أجمع قضاة وحقوقيون وخبراء نفسانيون واجتماعيون بالدارالبيضاء على أن زواج القاصرات ظاهرة متجذرة في المجتمع المغربي، وأنها في ازدياد، إذ أحصت وزارة العدل والحريات أزيد من 30 ألف طلب إذن بالزواج دون سن الأهلية خلال سنة 2014.
أكد المشاركون في لقاء لمناقشة "زواج القاصرات: أية رؤية لأجل أية استراتيجية؟" نظمته جمعية حقوق وعدالة، أول أمس الخميس، بالدارالبيضاء، بشراكة مع المركز الدنماركي للمعلومات حول النوع الاجتماعي والمساواة والتنوع، والسفارة النرويجية، أن موضوع زواج القاصرات، الذي يستأثر باهتمام الرأي العام المغربي والدولي، ارتفع بشكل حاد في السنوات العشر الأخيرة.
واعتبر المتدخلون أن السبب يعود إلى وجود مفارقات بين الواقع والنص القانوني، الذي فشل في الحد من تفشي الظاهرة رغم دخوله حيز التنفيذ، وبين توجهات الدولة وفعاليات المجتمع من جهة، وبين الواقع وإكراهاته من جهة ثانية.
وتطرق المشاركون، وبينهم ممثلون عن أحزاب سياسية ومجتمع مدني، إلى مخاطر الزواج دون سن الأهلية القانوني، خاصة على صحة الفتيات، اللواتي يعنيهن هذا الزواج أكثر من الذكور، باعتبارهن أمهات المستقبل، موضحين أن الفتيات لا يصلن إلى الإدراك والتمييز إلا ما بعد سن 18 سنة، ومتسائلين كيف يمكن تزويج فتيات في سن 13 سنة أو 14 سنة وهن لم يصلن بعد سن اتخاذ القرار، دون إغفال العواقب الصحية والانعكاسات الاجتماعية عليهن، لتحملهن مسؤولية أطفال ينجبنهن في سن صغيرة.
ووصف رضى أولامين، رئيس جمعية حقوق وعدالة، زواج القاصرات قبل سن 16 أو 18 سنة بـ"البيدوفيليا"، و"هتك عرض القاصر"، معتبرا أن تزويجهن في سن 13 أو 14 سنة "ليس عدلا، بل قتل لهؤلاء الصغيرات تحت غطاء الزواج، خاصة أن هذا الزواج يمر عبر مسطرة قضائية يحددها القانون".
وقال أولامين إن "القاضي الذي يأمر بهذا الزواج، رغم أنه يطبق مسطرة قانونية، يعتبر مشاركا فيه، لأن القاضي الذي يأمر بزواج فتاة في 13 سنة يمكنه أن يأمر بزواجها في سن الثامنة"، وتابع قائلا "نحن في حاجة إلى قضاء شجاع لاتخاذ قرارات حازمة لرفض زواج دون سن 16 سنة".
وتطرق إلى حالات لزوجات صغيرات وصفها بـ "المأساوية" رصدتها الجمعية خلال بحثها الميداني في الموضوع، داعيا المغرب إلى "تأمين العيش الكريم لأفراد المجتمع، وتحمل مسؤوليتها الكاملة في حماية القاصرات، لأنهن لسن ملكا لعائلاتهن بل جزء من المجتمع، وعلى الجميع التكتل لإزاحة الألم عنهن قانونيا وإنسانيا".
من جانبها، أشارت أسماء أمولود، باحثة وقاضية بالمحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدارالبيضاء، وممثلة رابطة قضاة المغرب، إلى ضرورة الاجتهاد للتصدي لهذا المشكل، على اعتبار أن القضاة لا يمكنهم الاطلاع على جميع الزيجات في القرى النائية، وأغلبها في إطار الزواج بالفاتحة دون عقد شرعي.
وأوضحت، انطلاقا من تجربتها الشخصية، أن الأمر يشكل عائقا أمام المحاكم في التعامل مع قضايا شائكة من هذا النوع، خاصة عندما ينتج هذا الزواج أبناء، ما يسفر عن مصاعب أخرى، منها عدم قدرة الأطفال على الالتحاق بالمدارس، لعدم ثبوت أسمائهم في السجلات المدنية.
في الجانب النفسي، اعتبرت نوال إدريسي الخمليشي، اختصاصية في الطب النفسي للأطفال، أن زواج القاصرات يتسبب في ظهور مشكلات صحية جسدية ونفسية بين الفتيات المتزوجات في سن مبكرة وأطفالهن، ما يهدد بزيادة انتشار المخاطر النفسية والجسدية التي تحدد صحة الأطفال والأمهات معا.
ودعا المشاركون في ختام اللقاء إلى ضرورة تعديل المادة 20 من مدونة الأسرة، والعمل على تطبيق الاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، واعتبار مصلحة القاصر في متابعة دراستها، وكذا إمكانية الطعن في مقرر القاضي بالإذن بزواج القاصر، مع مضاعفة الجهود التحسيسية بالسلبيات المترتبة عن زواج القاصرات.