المالية X إلى حدود 30 يونيو من السنة المالية X+ شريطة أن تكون مؤشر عليها من لدن مصالح الخزينة العامة للمملكة، وإلا سيكون مآلها الحذف عند ذلك التاريخ.

 

ماذا عن المساهمة الإبرائية برسم الغرامات المالية المتعلقة بعوارض الأداء على الشيكات في قانون المالية التعديلي، وهل يمكنكم إعطاءنا رقما عن حجم التسويات بهذا الخصوص؟

 إجراء أخر كان قد تضمنه قانون المالية لسنة 2020 في مادته السابعة مكررة، والمتعلقة بالمساهمة الإبرائية برسم الغرامات المالية المتعلقة بعوارض الأداء على الشيكات كيفما كان عدد وترتيب هذه الشيكات وحدد سعر المساهمة الإبرائية في نسبة 1.5 %، (بدل نسبة الغرامة المالية التي تحددها المادة 314 من مدونة التجارة) بخصوص الشيكات المقدمة للأداء بتاريخ 31 دجنبر 2019 كحد أقصى، وقد مكن هذا المقتضى من تسوية حوالي 116.274 عارض أداء إلى حدود 20 مارس 2020.

وجاء مشروع قانون المالية التعديلي في نسخته الحكومية وبالضبط في مادته السادسة ليؤكد هذه المقتضيات مع تعديل في  التاريخ ويطبقها على الشيكات المقدمة للأداء في الفترة الممتدة من 20 مارس إلى 30 يونيو 2020 وهو أمر مفهوم ومقبول ومبرر لكون لوحظ خلال فترة الحجر الصحي ارتفاع من جديد في عدد عوارض الأداء ليبلغ 117.069 حالة، وذلك بسبب التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للازمة الصحية والصعوبات المالية الناتجة عنها، غير أنه تجدر الإشارة إلى أن لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب أدخلت تعديلا على هذا المقتضى ومددته بشكل غير مفهوم ليشمل جميع الشيكات المقدمة للأداء خلال الفترة من فاتح يناير 2020 إلى غاية تاريخ نشر قانون المالية التعديلي بالجريدة الرسمية، بما يعني أنه حتى الشيكات التي ستقدم للأداء خلال هذه الفترة وفي الأيام المقبلة ستستفيد من هذا المقتضى.

 

 

 




تابعونا على فيسبوك